أغنية اليامال في الظلام
👇
على شاطئ نصف القمر، كنت وحدي، أراقب النجوم التي تزين السماء والشهب التي تمر بسرعة وكأنها تمزق الستار الذي يفصل بيني وبين الكون. ربما هي حرب النجوم، كما كنت أفكر في لحظات صمت الليل الهادئة. كان من المفترض أن ألتقي بأصدقائي لننطلق معاً في رحلة صيد سمك وغوص، لكنهم تأخروا كثيرًا. أصبح الليل طويلاً، وبدأت أشعر بأن هذا اللقاء لن يحدث الليلة.
قررت في النهاية ألا أعود إلى البيت. البحر كان يناديني، وقررت أن أبقى هنا، بالقرب من مياهه التي تبدو وكأنها تحتوي على كل الأسرار. نصبت خيمتي، أستعد لليلة طويلة حتى شروق الشمس، وقد اتصل أحد أصدقائي ليخبرني أنهم سيأتون عند الفجر.
وأنا أقوم بتحضير المكان، سمعت صوتًا غريبًا، مألوفًا لكنه بعيد. كان صوت أغاني البحر ،انها النهمة، تحديدًا موال "اليامال" الذي سمعته مرارًا وتكرارًا في مناسبات بحرية قديمة. توقفت، نظرت حولي. من أين يأتي الصوت؟ هل نسي أحدهم المسجل يعمل في سيارته؟ أو ربما هناك من يقضي الليلة هنا، لكني لم أرَ أحدًا من قبل. كان الشاطئ يبدو خاليًا تمامًا.
عندما استدرت نحو البحر، رأيت شيئًا لم أكن مستعدًا لرؤيته. هناك، في الأفق، ظهرت سفينة قديمة. لم تكن سفينة حديثة أو قارب صيد كما أرى عادةً في هذه المياه. لا، هذه السفينة كانت من زمن آخر. خشبها بدا متهالكًا، أشرعتها قديمة وممزقة، ومع ذلك، كانت تبحر وكأنها تخرج من صفحة كتاب تاريخي قديم.
كنت أقف هناك، مشدوهًا. كيف يمكن أن تكون سفينة غوص ما زالت تطفو وتبحر بعد مرور أكثر من مئة عام على نهاية زمن الغوص؟ كانت تبدو كأنها قد خرجت من كتابات البحارة القدامى، وكان الصوت القادم منها هو ما جذب انتباهي أولاً؛ كان غناء البحارة، غناء قديم لن تسمعه إلا في ذكرياتنا عن تلك الأيام.
أغمضت عيني للحظة. ربما كنت أتخيل. لكن حين فتحت عيني مرة أخرى، كانت السفينة لا تزال هناك، تتحرك ببطء وكأنها تسبح في ظلال الليل. مشيت بضع خطوات نحو البحر، قدماي تغوصان في الرمال الباردة. كل شيء حولي بدا وكأنه تجمد في الوقت، وكأن البحر نفسه توقف ليتيح للسفينة أن تمر بسلام.
من أنا؟ أنا ناصر، عاشق البحر والغوص في أعماقه. كنت أقضي سنوات من حياتي في البحر، أبحث عن السمك، أستمتع بالتصوير في أعماقه. لكن هذه السفينة... لم تكن جزءًا من عالمي. كانت جزءًا من ماضٍ بعيد، من زمن البحارة القدامى الذين عاشوا حياتهم على ظهر هذه السفن.
لحظة من الجنون؟ ربما. لكن هناك شيء ما في البحر هذه الليلة، شيء غريب وغير مألوف، يشعرني بأنني لست وحدي.
مرت السفينة من أمامي، وهيكلها يتضح لي بوضوح تحت ضوء القمر. صوت النهام يعلو في الأفق: "أوه يا مال..."، وترد البحارة من حوله بأصواتهم. كنت مشدودًا لهذا المشهد، وعيني تراقب تلك السفينة التي تبتعد رويدًا رويدًا.
