(حين نطق الفأر...)
في زوايا المدينة التي لا تنام، حيث تسود الفوضى وتنتشر الأصوات كالأشباح، وجدت نفسي في موقف لا يُصدق. أنا الفأر، ذلك المخلوق الصغير الذي اعتبره الجميع مجرد قارض تافه. لكن دعوني أخبركم كيف تغيرت حياتي بفضل صوت إنسان لم يكن ليُحسن استخدامه.
تلك الليلة، بينما كنت أتجول في المطبخ بحثًا عن فتات الطعام، وقعت في فخ الرجل القاسي. كان يصرخ ويُهدد، وأحسست بالخوف يتسلل إلى قلبي الصغير.
في خضم المعركة، بينما كنت أحاول الهروب، حدث شيء غريب. فقد صوته الغاضب، وبدلاً منه، حصلت أنا على القدرة على الكلام. السبب في ذلك كان سقوطه على الأرض، حيث كان يركض خلفي. كان هناك سلك كهرباء مكشوف، وضع عليه شريط لاصق، لكنه انكشف فجأة، مما أدى إلى صاعقة كهربائية أحدثت أعجوبة. لسوء حظي أنه أمسك ذلي بيده ومن خلاله عبر التيار الكهربائي الى جسدي، كانت تلك اللحظة هي التي حولتني إلى كائن يتحدث.
تخيلوا ذلك! فأر يتحدث! لم أعد مجرد فأر بعد الآن، بل أصبحت أملك صوت الرجل القاسي. في البداية، شعرت بالقوة التي منحتني إياها هذه التجربة الجديدة. استخدمت صوت الرجل لأثير الفوضى بين الناس. رأيت الخوف في عيونهم، وسمعت صرخاتهم كانت المفاجأة في انتظاري؛ دخلت حماما حيث كانت هناك امرأة فاتنة تستحم، ذات مفاتن بارزة تجذب الأنظار. لا أدرى ما الذي دفعني، لكنني قلت بجرأة:
"ما هذه التفاحتان البارزتان؟"
تجمدت في مكانها، ثم نظرت إليّ بصمت. عندما رأت الفأر الذي يتحدث، صرخت بأعلى صوتها، مما جعلني ارتبك واتراجع الى الزاوية.
خرجت من الحمام تصرخ، وكانوا أصدقاء أبنها يتابعون فيلم مرعب والممثلة في الفيلم تصرخ فجأة تداخلت الأصوات بين صوت الام والممثلة رأوا أم صديقهم من دون ملابس فما كان منهم الا ان غطوا اعينهم، ولكن الفضول كان يتأجج في قلوبهم.
" فأر في الحمام يتكلم!" صاحت الام، مما زاد من ارتباك البالغين ودهشتهم.
تذكرت مثلا قديما يقول:
"الفضول قتل القطة". لكن في تلك اللحظة، أدركت انني أستطيع ان أكون سببا في اثارة الفوضى والمغامرة، وانني، كفأر يتحدث، دخلت عالماً جديداً مليئا بالتحديات.
الفضول لدى الأولاد كان عظيما، بينما كانت الام في حالة من الذعر، تتنقل بين الخوف والدهشة. كان هذا الموقف عجيباً، غمرني شعور بالتحرر رغم أنني كنت عالقا في جسم فأر. هل سأكون مجرد مخلوق تافه يخيف الآخرين، أم سأتمكن من استخدام هذا الصوت لإحداث تغيير في نظرتهم إليّ؟
كانت تلك اللحظة تحمل شيئًا من السخرية. كيف يمكن لصوت إنسان أن ينتمي إلى فأر مثلي؟
ومع مرور الأيام، بدأت أتنقل بين البيوت، مستخدمًا الصوت الذي كان يُخيف الجميع. لكن في داخلي، كنت أشعر بشيء غريب. كلما زاد تأثير صوتي، شعرت بعبء أكبر. كنت أستخدم قوتي لخلق الفوضى، بينما كان الرجل محبوسًا في صمته، يتجرع مرارة الندم.
