بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 11 سبتمبر 2025

شيكو

 

 


 

 

كان شيكو طفلاً لا يعرف السكون، يملأ يومه باللعب والأحلام. وفي صباحٍ مشرق، خطرت له فكرة بدت عظيمة في ذهنه الصغير: أن يصبح بطلاً خارقًا يساعد الآخرين. فما كان منه إلا أن اندفع إلى غرفته، يفتش بين أغراضه بحثًا عن زي يليق بمغامرته الجديدة.

أخذ منشفته البنية ولفّها حول عنقه كأنها عباءة، ثم ارتدى بيجامته البنية، وأخفى ملامحه خلف قناعٍ بني صغير، وانتعل حذاءه البني أيضًا. وقف أمام المرآة برهة، يتأمل نفسه وكأنه يرى صورة بطلٍ جديد وُلد للتو، لكنه سرعان ما عبس وهو يتمتم:
ــ "لكن ما اسمي؟ كيف يعرفني الناس؟"

هرع إلى أمه التي كانت تتابع التلفاز بهدوء، ووقف أمامها بملامح جادّة تفوق عمره، قائلاً:
ــ "اتخذت قرارًا يا أمي… سأساعد الناس مثل سوبرمان وسبايدرمان وباتمان. لكن أحتاج إلى اسمٍ يليق بي."

رفعت الأم عينيها نحوه وابتسمت قائلة:
ــ "ما رأيك أن تكون شيكو الخارق؟ تمامًا كما أن سوبرمان هو الرجل الخارق."

أضاء وجه شيكو فرحًا:
ــ "فكرة رائعة! لكن… كيف سأساعد الناس؟"

ساد صمت قصير، ثم أرخى شيكو رأسه متفكرًا، حتى غلبته غشاوة عجيبة، فإذا به يجد نفسه محلّقًا في السماء. كانت المدينة تحت قدميه صغيرة مثل لعبة، والريح تعصف بثوبه البني وهو يتمايل بين الغيوم. فجأة تناهى إلى سمعه الخارق صوت استغاثة:
ــ "أنقذوني… النجدة! لقد سرق اللص حقيبتي!"

اندفع شيكو الخارق من عليائه، وهبط على اللص مثل نسرٍ جريء، وانتزع الحقيبة من يده. ركضت المرأة نحوه، شاكرةً ممتنّة، ثم أخرجت من حقيبتها قطعة شوكولاتة، وقالت بابتسامة:
ــ "خذ يا بطل… تستحقها."

التهم شيكو الشوكولاتة بسرعة، ومسح فمه ضاحكًا:
ــ "القوة الخارقة! عليّ الآن أن أسلّم هذا اللص إلى العدالة."

اقترب من اللص الذي كان ملقى على الأرض، وحاول أن يحمله، لكنه كان ثقيلًا سمينًا، فشعر بالعجز. عندها خطرت له فكرة غريبة: "سأضربه حتى يفقد وعيه!" وأخذ يلوّح بيديه الصغيرة ويعضه بأسنانه، حتى ارتفع صراخ الرجل يتوسل النجاة، والمرأة تصيح:
ــ "كفى يا شيكو، لقد قمتَ بالواجب!"

وإذا بالسماء تذوب من حوله والمدينة تتلاشى… ليفيق على صوت أمه تهزّه وتقول:
ــ "كفى يا شيكو! كنتَ تعض الوسادة وأنت نائم، وفمك ملطخ بالشوكولاتة. قم واغسل وجهك."

جلس شيكو فاغر الفم، يحاول استيعاب ما جرى، ثم قال لها بانفعال طفولي:
ــ "كنت أطير يا أمي! أطير مثل سوبرمان! ألم تقولي إن البشر لا يطيرون؟"

ابتسمت الأم بهدوء:
ــ "البشر لا يطيرون يا بني، كل من حاول سقط… ألا تذكر عباس بن فرناس الذي حدثتك عنه؟ لكن في الخيال يا شيكو، كل شيء ممكن. الخيال هو ما يجعل المستحيل واقعًا."

أطرق شيكو برهة ثم قال بجدية طفولية:
ــ "لقد ساعدت المرأة، وكانت كريمة، أعطتني شوكولاتة. أما أنتِ، فدائمًا تمنعينني عنها!"

قهقهت الأم ضاحكة وقالت:
ــ "أمنعك حتى لا تكون مشاغبًا لا يهدأ."

لكن شيكو أصرّ بعناد:
ــ "لكنني أريد الشوكولاتة… سأوزّعها على الفقراء، مثل الأمير الذي ساعد الفقير في قصتكِ. ستكون الحكاية: الأمير والفقير وشيكو!"

ثم رفع حاجبيه متسائلًا ببراءة:
ــ "لكن يا أمي… ماذا يعني فقير؟"

أشارت الأم نحوه بحنان وقالت:
ــ "اذهب إلى عمك سابيو الحكيم، ستجده قرب مكتبته… هو من سيشرح لك المعنى."

وهنا، ارتسم على وجه شيكو بريق مغامرة جديدة، وكأن الحلم لم ينتهِ بعد…

مضى شيكو نحو المكتبة بخطوات صغيرة يملؤها الفضول، لكنّه لم يجد عمَّه سابيو بين رفوفها الشاهقة. بدت له المكتبة أشبه بغابةٍ من الورق والحروف، والكتب مصطفّة كجنود لا نهاية لهم. وقف الصبي متأمّلاً، وعيناه تبحثان بين الأغلفة الملونة، حتى وقعت نظرته على كتاب يحمل صور حيوانات. مدّ يده بخجل ليمسكه، غير أنّ ما حدث بعد ذلك كان أعجب من الخيال؛ إذ تحرك كتاب آخر من تلقاء نفسه، وانزلق من بين الرفوف، وطار في الهواء كطائر غامض، حتى استقر بالقرب من شيكو المندهش.

وفجأة، انفرجت صفحاته ليخرج منها نور ساطع غمر المكان. سمع شيكو صوتًا عميقًا يصدح من بين الأوراق:
"أنا كتاب الحكايات… ادخل إلى جوفي، وستجد عوالم لا حصر لها من القصص!"

ارتجف قلب شيكو لحظةً، لكنّه سرعان ما تذكّر: "أنا شيكو… البطل الخارق! كيف أخاف؟" ثم تساءل في نفسه: "لكن إن دخلت… كيف سأخرج؟"

فأجابه الكتاب بصوت رخيم:
"إن قلتَ: افتح يا كتاب، فتحت لك صفحتي… وإن قلت: أغلق يا كتاب، أغلقتها وعدت إلى عالمك."

ظلّ شيكو يردّد الكلمات بين شفتيه، كمن يحفظ تعويذة سحرية:
"افتح يا كتاب… أغلق يا كتاب…"

وفي لحظة حاسمة، عقد عزمه وقفز داخل الكتاب. عندها راحت الصفحات تتقلب بسرعة هائلة، حتى انطبقت فجأة، وظهر على الغلاف عنوان مخيف:
"حكايات الغابة التعيسة."

دخل شيكو عالمًا غريبًا؛ غابة غارقة في العتمة، لا يضيئها سوى خيوط متفرّقة من ضوء القمر. هناك، لمح دُبًّا صغيرًا واقفًا عند جذع شجرة، وعلى صدره علامة صفراء لامعة كأنها مريلة أطفال. اقترب منه شيكو متعجبًا وقال ساخرًا:
– "يبدو أنك ما زلت صغيرًا!"

رفع الدب رأسه وهو ينبش في جوف الشجرة باحثًا عن الطعام، وردّ بحدة:
– "لا تسخر مني! اسمي شمس، أنا من دببة الشمس… وهذه العلامة الصفراء على صدري هي سرّ اسمي."

انفجر شيكو ضاحكًا:
– "دب يرتدي مريلة أطفال!"

فاشتعل وجه الدب غضبًا وزمجر:
– "إيّاك أن تقترب… وإلا ضربتك!"

ابتعد شيكو بخطوات مترددة، لكن بصره سرعان ما وقع على أشجار كثيفة محمّلة بالموز. اشتعل جوعه، وبدأ يأكل بنهم، حتى غطّت صرخات القردة المكان:
– "صبي يأكل الموز… صبي يأكل الموز!"

حاصروه من كل صوب، وأحدهم صاح مهدّدًا:
– "أمسكوه! لا بد من تأديبه…"

لكن أنثى قرد تقدمت والدموع تلمع في عينيها:
– "لا تؤذوه! دعوني أحتضنه… لقد قتلت الأسود قردي الصغير، أريده عوضًا عنه."

تملك الرعب قلب شيكو، ففرّ هاربًا وسط الغابة المظلمة، بينما القردة تتقافز بين الأغصان خلفه. حاول أن يطير، لكنه كان أثقل من أن يعلو؛ فقد أثقل بطنه بالموز. وحين كاد ييأس، أبصر بومةً ضخمةً جاثمة على غصن عالٍ، بعين واحدة متقدة. همس أحد القردة:
– "إيّاكم أن يدركه البوم الأعور… فهو لا يرحم فريسته!"

تضاعف خوف شيكو، فأطلق ساقيه للريح حتى خف وزنه، وارتفع بجناحي خياله إلى السماء. لكن البوم الأعور انقضّ عليه كالبرق، وخطف بمخلبه وشاح شيكو البني، فمزقه شر ممزق. سقط الصبي من عليائه، والقرود تحيط به من أسفل، والبوم يهبط نحوه كالصاروخ.

أغمض عينيه يائسًا، وفي اللحظة الأخيرة تذكّر التعويذة:
"أغلق يا كتاب! أغلق يا كتاب!"

وما هي إلا لحظة حتى وجد نفسه يخرج من بين صفحات الكتاب، ليقع بين يدي عمّه سابيو الذي كان يراقب ما يجري بدهشة.

قال العم بصرامة:
– "لماذا دخلت الكتاب يا شيكو؟"

أجابه الصبي وهو يلهث:
– "الفضول… الكتاب كلّمني!"

ابتسم سابيو بحزن وقال:
– "المغامرة لم تنتهِ… الكتاب لن يهدأ حتى تكمل حكاياته. أنظر! إنه يتحرك من جديد."

صرخ شيكو وهو يحاول الفرار:
– "لن أعود! البوم الأعور يريد قتلي، والقردة تريد الانتقام… لكن الدب شمس…"

قاطعه العم سائلاً:
– "وماذا قلت لدب شمس؟"

أطرق شيكو رأسه خجلاً:
– "سخرت منه… وقلت إنه صغير يلبس مريلة."

تنهد العم وقال بحزم:
– "إذن عليك أن تعود وتصلح ما أفسدت، فللكلمات أثرها، وللاستهزاء عواقبه."

تمتم شيكو برجاء:
– "دعني حتى الغد يا عمي… فقط حتى الغد."

وعاد الكتاب يلمع على الرف، كأنه يتنفس، بانتظار عودة شيكو…
 

كان شيكو طفلاً لا يعرف السكون، يملأ يومه باللعب والأحلام. وفي صباحٍ مشرق، خطرت له فكرة بدت عظيمة في ذهنه الصغير: أن يصبح بطلاً خارقًا يساعد الآخرين. فما كان منه إلا أن اندفع إلى غرفته، يفتش بين أغراضه بحثًا عن زي يليق بمغامرته الجديدة.

أخذ منشفته البنية ولفّها حول عنقه كأنها عباءة، ثم ارتدى بيجامته البنية، وأخفى ملامحه خلف قناعٍ بني صغير، وانتعل حذاءه البني أيضًا. وقف أمام المرآة برهة، يتأمل نفسه وكأنه يرى صورة بطلٍ جديد وُلد للتو، لكنه سرعان ما عبس وهو يتمتم:
ــ "لكن ما اسمي؟ كيف يعرفني الناس؟"

هرع إلى أمه التي كانت تتابع التلفاز بهدوء، ووقف أمامها بملامح جادّة تفوق عمره، قائلاً:
ــ "اتخذت قرارًا يا أمي… سأساعد الناس مثل سوبرمان وسبايدرمان وباتمان. لكن أحتاج إلى اسمٍ يليق بي."

رفعت الأم عينيها نحوه وابتسمت قائلة:
ــ "ما رأيك أن تكون شيكو الخارق؟ تمامًا كما أن سوبرمان هو الرجل الخارق."

أضاء وجه شيكو فرحًا:
ــ "فكرة رائعة! لكن… كيف سأساعد الناس؟"

ساد صمت قصير، ثم أرخى شيكو رأسه متفكرًا، حتى غلبته غشاوة عجيبة، فإذا به يجد نفسه محلّقًا في السماء. كانت المدينة تحت قدميه صغيرة مثل لعبة، والريح تعصف بثوبه البني وهو يتمايل بين الغيوم. فجأة تناهى إلى سمعه الخارق صوت استغاثة:
ــ "أنقذوني… النجدة! لقد سرق اللص حقيبتي!"

اندفع شيكو الخارق من عليائه، وهبط على اللص مثل نسرٍ جريء، وانتزع الحقيبة من يده. ركضت المرأة نحوه، شاكرةً ممتنّة، ثم أخرجت من حقيبتها قطعة شوكولاتة، وقالت بابتسامة:
ــ "خذ يا بطل… تستحقها."

التهم شيكو الشوكولاتة بسرعة، ومسح فمه ضاحكًا:
ــ "القوة الخارقة! عليّ الآن أن أسلّم هذا اللص إلى العدالة."

اقترب من اللص الذي كان ملقى على الأرض، وحاول أن يحمله، لكنه كان ثقيلًا سمينًا، فشعر بالعجز. عندها خطرت له فكرة غريبة: "سأضربه حتى يفقد وعيه!" وأخذ يلوّح بيديه الصغيرة ويعضه بأسنانه، حتى ارتفع صراخ الرجل يتوسل النجاة، والمرأة تصيح:
ــ "كفى يا شيكو، لقد قمتَ بالواجب!"

وإذا بالسماء تذوب من حوله والمدينة تتلاشى… ليفيق على صوت أمه تهزّه وتقول:
ــ "كفى يا شيكو! كنتَ تعض الوسادة وأنت نائم، وفمك ملطخ بالشوكولاتة. قم واغسل وجهك."

جلس شيكو فاغر الفم، يحاول استيعاب ما جرى، ثم قال لها بانفعال طفولي:
ــ "كنت أطير يا أمي! أطير مثل سوبرمان! ألم تقولي إن البشر لا يطيرون؟"

ابتسمت الأم بهدوء:
ــ "البشر لا يطيرون يا بني، كل من حاول سقط… ألا تذكر عباس بن فرناس الذي حدثتك عنه؟ لكن في الخيال يا شيكو، كل شيء ممكن. الخيال هو ما يجعل المستحيل واقعًا."

أطرق شيكو برهة ثم قال بجدية طفولية:
ــ "لقد ساعدت المرأة، وكانت كريمة، أعطتني شوكولاتة. أما أنتِ، فدائمًا تمنعينني عنها!"

قهقهت الأم ضاحكة وقالت:
ــ "أمنعك حتى لا تكون مشاغبًا لا يهدأ."

لكن شيكو أصرّ بعناد:
ــ "لكنني أريد الشوكولاتة… سأوزّعها على الفقراء، مثل الأمير الذي ساعد الفقير في قصتكِ. ستكون الحكاية: الأمير والفقير وشيكو!"

ثم رفع حاجبيه متسائلًا ببراءة:
ــ "لكن يا أمي… ماذا يعني فقير؟"

أشارت الأم نحوه بحنان وقالت:
ــ "اذهب إلى عمك سابيو الحكيم، ستجده قرب مكتبته… هو من سيشرح لك المعنى."

وهنا، ارتسم على وجه شيكو بريق مغامرة جديدة، وكأن الحلم لم ينتهِ بعد…














 

الجمعة، 5 سبتمبر 2025

عُمر الشقي

 عُمر الشقي

كان قدرنا أن نحيا بعيدًا عن تراب بلادنا، نلهث خلف سراب إريتريا المعلّق تحت سطوة الطاغية أسياس أفورقي، ذاك الذي جثم على صدورنا منذ عام 1993 بعد حربٍ طويلة ومريرة ضد إثيوبيا. لكنّي لن أفتح باب السياسة، فالسياسة حكاية مملّة، وأنا أريد أن أحكي عن شيء آخر.. عني أنا.

خلف كل هذا التاريخ والدماء، ثمّة إنسان بسيط يرزح تحت مأساة مختلفة. أنا ذلك الإنسان.


اسمي سمير. وُلدت في الرياض، ومنذ أن أبصرت النور لم يخرج من لساني سوى العربية، ولاسيما بلهجتها السعودية التي التصقت بي كما يلتصق الظل بالجسد. العربية لم تكن لغتي الأصلية، فأنا ابن التغرينية الإريترية، غير أنّ هذه اللغة لم تجرِ يومًا على لساني. لقد اختارتني لغة الضاد، صارت أمي وأبي، وهويتي التي التصقت بروحي قبل أن أملك أي هوية على الورق. غير أنّي عشت عمري بلا هوية، طالبًا يتنقّل من الابتدائية إلى الثانوية، يحمل كتبه في يده، لكن قلبه مثقل بفقدان ورقة صغيرة كان يمكن أن تغيّر كل شيء.


كبرتُ وأنا أرى زملائي يخطّون أحلامهم بوضوح، بينما كنت أعيش على الهامش، مقيّدًا بقيودٍ لا تُرى. إلى أن جاء اليوم الذي بدأت فيه الحكومة السعودية حملات التصحيح، مُعلنة أنها لن تعاقب المتخلّفين عن نظام الإقامة، بل منحتهم مهلةً للمغادرة. عندها لم يعد أمامي سوى الرحيل.

كان أهلي قد سبقوني إلى السودان، البلد الأقرب إلى إريتريا، حيث حصلوا بسهولة على الجنسية السودانية. أمّا أنا، فقد بقيت وحيدًا في مواجهة السؤال الصعب: كيف أصل إليهم؟

المفتاح كان عند أختي. همست لي ذات مساء أن ثمّة رجلًا يعرف الطريق، يستطيع أن يهرّبني عبر البحر. قال لي:
"لا تخف.. لقد دُفع للعسكر ما يكفي، لن يجرؤ أحد على سؤالك. ستصعد العبّارة كأي مسافرٍ عادي. فما عليك سوى أن تدفع لي عشرة آلاف ريال سعودي."

كان ذلك في عام 2015. لا أنسى تلك الليلة وأنا أضع قدمي على سلّم العبّارة في ميناء جدة. البحر أمامي، أسود كسواد قدري، والريح تصفر في أذني كأنها تسخر من قلقي. وفي داخلي خليط من خوف ودهشة، كأنني أهرب من قيدٍ طويل إلى فضاء مجهول.


في عرض البحر الزاخر، كان الموج يتلاطم كأنما يخاصمني، أو كأن غضبًا مكتومًا يسكن صدره لأنه علِم أنني تركت الرياض.
الرياض التي عرفت دروبها كما يعرف المرء خطوط كفّه، والتي ما زالت طفولتي عالقة في حي العود بين أزقته الضيقة، حيث تركت ذكرياتي تتلاشى خلف ظهري وأنا أرحل.

على متن العبّارة، وبين وجوه غريبة وصمت مثقل بالبحر، وقعت عيناي على رجلٍ سوداني مسنّ.
كان جالسًا على الأرض، كأنه يكلّم نفسه، رأسه يكسوه الشيب، ولحيته كثيفة سوداء تتخللها خيوط بيضاء، بشرته شديدة السمرة، وعيناه كبيرتان جاحظتان تحملان بريقًا من التعب والدهشة. ارتدى ثوبًا سودانيًا فضفاضًا، ومن هيئته بدا كأنه قطعة من زمن بعيد جرفه البحر معي إلى هذا المركب.

اقتربت منه وسلّمت:
ــ السلام عليكم.

رفع رأسه، وردّ التحية بترحيب غامر يفيض دفئًا، ثم ما لبث أن فتح قلبه وحكايته.

قال بصوتٍ فيه شجنٌ خافت:
ــ كنتُ أرعى الغنم في شمال السعودية منذ سنين بعيدة… كان لي رزق بسيط أقتات منه، حتى جاء اليوم الذي غيّر حياتي. مات صاحب الغنم، وكان بلا ولدٍ ولا وريث، فوجدت نفسي مطرودًا، مهدّدًا بالترحيل. فررت إلى الرياض، واستظللت ببيت أحد أقاربي في حي غُبيرة. هناك صرت أعمل سائق شاحنات صغيرة لنقل الأثاث…

كان يحكي بحسرة يغلّفها شيء من الفرح، كأن ماضيه خليطٌ من مرارة وبهجةٍ متقطّعة. تابع وهو يبتسم ابتسامةً عابرة:
ــ تزوجت من قريبةٍ لابن عمي، وأنجبت منها أولادًا وبناتًا…

ثم توقف فجأة، كأن ذاكرته انكسرت عند منعطف، وقال وهو يمد يده نحوي:
ــ غفلت عن التعريف بنفسي… أنا حميد جاد الله آدم.

ابتسمت بدوري وقدمت له نفسي:
ــ سمير شاكر.

نظر إليّ طويلًا، ثم قال وهو يهز رأسه:
ــ اسمك يختلف عن قصتك المريرة… أترى أن للاسم علاقة بمسار حياة صاحبه؟

سؤاله أصابني بصمتٍ قصير، قبل أن يعود هو لمواصلة حكايته، كأن الجرح الذي بداخله أصرّ أن يفيض:
ــ أولادي ماتوا، وبناتي زوّجتهن. أما زوجتي… فموتها كسر ظهري. قد تسألني كيف دفنتها، فأخبرك أن أخاها استخرج لها الأوراق، وأُعيد جثمانها إلى الخرطوم حيث ووريت الثرى. وأنا اليوم أمضي إلى الخرطوم… أريد أن أكون قريبًا منها. استغليت ظروف المهلة التي وضعتها الحكومة لتعديل الإقامة، ورحلت.

سكت، ثم أدار بصره نحو الأفق البعيد، حيث كان البحر يذوب في زرقة السماء، كأنه يبحث هناك عن وجهٍ رحل ولن يعود.

 

 اجتاحتني أعاصير من الأفكار، وأحلام سوداء وأخرى بيضاء، وقليل منها ملوّنة. حلمت أن العبّارة تعطّلت، وأن خفر السواحل جاءوا واصطحبوني، ثم أودعت في السجن. كنت قابعًا على ظهر العبّارة، غارقًا في أوهامي، ولم يسترح بالي إلا عندما بلغت الميناء حقًا. حينها فقط أيقنت أن ما يقولونه صحيح: بلوغ برّ الأمان يمنح الطمأنينة والأمان.

 


وصلتُ إلى بورتسودان، وهناك بدأت صفحة جديدة من حياتي. لم يكن الأمر عسيرًا؛ حصلت على الجنسية السودانية بسهولة، وكأن كل تلك السنوات من التيه لم تكن سوى كابوس عابر.

لكن ذاكرتي الآن متعبة، مثخنة بالثقوب. حادث مروري كاد أن يخطف روحي جعلني أفقد الكثير من تفاصيل الماضي. كنت على حافة الموت، لولا لطف الله الذي انتشلني. وربما – كما يقولون – "عُمر الشقي بقي".

يبدو أن مصيري مشدود بخيوط الشقاء. السودان كانت مسرحًا لأحداث جسام، انشقت أرضه نصفين، وصار شعبه محاصرًا بين جيشين يقودان البلاد نحو هاوية لا نهاية لها. لن يهتم أحد بمصير الناس إلا إذا كان محرومًا من كل أسباب الحياة، فالحروب يشنّها المترفون المنعمون، ولا يخوضها إلا المعوزون البائسون، الذين تتحطم حياتهم كأوراق الشجر في عاصفة هوجاء.

أكتب لكم الآن من شقة صغيرة في الطابق العاشر بالقاهرة. المكان ضيق، والجدران تتسع لذكرياتٍ أكثر من أن تتسع لأثاثه البسيط. أنا إنسان كسيح، أمشي بالعكازات، وبدونها أسقط، أثر الحادث الذي كاد أن يقضي على حياتي وما زلت أستشعره في كل خطوة. أنظر إلى الأسفل من نافذتي، وأرى شوارع المدينة تضج بالحياة، بينما أشعر بأن عالمي قد تجمد عند لحظة الألم الأولى، لحظة الانقسام بين الموت والحياة.

أكتب لكم لأني مضطر. الكتابة هي متنفسي الوحيد، وسيلة أفرغ بها الكرب الذي يلتف حول قلبي مثل ثعبان خفي. ربما لا أجد في الكلمات خلاصًا، لكنها تمنحني شعورًا بالوجود، شعورًا بأنني لا أزال حاضرًا في عالمٍ يبدو أحيانًا عديم الرحمة.

الذاكرة مثقلة، ثقيلة، لكنها مرايا لتجاربٍ لا تُنسى. كل لحظة خوف، كل مرة شعرت فيها بأن الموت يقترب، تركت بصمة في روحي. علّمتني أن الصبر ليس انتظارًا سلبيًا، بل فن مواجهة الحياة بكل قسوتها وظلامها، ومع كل شعاع أمل صغير يلوح في الأفق، أتعلم كيف أستمر رغم كل شيء.

ورغم كل هذا الشقاء، أكتب. الكتابة تمنحني إحساسًا بالسيطرة على حياتي، ولو كان مجرد وهم مؤقت. وربما أيضًا لأنها تمنحني فسحة أمل صغيرة، شعاعًا يربطني بالحياة، وكأنني، في كل كلمة أكتبها، أجد نقطة أمان وسط عاصفة لا تهدأ، وأحاول أن أستنشق قليلًا من هواء الحرية، ولو كان مجرد وهم بعيد.

 

في طفولتي بالرياض، كنتُ جزءًا من مثلث لا ينفك عن بعضه: محمد، يوسف، وأنا. كانوا يسمّوننا في الحارة "الثلاثي المرح". كنا نتسكّع بين الأزقة الضيقة كأنها مسرحنا، ونجوب متوسطة حطين في حي المرقب كأنها قلعةٌ تخصّنا وحدنا. تلك المدرسة العتيقة المائلة إلى السقوط، جدرانها مشققة، وأبوابها تصرّ كلما فُتحت، لكنها ثابتة في قلبي لا يزحزحها زمان. لا تزال أصوات الطلاب تضج في ذاكرتي، ولا يزال صدى صوت الأستاذ سامي يجلجل في أذني، يناديني ويصرخ ويشرح بحدة. أحيانًا أغمض عينيّ وأسأل نفسي: يا ترى، ماذا فعلت بك الأيام يا أستاذ سامي؟

كنتُ يومها شقيًّا حتى النخاع. أتذكر مطاردة لن أنساها ما حييت. تفوّهت بكلمة مقذعة سمعتها من بعض الصبية بلغة الباكستانيين، ولم أدرِ أن اللفظ الصغير قد يتحول إلى حجر ضخم يُقذف في وجه صاحبه. رأيت الرجل يندفع نحوي، وجهه محمرّ كالجمر، وأوداجه تنتفخ من الغضب، وأنفاسه تتلاحق كالثور الهائج. أطلقت ساقيّ للريح، أبحث عن مهرب.

ركضت حتى وصلت قرب بيت محمد، وصحت من أعماقي:
ــ "محمد! يا محمد!"

خرج مسرعًا، يدرك بفطنته أن ورطة ما تطاردني. لمح الرجل يلهث خلفي، وما إن وقع بصره على المشهد حتى انفجر ضاحكًا، ضحكة صافية قوية، فيما كنتُ أدور حوله كفأر مذعور يستنجد به. صرخت:
ــ "اشغله عني حتى أفرّ إلى بيتنا!"
ليس هذا وقت الضحك!!

مدّ محمد ذراعيه محاولًا تهدئة الرجل والتحدث إليه، بينما استغليت اللحظة وهربت بجلدي. ضحكة محمد تلك ما زالت ترنّ في رأسي حتى اليوم، كأنها بصمة لا تمحى. كان ضاحكًا مثقفًا، يبتسم بوعي، وتغمرني ابتسامته بحنان غريب.

أما يوسف، فكان حكاية أخرى. في الحارة كان أشبه بحاتم الطائي، كريمًا، يوزع المال على من يحبّ، لا على الجميع. كنا نتهامس حول سرّ ما بين يديه، نتساءل: من أين له هذا السخاء؟ حتى جاء يوم رأيناه جالسًا في المسجد الأبيض، ذاك الذي يسمّيه الناس "مسجد الحضارم"، وقد حلق شعره تمامًا. في ذلك اليوم انطلقت شائعة تقول إن ماله مشبوه، لكن الحقيقة بقيت غامضة حتى اليوم. كان يوسف رجل أسرار، يخفي أكثر مما يُظهر، وكأن بعض الأسرار إن خرجت، بعثرت معه أرواحنا.

سنواتي في الرياض لم تكن مجرد طفولة، بل كانت طبقات متراكمة من الضحك والوجع معًا، مشاهد محفورة في الذاكرة لا تُمحى. لكن ما غيّر مسار حياتي حقًا لم يكن في طفولتي، بل في الحادث الذي قلب حياتي رأسًا على عقب.

بعد أن غادرت السعودية بحرًا إلى السودان،
جمعتني هذه البلاد بأهلي من جديد، حصلت على الجنسية السودانية، واعتبرتها وسامًا أعلقه على صدري.ثم عدت إلى السعودية بتأشيرة بعثتها أختي. بدأت أعمل في شركة، اشتريت سيارة جديدة، فرحتُ بها، لكن الفرحة لم تدم طويلًا. أحسست بالعيون تلاحقني والصدور تضيق بي، كأن الرزق إذا جاء متأخرًا صار موضع ريبة، لا نعمة.

وفي يوم مشهود، حملتني الطريق إلى المطار لاستقبال أختي القادمة من السودان. كنتُ مفعمًا بالبهجة، يرافقني اثنان من أبناء خالاتي. لم نكن نعلم أن الطريق كان يخبئ لنا فاجعة سوداء.

تقلبت سيارتنا ثماني مرات متتالية، وكلما انقلبت شعرت كأن الزمن ينفصل عن جسدي، ثم ارتطمت بنا الأرض بقسوة، واستقرّت السيارة كجثة باردة. تناثرت شظايا الزجاج فوق الإسفلت الملتهب، وامتزجت رائحته برائحة الدم. سُحبتُ من بين الحديد الملتوي بصعوبة، وجسدي مثخن بالجراح، بينما وعيي يتلاشى بعيدًا، ينسحب من الحياة كما ينسحب البحر عند الجَزر.

دخلت في غيبوبة امتدت شهرين. كنت بين الحياة والموت، عالقًا في منطقة رمادية، لا أعرف من أنا ولا من حولي. كانوا يرون جسدي مسجّى، أما روحي فكانت تسبح في فراغ لا نهاية له.

حين أفقت، لم أعرف معظم الوجوه. لم أتعرف على أحد إلا حين يبدأ بحكاية قصة قديمة عني، فيضحك محمد ساخرًا من شقاوتي القديمة، فأبتسم رغم ارتباكي. أما يوسف، فكان يمسك يدي برفق، فأبكي بصمت لا أملك تفسيره.

منذ ذلك اليوم صرت غريبًا حتى عن نفسي. ذاكرتي باتت دفترًا عتيقًا، يرفض أن تُكتب فيه الأسطر الجديدة، ويصرّ على الاحتفاظ فقط بما نُقش منذ زمن بعيد.

هكذا بدأت رحلتي مع النسيان. تعلمت أن الشقاء لا يعرف نهاية، لكنه لا يوقف المسير. لذلك ظللت أتوغل في دروب حياتي، أبحث عن فسحة نور. وحين وطئت القاهرة لأول مرة، أحسست أنني وجدت شعاعًا يشبه الحياة. ربما سُمّيت القاهرة لأنها تقهر الآلام.

الخميس، 4 سبتمبر 2025

زليخة كابل


 أحببتُه كما يحب الناس الربيع، لكنني وجدت نفسي مطرودة إلى صحراء لا ماء فيها.

لم أكن مذنبة. كل ما حدث أنني عند باب بيتنا، حين انزاح عن وجهي جادري الفيروزي، لمحني ابن عمّي. كان وجهًا بين آلاف الوجوه التي رآها من قبل، لكن الناس كانوا هناك… وجوههم كالسكاكين، عيونهم تلمع كأنها تقتنص خطيئة تنتظرها منذ زمن. قالوا: إنها تحاول أن تغويه.
ومن يومها صرتُ سجينة حكم لم أنطق فيه بكلمة.

هربتُ عبر الجبال، وثلجها يلسع جلدي، وجوعي يقرص أحشائي، وقلبي يصفعني بسؤال واحد: لماذا أنا؟ كنتُ أردد في داخلي:
"لستُ زليخة، ولم يكن هو يوسفي."
لكنهم لم يسمعوا غير صدى أصواتهم، ولم يروا غير الوهم الذي صنعوه.

حين بلغت نيويورك، بعد أن فقدتَ كل شيء إلا نفسي، جلستُ أكتب قصتي. كتبتُها بكل ما فيها من دموع وغضب، بكل أسرارها التي قد تشعل حرائق في قلوب كثيرين، أولهم أسرتي. كنت أعرف أن صمتي سيقتلني ببطء، وأن كلماتي، مهما كانت قاسية، هي الخلاص الوحيد الذي بقي لي.


في البدء، أعترف بأن عينيّ شهدتا ما لا يُحتمل على قلب طفل. كنت أراقب الصبية وهم يُجبرون على الرقص أمام رجال لا يرحمون، وكنت أعلم أن كل حركة، كل ابتسامة مفروضة، كانت تحمل وراءها خوفًا عميقًا لا يُرى إلا في الصمت. قلبي تفتت في تلك اللحظات، وخوفي من الإفصاح عن أي شيء كان أقوى من رغبتي في الصراخ، لأن البيت كان يحوي جدرانًا لا تُخترق، وأعينًا تراقب كل همسة وكل نظرة. لأول مرة أعترف أنني لم أكن مجرد شاهدة، بل كنت سجينة خوف صامت، أختزن كل ما رأيت وكل ما عشت، وأعلم أن الكشف عن الحقيقة سيزلزل كل ما بنيت عليه حياتي من أمان.

كان الجو في بيتنا مختلفًا ذلك اليوم، يثقل الصدر برائحة الخوف والبراءة المهدورة، كجدار شفاف يفصل بين طفولتنا والوحشية. صبية صغار يُجبرون على الرقص أمام رجال عيونهم تلمع، وقلوبهم تخفق بين الرهبة والارتباك، بينما تصدح أصوات التصفيق والضحك المزيف، موسيقى غريبة تشقّ الجلد وتترك صدى لا يُمحى.

عمي القاسي، ذو اللحية الكثة، كان محور هذا المسرح الغريب. يصفق بحماسة، يبتسم وكأن هذه الفوضى حفل خاص به وحده. وعندما يلتفت، تختفي النساء في البيت كظلال، أصواتهن محجوبة، وحركاتهن مراقبة، وكأن الصمت نفسه عقوبة. أما الصبية، فكان الخوف يقف بينهن وبين كل خطوة، وابتسامة عمي لم تصل إلى عينيه كانت تحكم المكان بقبضة من حديد.

كل زاوية في البيت كانت مشحونة بالرهبة، كل نظرة تحمل تهديدًا، وكل حركة صغيرة ثقيلة بالمعاني الممنوعة. كنت واقفة هناك، قلبي يصفع صدري، وعيوني تلتقط كل تفصيلة، وكل همسة تفضح مدى سوء هذا العالم. شعرت بالوحدة العميقة والعجز، وكنت أعلم أن هذه الظلمات تختزن أسرارًا لا يُسمح بالبوح عنها.

في تلك اللحظة، فهمتُ أن بَچَه بَازی ليست مجرد رقص أو لعبة، بل مسرح كامل من القوة والظلم، حيث تختلط البراءة بالخوف، والشهوة بالقسوة، وأن الصمت هو الشاهد الوحيد الذي يبقى، يراقب، ويشهد على كل ما يُحكى في الخفاء.



الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...