بقيت ساعات طويلة أنظر إلى البحر، والسفينة تغيب في الأفق. تساؤلات عديدة دارت في ذهني: هل هي متجهة صوب البحرين أم ذاهبة إلى الكويت؟ أخرجت هاتفي لأتصل بصديقي لأخبره بما رأيت، لكن لم يرد على اتصالاتي. منذ جئت إلى هنا، لم يحدث لي هذا من قبل. حتى الذين قصصت عليهم ما جرى لي قالوا إنني ربما أعاني من مرض.
لكن شخصًا واحدًا قال لي مازحًا: "الم تسمع عن سفينة الهولندي الطائر؟ ربما أنت شاهدتها، لكنها خليجية!" غرق في بحر من الضحك، لكن كلماته تركت في نفسي أثرًا. حفرت أفكاره في أعماقي، وبدأت أستشعر دوامات من التساؤلات.
قررت أنه يجب أن أتكلم مع (مسعود الدافور). اعترفت له بأني لم أفتح كتابًا منذ تخرجي من الثانوية، سوى كتب الإرشادات. لكن عندما تحدثت مع مسعود، أعطاني مجموعة من الكتب وقال لي: "عليك زيارة مكتبة الدمام العامة - بيت الثقافة".
استصعبت الأمر. لست من هواة القراءة، وركنت إلى ما يقوله الناس عني: ربما أعاني من صداع، وعلي أن أبتعد عن البحر... رغم أن البحر هو عشقي، وخصوصًا بحر الخليج.
لكن تلك الليلة، رأيت فيما يرى النائمين السفينة ذاتها. كانت من نوع البوم، وكنت أرى وجوه البحارة وهم يعملون، والنوخذة حولهم يشد أزرهم. كان هناك شعور غريب بالتواصل، وكأنني جزء من رحلتهم. لكن فجأة، أتى صوت منبه هاتفي ليوقظني، ويعيدني إلى الواقع.
استيقظت وأنا أفكر في تلك السفينة، وتلك التجربة الغامضة. هل كانت مجرد حلم، أم كانت رسالة من البحر؟ مع كل هذه التساؤلات، شعرت بأنني بحاجة لمغامرة جديدة. قررت زيارة المكتبة، لعلني أجد فيها ما يساعدني على فهم تلك التجربة، ولعلني أكتشف أسرار البحر والسفن القديمة.
قد تكون قراءة الكتب ليست هوايتي، لكن شيئًا ما في أعماقي كان يدفعني للاستكشاف. ربما تكون تلك السفينة قد فتحت لي بابًا لعالم جديد، عالم من القصص والأساطير التي لا زالت تنتظرني.
قال مسعود ، وهو ينظر إليّ من خلال نظاراته ذات العدسات المقعرة، وكأنه يروي قصةً من زمنٍ بعيد:
"يحكى عن قبطان سفينة الهولندي الطائر (فان درديك) الذي تحدى القدرة الإلهية. و أزمع على المضي في الإبحار رغم الأهوال من حوله، ولم يركن إلى الإرادة الإلهية، بل قال إنه هو الأقوى. فما كان من بحارته إلا أن استجابوا له، فهو سيد السفينة وربانها. لقد اختلطت الأقاويل حول هذه السفينة الضائعة في البحار، لكن ثمة قصةً عن الأمير جورج وأخيه ألبرت فكتور. رأوا، وهما على سفينتهما التي استغرقت رحلتها ثلاثة أعوام بالقرب من أستراليا، نورًا أحمرَ متوهجًا من سفينة شبح في الساعة الرابعة صباحًا."
نظرت إليه بعيني مفتوحتين، فقد كان هذا هو نفس الوقت الذي رأيت فيه سفينة البوم، عندما كنت أراها مبحرةً في تلك الليلة الهادئة. كانت الأمواج تعانق البوم، وكانت النجوم تتلألأ في السماء. فجأة، انكسرت هذه السكينة عندما عانقت أذني أصوات غناء النهامة على متن السفينة، كأنه صوتٌ من أعماق التاريخ. كما رأيت نورًا صادرًا من سراجٍ معلقٍ على صاري السفينة، لا أذكر هل كان نورًا أحمر؟
"كنت أشعر بالرعب والفضول في آنٍ واحد"، قلت لمسعود، "لقد كان شعورًا غامضًا. كيف يمكن أن تكون تلك السفينة حقيقيةً؟"
تأملتُ في حديثه، وفكرتُ في ما رأيته. كانت ذاكرتي تعود بي إلى تلك اللحظة: كانت أمواج البحر تتلاطم حولي، وعندما اقتربتُ من مصدر النور، شعرتُ بيدٍ خفية تدفعني نحو المجهول.
"لم أستطع تحديد ما إذا كان النور دعوةً أم تحذيرًا"، أضفتُ بتردد. "كان الغموض هو كل ما كان يحيط بتلك التجربة."
"إنها مزيجٌ من المغامرة والخوف، ناصر"، قال مسعود، "ربما تكون تلك اللحظات هي التي تصنع منا من نحن. نستمد الشجاعة من التحديات، ونكتشف أنفسنا في زوايا مظلمةٍ من الذاكرة."
تلك الليلة، بينما كنا نتحدث، أدركتُ أن قصص البحر لا تنتهي، وأن كل تجربة قد تحمل في طياتها أسطورةً جديدةً، تستحق أن تُروى وتُكتشف.
في المكتبة العامة، حيث لا تُسمع فيها همسات أو أصوات، جلست أمام رفوف الكتب محاطًا برائحة الورق والحنين إلى المعرفة. طلبت من الموظف كتبًا عن البحر، وبالأخص عن بحر الخليج. نظر إلي من تحت نظاراته، وسخرية خفيفة في صوته، قال: "هذه كتب مخصصة للباحثين، وهم أكثر فئة تقرأها. لأول مرة منذ عشرين عامًا يأتي شاب يطلب مثل هذه الكتب. يبدو أنك تحضر نصًا لفيلم وثائقي."
استحسنت فكرة فيلم وثائقي، إذ لم يكن بإمكاني أن أخبره أنني رأيت سفينة شبح. أبحث عن تفسير علمي لهذه الحادثة الغامضة، لكن أي حديث عن السفينة قد ينتهي بي إلى الطرد واللعن. فقول الحقيقة أحيانًا يكون مفزعًا.
وضعت الكتب أمامي على الطاولة وبدأت أقرأ باهتمام. كانت تلك الحادثة قد شغلت بالي، مما جعلني مهووسًا بتتبع الحقيقة وفهم فحواها. لفت نظري كتاب بعنوان "أبناء السندباد" من تأليف ألن فلييرز. قرأت أيضًا رواية "النجدي" للروائي الكويتي طالب الرفاعي، وكتاب "معجم المصطلحات البحرية" للكاتب أحمد البشر الرومي.
لكن ما شدني حقًا كان كتاب "أبناء السندباد". كان يتحدث عن البحارة الذين غيروا اسم ألن فلييرز إلى الشيخ ماجد، وشرع في الإبحار مع البحارة الكويتيين من أجل التوثيق. ثمة كتاب آخر كان مختبئًا تحت الكتب، بعنوان "يوميات نوخذة" لكاتب مجهول.
بين صفحات "يوميات نوخذة"، لفت انتباهي اسم رجل يدعى سالم ابراهيم. كانت هناك إشارة إلى سفينة تُدعى "ريان"، التي تاهت في البحر لسنوات، حتى ظن أهلها أنهم قضوا نحبهم. وقد صلوا عليهم صلاة الغائب. أشار الكاتب إلى أن السفينة كانت من نوع "بوم"، وأنها لم ترسُ على الميناء.
تساءلت: ماذا حدث لطاقم السفينة؟ هل كانوا أحياءً؟ هل اكتشفوا طريق العودة إلى ديارهم، أم كانوا أسرى لمياه البحر المجهولة؟ هذه الأسئلة بدأت تثير فضولي، وأصبحت أبحث عن إجابات تتعلق بهذه الحادثة الغامضة.
كانت كل كلمة أقرأها تأخذني أعمق في عالم البحار، إلى حيث تداخلت الأساطير بالواقع، وأصبحت أحلم بسفينة "ريان"، وأفكر في بحارتها الذين لم يُعرف لهم مصير. كانت الكتب بمثابة نافذة إلى عالم بعيد، مليء بالأسرار والغموض، وبحثي عن الحقيقة بدأ يبدو كرحلة في أعماق النفس كما في أعماق البحر.
مع مرور الوقت، اكتشفت أن البحر ليس مجرد مياه، بل هو عالم حافل بالتاريخ والأساطير، وفي كل صفحة جديدة، كان هناك أمل في العثور على إجابة واحدة تعيد لي بعضًا من شعوري بالأمان في هذا العالم المليء بالمجهول.
لم أكن أتوقع أن مسعود، ذلك الفتى الذي كنا نتنمر عليه في المدرسة، هو أعجوبة زمانه وفريد عصره. كنا نعتقد أنه يعيش في الظل، لكن الحقيقة أنه كان يرى أبعد مما كنت أرى أنا. كان يعرف كيف يتجاوز محيطه، بينما كنت عاجزًا عن رؤية أبعد من أنفي. الفرق بيننا كان كبيرًا، بين من يعيش في النور ومن يعيش في الظل، وكأن مسعود كان يعرف شيئًا عن الحياة لم أتعلمه بعد.
دَلَّني مسعود على مجموعة كتب، اختارها لي بعناية، وكأنها بوابة لعالم لم أكن أعرفه. حين خرجت من المكتبة، كان إحساسي مختلفًا؛ لم أعد أنا الشخص الذي دخلها. كأنني لبست ثوبًا جديدًا، قشيبًا، وأنا أفكر في الوجود، في البحر، في أعماقه. لم أكن أدرك قصصه، حكاياته، ولا أسرار رواده، حتى بدأت أغوص في سطور الكتب التي تتناول البحار وعالمها الغامض.
كانت تجربة القراءة تلك أشبه بغوص حقيقي. أصبح سبر أغوار النفس البشرية شغلي الشاغل. أقف قبالة البحر، لا أفكر في أمواجه أو سطحه، بل في عمقه؛ كيف أستطيع أن أستخرج منه شيئًا؟ كيف أستطيع أن أصطاد فكرة، أن أمسك بحكاية؟ قرأت "موبي ديك"، تلك الرواية التي تتناول صيد الحيتان وطقوسه، فوجدت نفسي مشدوهًا، مسحورًا بعالم لم أكن أظن أنني سأفهمه يومًا.
لكن الآن، لم أعد أنظر إلى البحر كالسابق. لم يعد مجرد ماء وسماء؛ أصبح عالمًا يحمل بين طياته أسرارًا، وأنا أريد أن أصطادها واحدة تلو الأخرى.
كنت أجلس مع جاسم البوعينين في مقهى صغير على الساحل، حيث تناثر صوت الأمواج المتكسرة على الصخور مع رائحة البحر المالحة. كان الجو هادئًا، وأشعة الشمس المتناثرة بين الغيوم الخفيفة ترسم خطوطًا ذهبية على سطح الماء. في تلك اللحظة، بادرني جاسم بقوله: "يا ناصر، البحر يخبئ قصصًا وأحلامًا أكثر مما يظن الناس. هذا الخليج الذي تراه لم يكن مجرد بحر عادي لنا، بل كان حياتنا بأكملها."
نظرت إليه باهتمام، فاستطرد حديثه: "قبل النفط، كان اللؤلؤ هو نفط الخليج. الناس ماتوا في جوف هذا البحر، غرقوا، والتهمتهم أسماك الجرجور. الوسائل كانت بدائية، لا شيء سوى أجسادهم وقلوبهم الشجاعة. أذكر لك بعض الأدوات التي استخدموها، كالدّيين مثلاً، وهو سلة مشبكة من الحبال والخيوط، يعلّقها الغواص في عنقه ليجمع فيها المحار. وكانوا يستخدمون الفطام، قطعة من العظام يضعونها على أنوفهم لمنع تسرب الماء أثناء الغوص. أما الخبط، فكانوا يلفونه على أصابعهم ليحميهم من الصخور الحادة في القاع."
صمت قليلًا وكأنه يسترجع ذكرياته، ثم قال: "الغوص كان حياة يومية لا تعرف الراحة. يبدأ عند الشروق، ويتوقف فقط بعد الغروب. حتى في فترة الظهيرة، كانوا يريحون أنفسهم قليلاً، يتناولون الثمر والقهوة، ويؤدون صلاتي الظهر والعصر. في المساء، كانوا يتناولون وجبة بسيطة من الأرز والسمك. لكن النوخذة، القبطان، كان يتناول شيئًا مختلفًا، ربما طبقًا من الجعديدي أو المجدمي."
بدأت أشعر وكأنني أعيش تلك الأجواء من خلال حديثه. أردف قائلاً: "وفي الصباح، يقومون بعملية القلاف، حيث يفتحون المحار بسكاكين مقوسة ويبحثون عن اللآلي. كل شيء كان تحت إشراف النوخذة. كانت هناك لحظات توقف إذا زاد المحار على ظهر السفينة."
جلسنا في المقهى المطل على الواجهة البحرية، حيث كانت الأمواج الهادئة تلامس الرمال بلطف، وصديقي جاسم لم يستطع مقاومة الحديث عن البحر وسفن الغوص التي كانت تجوب مياهه منذ قرون.
"ناصر، البحر يحمل أسرارًا كثيرة، وأعظم تلك الأسرار مخبأة في السفن التي كانت ترتاد هذه البحار"، قال جاسم بينما نظر نحو الأفق وكأن تلك السفن تبحر في مخيلته.
الجالبوت: الأسطورة البسيطة
بدأ حديثه عن سفن الجالبوت، وهي سفن محلية الصنع كانت مشهورة في الخليج. "هذه السفينة يا ناصر، كانت تُستخدم في الإبحار والبحث عن اللؤلؤ، وكأنها مخلوقة خصيصًا لهذا الغرض. يتراوح طولها بين 20 و30 قدمًا، وحمولتها تصل إلى 60 طنًا. إنها سفينة تعكس براعة أهل الخليج في بناء سفن قادرة على الإبحار لمسافات طويلة، وربما اسمها مشتق من الكلمة الإنجليزية 'Jalbot'، التي تعني قارب النزهة."
السنبوك: عمق البحار
ثم انتقل جاسم إلى الحديث عن السنبوك، وهو سفينة تعود جذورها لأساطير قديمة. "يقال إنها تعود إلى المصريين القدماء، أو ربما أصلها فارسي. ولكن ما يميز هذه السفينة حقًا هو قوتها وقدرتها على الإبحار في أعماق البحار. كانت تحمل البحارة إلى أماكن لم يصلوا إليها من قبل. بطول يصل إلى 60 قدمًا وحمولة تتراوح بين 25 و60 طنًا، السنبوك كان بمثابة فارس البحر."
الشوعي: السفينة المتنقلة
سألته عن سفن أخرى، فأجابني بشغف: "الشوعي، يا ناصر، كان من أشهر السفن في الستينيات. بطول يصل إلى 60 قدمًا، كانت تُستخدم للسفر والغوص والصيد. كانت هذه السفينة تروي قصصًا عن الرجال الذين خاضوا غمار البحر بحثًا عن الرزق والمغامرة."
البَتيل: السفينة القديمة
لم ينسَ جاسم أن يحدثني عن البتيل، تلك السفينة التي يعود تاريخها إلى العصور القديمة. "هذه السفينة يا ناصر كانت تستخدم في الخليج العربي منذ زمن طويل. ارتبط اسمها بعائلة هندية من كالكوتا. كانت السفينة تتسع لحوالي 80 بحارًا، ولكنها اختفت بحلول عام 1940."
الصمعة: الغموض العريق
أثار اهتمامي الحديث عن الصمعة، وهي سفينة قديمة أخرى. "الصمعة تختلف عن السنبوك في بعض التفاصيل. طولها يتراوح بين 20 و30 قدمًا، وكانت تُستخدم في الإمارات لأغراض مشابهة."
البقارة: عائلة البحر الأحمر
ثم التفت جاسم إلى البقارة، تلك السفن التي أخذت اسمها من قبيلة على ساحل البحر الأحمر. "طولها يتراوح بين 30 و40 قدمًا، وكانت تُستخدم للغوص."
البغلة: العملاقة قبل البوم
بدا الحماس في صوت جاسم وهو يتحدث عن البغلة. "كانت هذه السفن ضخمة، يُعتمد عليها في السفر بين موانئ الخليج والهند. حمولتها تصل إلى 400 طن. قبل ظهور البوم، كانت البغلة تُعتبر الملكة بين السفن."
البوم: سفينة البحرين والخليج
وأخيرًا، تحدث جاسم عن البوم، السفينة الشهيرة التي كانت تُستخدم في نقل البضائع. "البوم كانت الخيار الأمثل للسفر البعيد. هناك نوعان منها: بوم سفار للسفر الطويل وبوم قطاع للرحلات المحلية. بطول يصل إلى 150 قدمًا، كانت البوم رمزًا للقوة في التجارة البحرية."
البانوش: القارب الصغير
قبل أن ننهي حديثنا، سألته عن البانوش. ابتسم جاسم وقال: "البانوش يشبه السنبوك، لكنه أصغر وأخف وزنًا. كان يستخدم في صيد الأسماك، ويتمتع بخصائص تجعله سريعًا ومناسبًا للتنقل."
أنهينا حديثنا بينما الشمس تغيب على الأفق، وكنت قد شعرت وكأنني أبحرت مع تلك السفن في مغامرة بحرية، تحملني الأمواج بين التاريخ والأساطير، متأملًا كيف أن البحر والسفن كانا جزءًا لا يتجزأ من ثقافة هذه المنطقة، يحملان معهما قصصًا لا تنتهي.
ثم توقف فجأة وسألني: "أراك مهتمًا بأهازيج البحر، أليس كذلك؟" أومأت برأسي، فأكمل بحماس: "النهمة، اليامال، الخطفة، الحدادي... كلها ألحان تخرج من قلب البحر. اليامال، هو سرد بصوت الشجن، والخطفة، غناء يرافق رفع الأشرعة باتجاه الرياح. أما الحدادي، فهو لإعادة نشاط البحارة في لحظات الراحة."
كنت مأخوذًا بكل كلمة يقولها، وكأنني أستمع لحكايات الأجداد التي طالما رغبت في معرفتها. لكن كان هناك شيء في ذهني. نظرت إلى جاسم وسألته: "جاسم، هناك شيء رأيته في شاطئ نصف القمر، ولم أستطع تفسيره. كان منظرًا غريبًا... شيء يشبه السفينة، لكن لم يكن كما يجب أن تكون."
تغيرت ملامحه قليلاً، ثم قال بصوت هادئ: "يا ناصر، البحر مليء بالأسرار، وما تراه في شاطئ نصف القمر ربما يكون قصة من قصص الغواصين، أو ربما... شيء أبعد من ذلك. سأخبرك المزيد عندما يحين الوقت."
نحن عشنا هنا، تحت هذه السماء، على ظهر سفن البوم والغوص، ننقب عن اللؤلؤ ونصطاد الأسماك، ونجعل البحر صديقًا لنا وعدوًا في آن واحد. كل سفينة كانت تحمل قصصًا عن المغامرة والشجاعة، وعن الأمل والموت."
تأملتُ حديث جاسم، وشعرت بمدى ارتباطي بالبحر وبكل ما يمثله. كنت أعلم أن تلك القصص ليست فقط للبحارة القدامى، بل كانت جزءًا من حياتنا الحالية أيضًا. البحر ما زال هنا، بمياهه العميقة وأسراره التي لم تُكتشف بعد. وفي لحظة من الصمت، تذكرت تلك السفينة الشبحية، وتساءلت هل كانت جزءًا من تلك القصص البحرية التي تتوارثها الأجيال، أم أنها مجرد هاجس من خيالي؟
"هل سبق لك أن سمعت عن سفينة مثل التي رأيتها، جاسم؟" سألته بصوت يحمل في طياته الشك والتردد.
ضحك جاسم وأجاب: "كل منا يرى البحر بطريقته الخاصة. ربما كانت تلك السفينة شبحًا من ماضيك أو ماضي أحد أجدادك. البحر يحمل في أمواجه ذكرياتنا، وأحيانًا يعود بها إلينا لنفهم من نحن وإلى أين نذهب."
ترك جاسم كلماته تتردد في ذهني، وشعرت أنني اقتربت خطوة من فهم ما حدث في تلك الليلة على شاطئ نصف القمر.
حين ذكرت لجاسم سالم ابراهيم، النوخذة التائه في عرض البحر، تغيرت نظرته فجأة. تبعت حدقتا عيناه اتجاهي، ثم قال لي بصوت خافت: "تعال معي إلى مكتبي في داخل المنامة." لم أفهم سر التغيير في حديثه، لكن فضولي قادني لمرافقته. هناك، في زاوية ضيقة من مكتبه، سحب صندوقًا قديمًا من الخشب، مغطى بطبقة من الغبار. فتحه بحذر وأخرج منه أوراقًا مهترئة وملابس قديمة، ثوبًا وغترة، وقال بصوت يحمل غموضًا: "هذه ملابس النوخذة سالم... الذي أعرفه أنه مات، لكن لا أحد يعرف الحقيقة. هل غرق؟ أم...؟" توقف عن الكلام، وكأنه لا يريد الإفصاح عن بقية القصة.
نظر إلي وقال: "يا ناصر، هذا سر قديم، سر يتداولونه الأجداد من الدمام إلى البحرين. قصة النوخذة سالم مرتبطة بحب امرأة جميلة، لكن في ذلك الزمان لم يكن التواصل سهلًا مثل اليوم. عشقته امرأة حتى الجنون، وترددت عليه في الطرقات الضيقة، تحاول إغوائه. كانوا يقولون عنها إنها 'أم السعف والليف'، وقيل إنها غولة، وبعضهم قال إنها 'حمارة القايلة'. لكنه كان يقف في وجهها بقوة، يصدها. النوخذة جاء إلى البحرين من نجد، يبحث عن الرزق، ويريد العودة إلى أهله، لكنه ما كان يعلم أن تلك المرأة لن تتخلى عنه بسهولة."
توقف جاسم للحظة، ثم أضاف: "قيل إنها جاءت يوم الرحيل تحمل شيئًا في يدها، ورشته على السفينة. كانت مادة غريبة، ربما سحر. في تلك الأيام، كان الناس يرشون ماء زمزم على السفن للبركة، لكن هذه المرأة كانت لديها نوايا أخرى. منذ أن شقت السفينة عباب البحر، لم يرها أحد مرة أخرى. اختفت السفينة، واختفى النوخذة سالم معها. انتظر الناس القفال، لكن السفينة لم تعد."
قال لي جاسم: "أذكر أبي يقول، عندما كانت النساء قديمًا ينتظرن الغواصين، كن يشعلن النار على الشاطئ ويقفزن فوقها تعبيرًا عن لهفة الشوق. كانوا يستعدون بزينتهم، يرتدين الحناء، ويحضّرن الأطباق المفضلة لأزواجهن. لكن عويشة، تلك المرأة، كانت تقف على الشاطئ وتضحك، تقول: 'ما أظن يرجعون.'"
ثم قادني جاسم إلى قبر، وقال: "هذه جدتي، التي فقدت ابنها الصغير في البحر. كان يتدرب على الغوص، لكنها كانت تأتي إلى الشاطئ كل يوم، تبكي وتضرب البحر بيديها، تردد: 'يا رب، جيبهم... يا بحر، توب توب...' حتى توفاها الله."
القصص التي حملتها تلك الأمواج، أسرار البحر التي تبتلع الرجال ولا تعيدهم، وأسطورة عويشة التي أظلمت على النوخذة سالم، كلها قصص تظل عالقة في ذهني، تذكرني أن البحر لا يفصح أبدًا عن كل أسراره.
بينما نحن نتكلم اتصلت ليلى،وهي تعاتبني على الهاتف بصوتٍ مفعم بشيء من الحنين:
"أخذتك قصص البحر، يا ناصر، وكتاب 'مذكرات نوخذة' الذي غرقت فيه، وكأنك وجدت نفسك بين صفحات سالم ابراهيم وسفينة الريان. بينما أنا هنا، أسأل جدتي عن قصص البحارة التي تعرف الكثير عنها."
ثم تابعت حديثها بشغف: "جدتي أخبرتني عن جدتها، عويشة. كانت امرأة فاتنة، تحدث عن جمالها الشعراء، يقولون إن جمالها كان مثل عيون عذاري، تسقي البعيد وتترك القريب. جمالٌ لا يوصف، يأسر القلوب ويثير الإعجاب، وكان جدي آخر من سقط في حبائل جمالها الخلاب."
كان في صوتها شيء من العتاب، وكأنها تقول إنني كنت أبحر بعيدًا في عالم آخر، بينما هي تغرق في بحر ذكرياتها وقصص عائلتها.
أردفت ليلى، بصوتٍ مفعم بشيء من الحزن المخفي خلف الكلمات:
"أخذت كل هذه الأخبار من أجلك، يا ناصر. لأنك سألتني عنها. لم يكن سؤالك مجرد فضول عابر، شعرت أنك تبحث عن شيء في قصص البحارة، في حياة من عاشوا بين الأمواج، وكأنك تحاول إيجاد نفسك في تلك الحكايات."
توقفت للحظة، ثم أضافت بنبرة أرق:
"سألت جدتي عن تلك القصص لأنني أردت أن أشاركك جزءًا من عالمي، أن تعرف أن البحر ليس فقط قصص ملاحين وسفن، بل هو جزء من تراثنا، من حياتنا. مثلما كان جمال عويشة رمزًا للحب والجمال، كانت قصص البحارة رموزًا للشجاعة والمغامرة."
ليلى تحبني، وأنا أحبها. منذ أن سمعت قصة عويشة، لم أستطع إلا التفكير فيها. ربطت بين عويشة عشيقة سالم و عويشة جدة ليلى الا ان قلبي مربوط بحبها لقد كان حبنا عابرًا للأزمنة، يتراقص بين الأمواج والشطآن. كلما نظرت إلى عينيها، تذكرت تلك القصة، وتذكرت كيف كانت عويشة تعبر البحر بحثًا عن الحب.
وقفتُ عند شاطئ الدمام المعروف بنصف القمر، أراقب الأمواج تتلاعب بلطف برمال الشاطئ. لقد امتلكت خيوط المعرفة حول قصة السفينة الشبح، ولكن شيئًا ما ظل يثير فضولي؛ إنها قصة سفينة ريان، وتفاصيلها لا تزال تتوارى خلف الأفق. لكن أكثر ما كان يدور في ذهني هو اسم سالم إبراهيم، الذي كان صدى اسمه يطرق قلبي رغم تحذيرات ليلى. كانت دائمًا تقول لي: "لا تنجرف مع تيار الأفكار، فمغبة الإفراط في التفكير هي الندم."
بينما كنت شارد الذهن، شعرت بشيء يلمس قدمي. التفت لأجد قارورة زجاجية تقترب مني، تجرفها الأمواج نحو الشاطئ. قمت بالتقاطها، وشعرت بفضول شديد لمعرفة ما بداخلها. فتحت القارورة بحذر، ووجدت رسالة مكتوبة بخط متعرج، وكأنها قد عبرت أمواج البحر لتصل إليّ.
"أنا سالم إبراهيم، أحاول أن أرسو، لكن سحر البحر يجذبني إلى البقاء على متنه... إني أبحث عنك، يا من تقرأ رسالتي..."
عند قراءة تلك الكلمات، شعرت بصدمة. هل هذا حقًا صوت سالم يناديني من أعماق البحر؟ كيف يمكن لشخص أن يترك وراءه رسالة كهذه؟ نظرت إلى القارورة، ومرّت أمامي مشاهد من ذكرياتي مع ليلى وجاسم ومسعود.
تلاشت أفكار ليلى في رأسي، وأصبحت الرسالة هي محور تفكيري. هل أُخبرهم؟ هل أخفي سرها وأبحث عن المركب التائه وحدي؟ كان الصراع داخليًا، كأنني أستعد للغوص في بحر من الخيارات.
النهاية




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق