ديستوبيا : مجرد حلم
لم أكن قد شاهدت حلمًا مثل هذا من قبل. كان الأمر وكأنني أمام شاشة سينما، أتابع فيلم خيال علمي، ولكن بشكلٍ غريب، كنت داخل الأحداث، أشعر بكل تفاصيلها كأنني أعيشها حقًا. صحوتُ فجأة في الرابعة صباحًا، متصببًا عرقًا، وكأنني خرجت للتو من حمام سباحة. كان قلبي يدق بشدة، ونبضي مسموعًا في أذنيّ، كأن جسدي لا يزال عالقًا بين النوم واليقظة.
أخذت نفسًا عميقًا وحاولت العودة إلى النوم، لكن عبثًا. هذا اليوم هو يوم إجازتي، لكنني شعرت أن فكرة النوم أصبحت بعيدة تمامًا عني. نهضت ببطء، بحثًا عن شيء يهدئ من توتري. لم أجد شيئًا أفضل من التلفاز.
بصراحة، أظن أنني الوحيد الذي لا يزال يحتفظ بجهاز الفيديو وأشرطة الأفلام القديمة. نعم، قد يكون هذا غريبًا في زمن المنصات الرقمية، لكن بالنسبة لي، هذه الأشرطة ليست مجرد أفلام، إنها ذكريات. مكتبتي السينمائية الصغيرة كانت نتيجة سنوات من الجهد والتعب، والبحث عن هذه الأفلام كان مغامرة بحد ذاته. بذلت الكثير، في وقتٍ كان فيه الحصول على فيلم قديم تحديًا حقيقيًا. والآن، كل شريط بين يدي هو قطعة ثمينة من الماضي، ينقلني إلى عالم كنت أعتقد أنني فقدته مع الزمن.
جلست أمام التلفاز، وأخرجت شريطًا عشوائيًا من المكتبة. شعرت ببعض الراحة وأنا أضع الشريط في جهاز الفيديو. الصوت الخفيف لصورة الشريط وهي تلتقط، الشاشة التي تشتعل ببطء، ثم ذلك الرنين الهادئ لبدء الفيلم – كل هذا كان كفيلًا بإعادتي إلى الهدوء.
أظن أنني قد قضيت الليلة في صحبة أفلامي، أتقلب بين ذكريات السينما الكلاسيكية وبين مشاهد تحمل طابعًا من نوستالجيا خاصة، كما لو كنت أسترجع أزمنة ضائعة أو أهرب إلى واقعٍ آخر يعيد لي السلام.
غرقت في ذكرياتي السينمائية، وأمامي شاشة التلفاز تعرض حفلات مايكل جاكسون التي سجلتها. كنت أشاهد بشغف، وفجأة، بدأ صوت موسيقى "ثريلر" يتصاعد في الغرفة. تلك النغمات كانت تعيدني إلى أوقات جميلة، لكن في ذات اللحظة، بدأ خيال الحلم الذي رأيته يتكشف أمامي. شعرت بشيء غريب يزحف إلى ذهني، كأن الحلم الذي عشته قد ترك آثارًا عميقة، وتلك اللحظات الراقصة تتحول إلى أشباح تعود لتطاردني.
في تلك اللحظة، سرت في نفسي فكرة مرعبة. هل يمكن أن أكون مصابًا بالفصام؟ هل بدأت أرى هلاوس بصرية؟ كانت مشاعر القلق تتصاعد داخلي. الحلم الذي رأيته أصبح يطاردني، يعكر صفو ليلي ويقض مضجعي في أوقات النهار. أصبحت قليل النوم، وقد أهدرت أكياسًا عديدة من القهوة، أملًا في أن تبقيني يقظًا وتساعدني على مواجهة هذا الهوس.
وذات ليلة، جاء صاحبي علي لزيارتي. كان لديه تعبير يبعث على القلق وهو ينظر إليّ. "عليك أن تنال قسطًا من الراحة..." قال لي بصوت هادئ، وكأنه يدرك ما أعانيه. لكنني شعرت بمقاومة داخلية. كنت أريد أن أخبره عن الحلم، عن تلك الرؤى الغريبة التي تأتيني، لكني ترددت قليلاً. خفت أن أشاركه تلك الأفكار المجنونة، أن يكشف ما رأيت لأحد، أو أن يُعتبر ما أخبره به مجرد هلاوس غير عقلانية.
أغلقت عينيّ للحظة، وسمعت موسيقى "ثريلر" تتكرر في ذهني، وتلك الوجوه التي كانت تحيط بي في الحلم، لا تفارقني. في تلك اللحظة، أدركت أنني أحتاج إلى مواجهة ما يجري في ذهني. لم يكن الأمر مجرد حلم، بل كان رحلة إلى أعماق نفسي، وكان عليّ أن أفهم ماذا يعني كل ذلك.
التلفاز، استيقظت على صوت علي يناديني:
"يا محمود! انظر إلى رقصة موون ووك!"
قطع صوت علي حبل أفكاري المضطربة. نظرت إليه وأخفضت صوت التلفاز باستخدام جهاز التحكم الذي كان بين يدي. كان قلبي لا يزال ينبض بشدة بعد الحلم الغريب الذي مررت به، وقررت أن أفتح قلبي لصديقي.
"علي، علي أن أبوح لك بشيء خاص بي…" قلت وأنا أشعر بتوتر داخلي يزداد.
نظر علي إليّ، وكان الحماس يضيء محياه. "أكمل… تكلم. كنت أشعر أن السرحان الذي تعيشه لم يأتِ من فراغ. الكل لاحظ عليك هذا الأمر. سيكتمل الشهر وأنت على هذه الحالة. الصمت من ذهب، أعلم ذلك، لكن الكلام مفتاح وعلاج أحيانًا. لا تكبت في داخلك مشاعر تريد الخروج."
تملكني الإحساس بأنني كنت في عالم آخر، عيناي قد أذبلها النصب وتعب الأيام. "رأيت حلمًا فيه عبدالله… تعرف علاقتي مع عبدالله…" لم أستطع الاستمرار، وانهرت في نوبة بكاء.
شعرت بحزن علي وهو يرد: "أعلم أن عبدالله توفي، والأمر مؤثر عليك، لكن هذا أمر الله، وهذا قضاء وقدر، وأنت لا دخل لك."
تجمدت كلماتي، وقلت بصوت مبحوح من البكاء: "لكن… الحلم ليس هكذا…"
انتهى بي الأمر إلى النوم وأنا أبكي، لكن علي لم يغادرني. ظل بجانبي طوال اليوم، وكأن وجوده وحده يمنحني بعض الراحة. كانت مشاعري متأججة، وخيالات الحلم الذي رأيته تتصارع في ذهني، غير قادرة على الهرب.
في تلك اللحظات، أدركت مدى حاجتي لفتح قلبي، لإخراج ما في داخلي. لم يكن الحلم مجرد رؤية عابرة، بل كان جزءًا من رحلة طويلة إلى أعماق نفسي، وعلي كان الصديق الذي أحتاجه في هذه الرحلة.
تجمدت في مكاني، وحاولت أن أستجمع أفكاري. الأصوات والشخصيات التي تطاردني أينما ذهبت لم تكن مجرد تخيلات. كانت تساؤلات مؤلمة، تجثم على صدري، وأعجز عن إيجاد إجابات لها. تحدثت مع الدكتور النفساني ثامر، الذي قال لي إن ما أواجهه هو أمر طبيعي، آثار ما بعد الحادثة. كان يتحدث بثقة، مُشددًا على أنني سأتمكن من تخطي هذه المرحلة. "يا محمود، المصاعب من المفترض أن تقويك، لأنك سترى ما هو أصعب. هل تعرف المدينة الفاضلة؟ إنها لا توجد إلا في خيال أفلاطون وتوماس مور صاحب اليوتوبيا ما من مكان الا و فيه مشاكل كبيرة او صغيرة و ما من نفس الا و تعاني من معضلات جسام..."
كلماته حفرت شيئًا من التحفيز في داخلي، لكن المشاهد التي رأيتها بدأت تمحو ذلك التحفيز كما تمحو مياه البحر الجريئة آثار الأقدام من على رمال الشاطئ. كلما حاولت أن أتحلى بالشجاعة، كانت هذه الصور المؤلمة تعود لتخيم على ذهني، وكأنها تنذرني بأنني لم أخرج بعد من نفق الألم.
حتى هنا، كنت أعتلي مركبة السرد، أحكي عن معاناتي. لكنني أشعر بأنني في حاجة لتسليم الدفة إلى علي، صديقي، الذي سيحكي ما رآه بعينيه.
وجهة نظر علي
أيها القارئ، أنا علي، كنت مع محمود طوال ذلك اليوم العصي. كانت حالته تتدهور، وأصبح يتحدث أثناء نومه، مما جعلني أشعر بالخوف العميق. لاحظت أنه أصيب بحالة السَّرنمة، حيث بدأ يمشي في حالة من السكون، كأنه يعيش في عالم آخر. بالطبع، لم يجرؤ على سرد ذلك خوفًا من أن يتهمه أحد بالجنون، ومجتمعنا لا يرحم المرضى.
في سابع نومه، بدأ يتحدث بصوت مسموع، وكلماته كانت تتردد في أذني: "الجنة من هنا... لا لا... النار... البرزخ..." كان يتنقل بين العوالم وكأنها أفكار تتجاذبه. عندما استفاق أخيرًا، اعتقد أنه يقظ، لكنه بدا غير مستقر، وكأنه يريد الخروج. حاولت أن أعيده إلى سريره، لكن الغموض في عينيه كان يجبرني على اتخاذ كل الاحتياطات.
أغلقت الأبواب، واتصلت بالدكتور ثامر. صوته من النوم كان خائفًا، لكنه حاول تهدئتي: "حاول تهدأه..." لكن كيف يمكنني تهدئته في حين أنني نفسي أشعر بالقلق والضياع؟ كنت أجلس على حافة سريره، مرتجفًا من الخوف.
لم أستطع النوم. ظللت أراقب محمود، وأشعر بقلبي يتسارع مع كل همسة. كنت أفرغ أكياس القهوة بلا هوادة، محاولًا البقاء يقظًا. شعرت كأنني محاصر بين عالمين: عالمه المتخبط وعالمي المشتت. كل ما أردته هو أن أكون هناك من أجله، أن أكون الدعم الذي يحتاجه في هذه اللحظات المظلمة.
استمر الليل طويلاً، وحين انتهى، لم يكن لدي سوى سؤال واحد: كيف يمكنني مساعدته للخروج من تلك الدوامة؟
عندما آفاق محمود من نومه العميق، وهو الذي يدعي أنه لا ينام، كان صوته يشخر كأنما شاحنة تذرع الطريق بلا توقف. لم يكن أمامي سوى وضع سدادة أذن لأحمي نفسي من هذا الهدير المزعج.
عندما استسلمت مجددًا للنوم، أيقظني صوته يناديني:
"علي... علي، هيا نذهب لجلب الفطور!"
حاولت أن أستوعب كلماتٍ متقطعة، لكني احجمت عن الرد. نظر إليّ وقال:
"ما أعرفه هو أنه إذا قلت ما تحلم به، يتحقق المنام."
استغربت من قوله: "هذا يعني أنك تحتاج إلى من يعبر حلمك!"
أطلق تنهيدة، كأنه يحمل همومًا ثقيلة، ثم قال: "إنه كابوس..."
في تلك اللحظة، أخذت أغنية "Thriller" لمايكل جاكسون تتسلل إلى أذني، تثير في نفسي شعورًا غريبًا. كان صوته يرتفع:
"قريب من منتصف الليل، وشيء شرير يتربص في الظلام
تحت ضوء القمر، ترى مشهدًا يكاد يوقف قلبك
تحاول الصراخ، لكن الرعب يأخذ الصوت قبل أن تخرجه
تبدأ بالتجمد بينما ينظر إليك الرعب مباشرة في عينيك،
أنت مشلول..."
بدلاً من أن يجيب عن أسئلتي، انحرف للحديث عن اليوتوبيا والمدينة الفاضلة التي قرأ عنها حسب ما قال له الطبيب ثامر. قال لي: "قرأت عن الديستوبيا، وهي المدينة الفاسدة، عكس المدينة الفاضلة. يبدو أن حلمي من هذا النوع. أشرطة الفيديو في خزانتي كلها من نوع الخيال العلمي الي يدور في فلك الديستوببيا هل تتوقع ان لها علاقة بما يترأى لي."
ابتسم وقال لي: "أعرفك يا علي، تكتب قصصًا تجعلني مترددًا في سرد القصة عليك. عليك أن لا تستغل قصتي وتكتبها، وتتكسب من ورائي."
قلت له و انا انظر اليه ملياً:
افدني و افيدك, ما ادرك لعلي كتبت اجزاء من قصتك و ما رأيته من اهوال اثناء نومك...
ثم تابع بنبرة مرعوبة: "لن أحدثك بشيء حتى لا يتحقق الحلم الذي رأيته. لا تعتقد أني سهل الخداع، لن تنطلي علي ألاعيبك."
حاولت أن أنقب في أعماق تفكيره، لكنني لم أجد سوى الصخور؛ فالآبار جافة. كنت أعلم أنه لن يفصح بما حلم به الا لشخص واحد أنها عواطف أقرب الناس له و تعرف كيف تستخرج كنوزه.
كان هناك شيء غامض يحيط بحديثه، كأنما يختبئ وراء كلمات كابوسه. ربما كان عليه مواجهة تلك المخاوف، أو ربما كانت مجرد حيلة يختبئ خلفها خوفه من الواقع. ومع كل ذلك، لم يكن أمامي سوى الانتظار، لمعرفة ماذا سيحدث في تلك اليوتوبيا التي يتحدث عنها.
أعود الآن إلى خيوط القصة، محاولاً ضبط الأمور بحيث لا تفلت مني. يبدو أن الأصوات اختلطت بين علي وعواطف، وأدركت أن كل شيء يدور حول وضعي وحالتي. رغم أنني غير راضٍ عن تفاسيرهم، فإن وجهات النظر المختلفة هي جزء من تشكل العالم من حولنا.
قررت أن آخذ زمام المبادرة، فأنا بحاجة إلى تحديد الملامح الرئيسية لما يجري. أسميت الدنيا "دار الفساد"، أي "ديستوبيا"، بينما أطلقت على الجنة "يوتوبيا". لأن الحياة، كما أدركت، لا تقوم إلا على المتناقضات. هناك حكمة قديمة لدى شرق آسيا تقول: "في الشر خير، وفي الخير شر". هذه الكلمات تتردد في ذهني كصدى يضيء لي الطريق في ظلمات الواقع.
أرى أن كل ما حدث لي هو مرآة للمجتمع الذي أعيش فيه. نحن نتنقل بين الفرح والحزن، الأمل واليأس، وكأننا نرقص على حافة الفوضى. كل تجربة أعيشها، سواء كانت مع محمود أو غيره، تضيف طبقة جديدة لفهمي للعالم.
في هذا السياق، قررت أن أتجاوز مجرد الرصد. يجب أن أتحمل المسؤولية، لا فقط عن نفسي، بل عن أولئك من حولي.
أبدأ برسم خريطة لمشاعري وتجربتي، وأتساءل: ماذا عن بقية الأشخاص في حياتي؟ كل واحد منهم يمثل نقطة تحول، تفاعلاً، صراعًا. هل بإمكاني أن أكون نقطة ضوء في حياتهم، كما أتمنى أن يكونوا في حياتي؟
هكذا أدركت أن هذا هو التحدي. أريد أن أكون جزءًا من الحل، وأن أواجه تناقضات الحياة بشجاعة. قد تكون "ديستوبيا" هي واقعنا، لكنني أؤمن بأن الأمل يمكن أن يتألق حتى في أكثر الأماكن ظلامًا. لذا، أضع نصب عيني هدفًا واضحًا: البحث عن "اليوتوبيا" في كل لحظة أعيشها، والبحث عن السعادة وسط الفوضى.
وجهة نظر عواطف
وجهة نظر الدكتور ثامر
سأدخل القصة من آخر خيوطها، إذ حان دوري أخيرًا. أنا الطبيب ثامر، وقد انتظرت هذه اللحظة لأكشف لك، أيها القارئ، جانبًا مظلمًا من وجه محمود الأقمَر. للقمر وجهه الآخر، المعتم، مثلما يوجد في كل إنسان ظلالٌ مخفية. لكن مهنتي كطبيب نفسي تتطلب مني الحفاظ على السرية. لذا، سأكون حذرًا في ما أشاركك إياه، لكنني سأقول ما يعنيك من القصة، فأنا هنا لأساعدك على فهم ما يحدث في عالم محمود.
قبل يومين، جاءني محمود ليكشف لي أوراقه، كما لم يفعل من قبل. بصوت خافت، أخبرني إنه ينام في خزانة الملابس، يبتعد عن ضوضاء الحياة، ويهرب من الأشباح التي تلاحقه. بدا لي وكأن الخزانة أصبحت ملاذه، حيث يشعر بارتياح كبير. محمود الذي كان يومًا ما شخصًا منبسطًا، تحول إلى انطوائي، ينسحب رويدًا رويدًا من مجتمعه.
هذه التحولات لم تكن مفاجئة لي كطبيب. كان خلف تلك الأعين الحزينة قصة معقدة من الألم والصدمة. حادث مأساوي غير كل شيء في حياته. فقد تلاشى ذلك الشخص المفعم بالحياة، ليظهر مكانه شخص يحمل همومًا لا يمكن لأي كان أن يتحملها. وفي خزانة الملابس، اختار محمود العزلة، ضحية لأشباح الماضي التي لا تفارقه.
جلست أمامه، أرى في عينيه دموعًا تتراقص كأنها
تحمل أوزارًا من الألم. نظر إليّ مليًا، وكأنما كان يحاول أن ينقل لي ما يدور في
أعماق روحه المحطمة. ثم قال بصوت خافت:
"في ليلةٍ مظلمة، رأيت في منامي أن
روح عبد الله انتقلت إليّ. كانت تلك اللحظة مثل طعنة في القلب. الحادث، انقلاب
السيارة، كأنما اختطفني من بين الحياة والموت. شعرت بأنني الميت، دفنت في قبرٍ
مظلم، حيث تتجمع الذكريات حولي كظلال لا تفارقني.
ثم انتقلت روحي إلى البرزخ، ذاك المكان الغامض،
حيث أعيش في حالة انتظار. انتظار يوم القيامة، حيث يُحدد مصيري النهائي. في تلك
اللحظة، اكتشفت أنني محجوز، روحي مُقيدة، أشعر بألمٍ عميقٍ، بينما ترفرف أرواح
أخرى في سعادة لا تُقارن.
أسمع الأصوات من حولي، كأنها نغمات بعيدة، لكنني
غير قادر على الرد أو التفاعل.
كنت أستمع لشخص يردد بصوتٍ منغم: "فمن يمشي
بالحب يحمل الدنيا على ظهره"، وكأن تلك الكلمات تلامس قلبي المعذب، تحمل
لي شعاعًا من الأمل في ظلام البرزخ.
أريد العودة، العودة إلى الوجود، إلى ضوء الشمس،
إلى حب الحياة. لكنني محاصر بين ذكرياتي وآمالي التي تتلاشى كأصداء بعيدة. أريد أن
أتحرر من قيودي، أن أعيش مرة أخرى، لأحب وأكون، لكنني هنا، في هذا الانتظار، كعابر
سبيل ضائع في الزمن."
وفي تلك اللحظة، شعرت بأنني أقف على حافة عاطفية،
أستمع لقصة لا تُروى إلا من قلبٍ عاش الألم، قلبٍ محاصر بين العوالم. كانت كلماته
كفجرٍ ينشق عن ظلامٍ طويل، يُعلمني أن الحياة والموت هما مجرد فصول في قصة لا
تنتهي.
تذكرت و محمود يسرد علي حلمه الغريب شيء من رسالة الغفران للمعري او دانتي اليغيري في الملهاة الالهيه الا ان ابيات من كلمات روبرت فروست كانت في ذهني قرأتها و انا ادرس في بريطانيا:
يأتي
الأحياء بخطىً على العشب
ليقرأوا الأحجار على التل؛
المقبرة تأسر الأحياء دومًا،
لكن الأموات لا يعودون أبدًا.
تقول الأبيات مرارًا وتكرارًا:
"الذين يأتون اليوم للقراءة
سيرحلون غدًا، لكن سيتوقفون
الأموات سيأتون ليبقوا."
هكذا
تأكدت من الموت، تنطق الرخام،
لكنهم لا يزالون يلاحظون دوماً
كيف أن لا أحد من الأموات يبدو أنه جاء.
ما الذي يخافه الناس إذن؟
سيكون
من السهل أن أكون ذكيًا
وأقول للحجارة: الناس يكرهون الموت
وتوقفوا عن الموت الآن إلى الأبد.
أعتقد أنهم سيصدقون هذه الكذبة
النهاية
.webp)
.jpeg)

.jpeg)