وفي إحدى الرحلات، سافرت إلى المدينة الكبيرة راكبًا باصًا. كان السائق يغني هازًا رأسه من فرط الطرب، إلا أن صوته كان بشعًا جدًا. كيف يتحمله البشر، وهو الذي يقود بهم حافلته القديمة بين الطرقات لساعات طوال؟ صوته لا يُطاق! داخلي، أحسست بالطرب، وأحببت الموسيقى. أخذت أغني بصوت عالٍ مما دفعه إلى إيقاف السيارة. كان الطريق السريع يلبس ثوب العتمة وهو المتجه بسيارته صوب مدينة (ب). أخرج هراوة من تحت مقعده واتجه نحو المقاعد التي خرج منها الصوت، وبدأ يردد ويخبط قائلاً:
"إن كنت شبحًا أو رجلاً تختبر في سيارتي، أخرج حالًا، وإلا أبرحتك ضربًا!" وصار يخبط في كل مكان ضربًا عشوائيًا كاد يصيبني. خرجت له وقلت له:
"تبا لك!"
لم يتحمل الصدمة ووقع مغشيًا عليه. خرجت من فتحة الباب المكسور، وكنت مُحاطًا بالضوء والصوت، وكلما جئت إلى شارع، كانت الأرواح تسير وتتحرك، كأنهم يرقصون في عالم خاص بهم. كنت أصرخ بصوت الرجل:
"حياة الإنسان مغامرة!"
لكن صرخاتي كانت تُثير الذعر في قلوب الجميع.
في إحدى زوايا المدينة، وجدت نفسي أمام قطة كبيرة، ونظراتها الحذرة جعلت قلبي يرتجف. "ماذا سأفعل الآن؟" همست لنفسي. لكنني تذكرت حيلتي، وبدأت أقلد صوت الرجل العجوز الذي كان يخرج من المطعم لوضع الطعام للقطط.
"هناك طعام!" صرخت، فاجتاحتني موجة من الأمل بينما تجمعت القطط حول باب المطعم، عيونهم تتلألأ بشغف الانتظار. لكن فجأة، هربت، وكأن صوتي كان رعدًا في سماء هادئة. يا لصوت الإنسان، الذي عبر الفضاء وسخر الأرض، وجعل الحيوانات تحت سلطته. لكن في أعماق قلبي، أدركت أنني بحاجة إلى شجاعة نادرة لمواجهة المخاطر التي قد تنتظرني.
ومع كل خطوة أخطوها، كانت الحياة تفتح لي أبواب الحكمة، معلنةً عن دروسها الثمينة. تعلمت أن القوة ليست فقط في السيطرة، بل في فهم الآخرين ورؤية جمال الطبيعة من حولي. كل لحظة كانت تجربة، وكل تحدٍ كان فرصة لتطوير ذاتي. في تلك الرحلة، أدركت أن الشجاعة ليست غياب الخوف، بل القدرة على مواجهة المجهول بحب وصدق.
في خضم هذه المغامرة، بدأت أستوعب أن الصوت ليس مجرد وسيلة للتعبير، بل هو أيضًا أداة للتواصل والتعاطف. لا أريد أن أكون مجرد فأر يُخيف الآخرين، بل أريد أن أكون صوتًا يحمل رسالة.
وفي تلك اللحظة، بينما كنت أركض في الشوارع المتلألئة، أدركت أن رحلتي لم تنتهِ بعد. كان أمامي الكثير من الأسئلة: هل سأجد طريقي إلى نفسي؟ أم سأبقى أسير هذا الصوت الذي يعرّفني بشكل مختلف؟
مع كل إجابة أبحث عنها، كنت أجد نفسي في مواجهة خيارات أكثر تعقيدًا. هل سأستخدم صوتي لنشر الفوضى، أم سأستغل هذه القدرة للخير، لأكون صوت من لا صوت لهم؟ كانت هذه هي رحلتي الحقيقية، رحلة اكتشاف الذات، والتصالح مع هويتي الجديدة، والتعلم من الفوضى التي خلقتها.
في زحام الطرقات والدروب، وجدتُ نفسي أواجه واقعًا مريرًا، حيث كنت بلا مأوى. كالفئران التي تتجول بلا بيوت، كنت أبحث عن مكان يضمن لي القليل من الدفء والأمان. الناس يحيطون بي، يمتلكون بيوتًا وأسقفًا تحميهم من قسوة البرد، لكنني كنت أعاني في صمت.
رغم انكساري، لم أكن وحدي في معاناتي. كان هناك من يشبهني، إنهم مشردون من بني البشر. لفتت انتباهي زاوية مظلمة، حيث كان يجلس رجل ضخم البنية، غائر العينين، ذو بشرة سمراء. في حضنه، كانت نار صغيرة تشتعل في صفيحة صدئة، كأنها حياة متوقدة في وسط الظلام.
اقتربتُ منه، آملاً أن أستطيع اقتناص بعض الدفء من ناره. لكن ما إن رآني حتى ارتعب وأخذ يعبر عن خوفه بعصا خشبية، وكأنه يظن أنني أطمع في شيء منه. "أنا لا أطمع في شيء سوى الدفء"، كانت كلماتي تتلعثم في فمي، لكن لم يدم الأمر طويلاً. وكأنما انطلقت رصاصة، هرع إلى الشارع كريشة، كادت تدهسه السيارات لولا لطف الله به.
كنت أرى المتشرد يتحدث عني لدى المارة، ورأيته يشير نحو مكاني، يتحدث عني، لكن من سيصدقه؟ في عيونهم، كنت أنا الفأر الذي لا يتكلم، وهو الرجل المجنون.
استمر الوضع على هذا الحال حتى انبلج نور الصباح. كان عليَّ الرحيل قبل أن يكتشفني أحد. لكن، ماذا يعني أن أكون واضحًا في عالم لا يفهم شيئًا عن حياة الفئران؟ هل أدرك أحدهم مشاعري، آمالي، وأحلامي المكسورة؟ كانت الفكرة تتجول في ذهني، مثل فأر آخر يبحث عن طريقه في هذا العالم القاسي.
عليَّ أن أكون ذكيًا، أبحث عن أماكن آمنة، أراقب القلوب المتعاطفة، لعلي أجد ما أحتاجه. لم يكن هناك بديل. وفي كل مرة أستشعر فيها خطر الانكشاف، أتذكر أنني أعيش في عالم يختار تجاهلنا. هكذا، أستمر في التقدم، وأبقى على قيد الحياة.
عقدت العزم على المضي قدمًا نحو الأحياء الراقية والبيوت الفارهة، أو القصور الشامخة التي كانت تزين عصور النهضة، أو حتى قصر غاتسبي العظيم. هناك سأحصل على الطعام الوافر الذي ينقذني من الجوع في هذه الحياة القاسية. لكن شيئًا ما أدخل الحزن إلى قلبي، وتمنيت في تلك اللحظة أنني لم أمتلك يومًا هذا الصوت الغريب.
كنت أمشي فوق إحدى البنايات بالقرب من نافذة مفتوحة، وتوقفت عند رؤية صحنٍ مليء بكعك يبدو أنه لذيذ. شعرت بعصافير بطني تزقزق بلهفة، وحاولت الاقتراب، لكن ثمة عصفور آخر يحاول أيضًا مشاركتي في تلك اللقمة السائغة. كانت المعركة على تلك الكعكة مزيجًا من الصراع والحنين إلى الحياة الرفيعة.
استدعى انتباهي التلفاز الذي كان مفتوحًا. كان هناك رجل يرتدي بدلة أنيقة يتحدث بلهجة جادة عن التدمير والموت والقتل والحروب التي تشتعل بين البشر. انقلبت نظرتي تجاه أولئك البشر الذين كنت أمتدحهم، وأراهم غزاة الفضاء، كيف سخروا كل شيء من حولهم لأجلهم وفي ذات الوقت يقتلون بعضهم شر قتلة، ويخترعون أسلحة مدمرة تقضي على الأخضر واليابس.
“العلم سلاح ذو حدين” ، تذكرت تلك العبارة. كان ذلك الرجل في التلفاز يسلط الضوء على مظاهر الفوضى الإنسانية، بينما كنت أعيش أنا كفأر في ظل هذه الفوضى. تأملاتي جعلتني أدرك أن القطط، في عالمنا، مثل حكام البشر وأشرارهم، من الطغاة أمثال هتلر وموسوليني وبن لادن. ثمة سلسلة من الأشرار في عالم البشر اكتشفت أن الأفكار والأيديولوجيات تتلاعب بهم، تاركة وراءها خرابًا في النفوس.
تعلمت هذه الكلمات من البرامج التلفزيونية التي أصبحت أدمنها، رغم علمي بأن التلفاز اختراع رهيب. لكن ما يبثه التلفاز أفظع وأشنع من كل ما تصورته. في تلك اللحظة، شعرت أنني أعيش بين أنقاض عالم لا يرحم، بينما أفكر في حياتي كفأر مُعدم. في صراع بين الأمل والواقع، وبين الفوضى والنظام، كنت أبحث عن مكان يضمن لي القليل من الدفء والأمان.
واصطدمت عواطفي في تلك اللحظة، بين ما كنت أتمناه كفأر يتحدث وصوت الإنسان الذي منحني القدرة على الكلام. ولكن، هل يمكن أن يكون هذا الصوت نعمة أم نقمة؟ هنا تكمن رحلتي في عالم مختلط من الأضواء والظلال، في محاولة للبحث عن الذات والمعنى، وسط فوضى لم أتوقع أن أكون جزءًا منها.
وبينما كنت أغوص في أفكاري، تذكرت تلك الكعكة التي لم أستطع الحصول عليها، وتذكرت كل الأحلام التي كان عليّ التخلي عنها في سعيي للبقاء. هل سأجد يوماً ما مكاناً يضمن لي الحماية من كل هذه الفوضى؟ أم سأبقى عالقًا بين الجدران، أراقب ما يجري من خلف النافذة، أبحث عن أمل صغير في عالم يزداد ظلامًا؟
لم يكن لدي إجابات، ولكنني عرفت أن رحلتي مستمرة، وأن لكل صوت صدى، ولكل فكرة معنى. سأكون حريصًا في اختياراتي، لأنني أعلم الآن أنني لست وحدي في هذا العالم المليء بالتحديات، بل أنا جزء من معركة أكبر من مجرد بقاء.
لكن الكعك لم يكن ذلك الزاد المشبع، لم يطفئ لهيب جوعي الشديد. كانت موسيقى في بطني تعزف ليل نهار بلا توقف، حفلة صاخبة تطالبني بأن أجد ملجأً آخر ونافذة مختلفة تحفل بالأطعمة والأشربة. أطلقت ساقي للريح، علها ترشدني لمكان أفخم وأجمل.
على حين غرة، توقفت لدى رؤيتي تمثال فأر كبير أمام مبنى، كان الفأر بيده غزل يحيكه. لكنني لم أكن أجيد القراءة، فقد خُلقت أميًا ولم أتمكن من التعرف على المكان. رغم ذلك، كان له سحر خاص خلب لبّي، وداخلني شعور بالفخر. كيف يمكن لفأر قارض بحجم بوصتين أن يكون له تمثال في قلب المدينة؟ عزمت العزم على الدخول إلى هذا المكان. نسيت جوعي أمام هذا الفخر العظيم.
هل الفخر ينسي المرء جوعه؟ لست أدري! لكنني شعرت أن هذا المبنى يحمل شيئًا مميزًا. ربما كان يحتوي على كنوز من الطعام، أو ربما كان مكانًا للراحة والهدوء. دفعني الفضول إلى الاقتراب أكثر. أمعنت النظر في الواجهة اللامعة، ورأيت من خلال النوافذ أشخاصًا يجلسون حول طاولات مغطاة بأجمل الأطباق. كانت رائحة الطعام تُغازل أنفي، وشعرت أنني في عالم آخر، عالم لا يُشبه عوالم الفوضى التي اعتدت عليها.
تجمعت كل شجاعتي، ومن جحر مظلم بالمبنى الغريب، تسللت عبر ثقب صغير، فشاهدت عالمًا لم أتوقعه. رائحتان مختلفتان، واحدة عطرة ونفاذة، والأخرى تثير حفيظتي. لكن ما أثار دهشتي حقًا كان الطابور الطويل من الأقفاص البيضاء. داخل كل قفص، فئران بيضاء تدور في دوائر، وكأنهن في رقصة محيرة، بينما البعض الآخر يلعب بكُرات ملونة.
وقفت متسمّرًا، مذهولًا، حتى جاء صوت مُكبر في أعلى الحجرة يعلن: "الآن وقت الطعام!" وتبعه قرع جرس متكرر. رأيت رجلًا يدفع عربة محملة بقوارير وعلب، يوزع الطعام عند كل قفص. الفئران تتكالب، تتنافس بشغف لتتناول وجبتها.
في أعماقي، شعرت بغيرة واندهاش. "هنا خدمة فندق سبعة نجوم..." قلت في نفسي. "لكنني لن أُقبل، فأنا فأر رمادي، والخدمات مخصصة فقط للفئران البيضاء. لكن ما هي قصتهم؟ لماذا هذه العناية الفائقة؟ ثمة سر غامض عليّ اكتشافه."
في إحدى الزوايا الباردة من تلك الأقفاص البيضاء، رأيتها. فأرة بيضاء جميلة، تجلس بلا حراك وكأنها تمثال من عاج. شعرت بشيء يجذبني نحوها، ربما كان فضولًا أو ربما كان شيء أكبر لا أستطيع تسميته. اقتربت منها بخطى مترددة، وعندما رأتني، رأيت في عينيها بريقًا غريبًا، بريقًا من الإعجاب. كان هذا جديدًا بالنسبة لي، فلم أكن أتصور يومًا أنني سأعيش لحظة كهذه، فأنا الفأر الرمادي الذي اعتاد التسلل بين الجدران والصمت.
لكن ما أدهشني حقًا هو شيء آخر. لقد حُبيت فجأة بقدرة التعبير بلغة البشر. تلك اللغة التي يستخدمها البشر للتقرب إلى إناثهم، يهمسون فيها بالكلمات العذبة الساحرة التي تغمر الأرواح وتذيب الجليد. وفي عالمنا، نحن الفئران، الأمر مختلف تمامًا. لا نستخدم الكلمات، بل أصوات صغيرة تشير إلى مشاعرنا البسيطة.
هي، الفأرة البيضاء، كانت تحاول إغوائي بطريقتها. "ألا تأتي معي إلى الداخل؟ لونك الرمادي خلاب"، كانت أصواتها تقول ذلك، لكنني، للأسف، لم أعد قادرًا على الرد. لساني الذي كان يُصدر تلك الأصوات أصبح بشريًا، ولم أعد أستطيع التواصل بلغتها. شعرت بالملل والإحباط، فأنا الآن في عالم لا أفهمه تمامًا، ولا أستطيع فيه التعبير عن مشاعري.
وقفت هناك، أنظر إليها بعينين حزينتين، بينما لساني يردد ما عجزت عن إيصاله بلغة الفئران:
"يا فأرتي الصغيرة البيضاء،
أنتِ بالنسبة لي مثل الماء والهواء...
عيناكِ هما مدخلي إلى الوجود...
رائحتكِ هي قارورتان من عطري المفضل..."
لكنها لم تفهم شيئًا. كل تلك الكلمات التي خرجت من فمي كانت عبثًا بالنسبة لها، كأنني أحاول التحليق مع طائر لا ينتمي إلى جنسي. وتذكرت حينها المثل: "كل طير يطير مع جنسه". ربما كنت أحاول أن أكون شيئًا لست عليه، وهذا هو المصير الذي أواجهه الآن: فأر بلا لغة يفهمها الآخرون.
في تلك اللحظة، شعرت بشيء غير طبيعي في الهواء. نظرت حولي لأرى المكان بوضوح أكبر، وبدأت تتضح لي الحقيقة. كنت محبوسًا في مختبر فئران تجارب، والمصير الذي ينتظرني لم يكن مختلفًا عما ينتظر الآخرين هنا. لقد كان المكان مليئًا بالأقفاص، وكان بإمكاني سماع صوت أحدهم يهمس بكلمات غريبة عن "جين" وعن مصيرها.
رأيتها هناك، الفأرة البيضاء التي اقتربت مني في الأيام القليلة الماضية، وكأنها تشعر بشيء مختلف نحوي. كنت مجرد فأر شارع، لا اسم لي ولا قصة تستحق الذكر. لكن جين... كانت جزءًا من شيء أكبر. سمعت الفتاة التي تعمل في المختبر تتحدث إلى زميلتها وتقول بصوت هادئ وهي تحمل الحقنة: "هذه الفأرة تم عزلها لأنها فأر معطل الجين، نطلق عليها اسم (فئران الضربة القاضية)."
كانت الكلمات تحمل نغمة من الحتمية القاسية. علمت أن جين قد تم التلاعب بجيناتها، وأن مصيرها أصبح محكمًا. كانت أقرب ما تكون إلى الإنسان من حيث التشريح، كما قالت الفتاة، ولهذا كانت تُستخدم في هذه التجارب القاسية. لكن لم يكن مصيرها الموت فقط، بل كانت تُحمل مسؤولية التجارب التي ستؤدي حتمًا إلى موتها، حيث أضافت الفتاة: "هي عرضة للموت بسبب الاختبارات."
بينما كنت أستمع إلى تلك الكلمات، شعرت بشيء ثقيل في قلبي الصغير. كيف لها أن تتعلق بي، وأنا لا أملك لها شيئًا؟ هل كان هذا نوعًا من الحب الذي لا يُفسر، أم كان خوفًا من النهاية المحتومة؟ "لستُ أدري أهو الحب الذي خفت شجونه... أم تخوفت من اللّوم فآثرت السكينة."
وفي تلك اللحظة، ظهر الرجل الذي يعمل في المختبر، ضاحكًا بطريقة مستفزة، يمسك بفئران أخرى ليحقنها. قال وهو يضحك بصوت عالٍ: "هذه الفئران لا تكلف شيئًا، تراها هنا كثيرة... كأننا في مستعمرة. أحيانًا أشعر أن مصيرهم مثل الهولوكوست." ضحكته كانت قاسية وباردة، وكلماته كأنها تتساقط علينا كحجارة ثقيلة. "الكائنات هذه لا قيمة لها"، قال بتهكم. "الإنسان يغضب إن اشتروه أو باعوه، أما هذه الفئران، فحياتها لا تساوي حتى شروى نقير."
رأيتها هناك، الفأرة البيضاء التي اقتربت مني في الأيام القليلة الماضية، وكأنها تشعر بشيء مختلف نحوي. كنت مجرد فأر شارع، لا اسم لي ولا قصة تستحق الذكر. لكن جين... كانت جزءًا من شيء أكبر. سمعت الفتاة التي تعمل في المختبر تتحدث إلى زميلتها وتقول بصوت هادئ وهي تحمل الحقنة: "هذه الفأرة تم عزلها لأنها فأر معطل الجين، نطلق عليها اسم (فئران الضربة القاضية)."
كانت الكلمات تحمل نغمة من الحتمية القاسية. علمت أن جين قد تم التلاعب بجيناتها، وأن مصيرها أصبح محكمًا. كانت أقرب ما تكون إلى الإنسان من حيث التشريح، كما قالت الفتاة، ولهذا كانت تُستخدم في هذه التجارب القاسية. لكن لم يكن مصيرها الموت فقط، بل كانت تُحمل مسؤولية التجارب التي ستؤدي حتمًا إلى موتها، حيث أضافت الفتاة: "هي عرضة للموت بسبب الاختبارات."
بينما كنت أستمع إلى تلك الكلمات، شعرت بشيء ثقيل في قلبي الصغير. كيف لها أن تتعلق بي، وأنا لا أملك لها شيئًا؟ هل كان هذا نوعًا من الحب الذي لا يُفسر، أم كان خوفًا من النهاية المحتومة؟ "لستُ أدري أهو الحب الذي خفت شجونه... أم تخوفت من اللّوم فآثرت السكينة."
وفي تلك اللحظة، ظهر الرجل الذي يعمل في المختبر، ضاحكًا بطريقة مستفزة، يمسك بفئران أخرى ليحقنها. قال وهو يضحك بصوت عالٍ: "هذه الفئران لا تكلف شيئًا، تراها هنا كثيرة... كأننا في مستعمرة. أحيانًا أشعر أن مصيرهم مثل الهولوكوست." ضحكته كانت قاسية وباردة، وكلماته كأنها تتساقط علينا كحجارة ثقيلة. "الكائنات هذه لا قيمة لها"، قال بتهكم. "الإنسان يغضب إن اشتروه أو باعوه، أما هذه الفئران، فحياتها لا تساوي حتى شروى نقير."
غضبت في داخلي من قسوته واستهتاره بحياتنا. ربما كنا مجرد فئران بالنسبة لهم، لكننا كنا نعيش، نشعر، ونخاف. لم نكن نملك أسماءً، لكننا بالتأكيد كنا نملك أرواحًا، وأحلامًا صغيرة تتلاشى في هذه الأقفاص المظلمة.
"خرجت من المختبر، ألعن كل شيء من حولي. كان كل ما في داخلي يصرخ أن الوقت قد حان لأعيد الصوت الذي أصبح عبئاً لا يُحتمل. كانت الحيوانات العجماء تعيش في سلام دائم، بعيدًا عن هموم البشر ومؤامراتهم التي تحاك في جنح الظلام. أما أنا، فقد أفسدني هذا الصوت، وأصبحت مكشوفًا، معروفًا للجميع. حتى في نومي، أتحدث وأشخر، وأجلب لنفسي الويل والثبور. كنت أسمع الشتائم تُصبُّ عليّ، وأشعر أن كل ما حولي يعاديني.
لكن في لحظة غريبة، بينما كنت أسير فوق جدار إحدى البيوت، سمعت صوتاً أسرني. كان صوت فتاة تغني، ينساب بهدوء ويملأ الأجواء. توقفت، وأرهفت سمعي، فغمرني ذلك الصوت العذب. رفعت عيني نحو السماء، كان الجو خلاباً، ساحراً، وداخلي يتصارع بين جمال هذا الصوت ورغبتي في التخلص من لعنتي. هل يجب أن أعود للصمت؟ لأنني إن فعلت، سأحرم نفسي من هذا السحر. لكنني قررت أن أجرب حظي، فبدأت أغني معها، مغمضًا عيني، غارقاً في الترنم.
لكن في لحظة غريبة، بينما كنت أسير فوق جدار إحدى البيوت، سمعت صوتاً أسرني. كان صوت فتاة تغني، ينساب بهدوء ويملأ الأجواء. توقفت، وأرهفت سمعي، فغمرني ذلك الصوت العذب. رفعت عيني نحو السماء، كان الجو خلاباً، ساحراً، وداخلي يتصارع بين جمال هذا الصوت ورغبتي في التخلص من لعنتي. هل يجب أن أعود للصمت؟ لأنني إن فعلت، سأحرم نفسي من هذا السحر. لكنني قررت أن أجرب حظي، فبدأت أغني معها، مغمضًا عيني، غارقاً في الترنم.
فجأة، توقفت الفتاة عن الغناء. فتحت عيني، وجدتها تنظر إليّ بدهشة، وقالت: 'فأر يغني؟ وبصوت عذب؟!'
كانت تلك الفتاة مغنية شهيرة، تضاءلت شهرتها مؤخراً، وتبحث عن فرصة جديدة لتعود إلى الأضواء. قالت لي: 'أنت فرصتي. صوتك عذب... أنت من سيعيدني إلى المجد.'
نطقتُ قائلاً: 'سيدتي، المجد لا يأتي بالحظ وحده بل بالجهد هو من يقودنا إليه. أنا مجرد فأر أصابته لعنة التيار الكهربائي الذي جعلني أتكلم. أريد فقط أن أعيد هذا الصوت لمن فقده.'
لكنها أصرت: 'يجب أن تأتي معي إلى النادي. سنبث أدائك، وسيشاهده الجميع، بما فيهم الرجل الذي فقد صوته.'
وافقت، وأصبحت ضيفاً في بيتها. أكلت وشربت حتى تخمت. شعرت بأنني لا أعيش حالة وسطى؛ إما فقير معدم أو غني فاحش. وعندما جاء يوم العرض، غنّيت أمام الجمهور، وأذهلتهم بصوتي. الكاميرات صورتني، والصحافة بدأت تكتب عني، والناس تهافتوا لرؤيتي. لكني نسيت الرجل الذي فقد صوته، واغتررتُ بشهرتي.
أما الفتاة، فقد حبستني في قفص ذهبي، تأخذني معها إلى كل مكان، وتجبرني على الغناء. كانت تركب سيارات فارهة، وأنا أغني، لكنني شعرت أن هذا الثراء خانق. كنت حراً طليقاً، والآن أصبحت سجيناً بسبب الصوت الذي أردت التخلص منه. والآن، أصبح من اللازم عليّ أن أغني لأبقى على قيد الحياة، لأن الفتاة قالت لي: 'إذا توقفت عن الغناء، سأتركك في قفصك الذهبي إلى الأبد.'
حياة الأضواء والشهرة بشعة. كتبوا عني، وشاهدت التلفاز، يصفونني 'الفأر القبيح ذو الصوت البديع'. قال أحدهم: 'دون هذا الصوت، مكانه ليس إلا المصيدة.'
هل مكاني خلف الأسوار؟ لماذا الطرقات والشوارع والطبيعة حكرا على البشر؟ كان علي أن أصرخ! قلت للمرأة: 'أطلقي سراحي.' لكنها ردت ببرود: 'تسخر مني؟ أنت كنزي. من يترك كنزه؟ مجدي انطفأت شموعه ولم يوقده غيرك.'
صرت أغني في الفنادق وأوقع الأوتوغرافات. أطلقت علي اسم 'دميم'. لم أعد أرى سوى أن الإنسان فنان في الاستعباد والاحتكار. حتى المريخ يريدون أن يحتكروه! مرض التملك يعاني منه البشر؟ كنت حراً، لكن الصوت استعبدني. من يحل وثاقي؟"
بدأت قصتي بلا اسم، وها أنا ذا، بعد كل ما مررت به، أحمل اسماً من أبشع ما يكون—اسم "دميم". أنا الفأر دميم، صاحب الصوت الذي لعنته، ذلك الصوت الجميل الذي كان ينبغي أن يكون هبة، لكنه قادني إلى المجهول.
أذكر ذلك الرجل القاسي الذي أخذ صوتي في المقام الأول. كنت أظن أنني لن أرى ما هو أشد قسوة منه، ولكنني كنت مخطئاً. أمام ما رأيته مع هذه المرأة، بدا ذلك الرجل رحيماً، فقد كان في قلبه بقية من الإنسانية. أما هي، المرأة التي بدت فنانة في مظهرها، لم تكن سوى شيطانة متخفية. صوتها الذي أسرني في البداية أصبح جزءاً من حبائلها التي نسجتها حولي. جعلتني سجينا لصوتي، سجينا لرغبتها في المجد والثراء.
ظننت أني قادر على التخلص من الصوت، لكن الآن، أدركت أنه ليس الصوت هو الذي يثقلني، بل تلك القيود غير المرئية التي صنعتها لي.
وبين ما أصبحت عليه ككائن يحمل صوتًا لا ينتمي إليه، في عالم لا يعترف إلا بالقوة.
رحت أتساءل: هل امتلاك الصوت وحده يكفي ليغير مصيري؟ أم أن الصوت بلا سلطة يظل صدىً يضيع بين الجدران؟
في تلك الليلة، جلست فوق سطح أحد المباني، أراقب المدينة بأضوائها المتراقصة في الظلام. كنت أشعر بقلبي الصغير يخفق بقلق. كنت فأرًا، لكنني كنت أكثر من ذلك. كنت ذا صوت، وكنت ذا فكر.
لكن السؤال الحقيقي ظل يطاردني: هل سيمنحني هذا الصوت الحرية، أم أنه مجرد قيد آخر يضاف إلى سلاسل الحياة؟
رحت أتساءل: هل امتلاك الصوت وحده يكفي ليغير مصيري؟ أم أن الصوت بلا سلطة يظل صدىً يضيع بين الجدران؟
في تلك الليلة، جلست فوق سطح أحد المباني، أراقب المدينة بأضوائها المتراقصة في الظلام. كنت أشعر بقلبي الصغير يخفق بقلق. كنت فأرًا، لكنني كنت أكثر من ذلك. كنت ذا صوت، وكنت ذا فكر.
لكن السؤال الحقيقي ظل يطاردني: هل سيمنحني هذا الصوت الحرية، أم أنه مجرد قيد آخر يضاف إلى سلاسل الحياة؟
النهاية















ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق