"القط ذو العيون الصغيرة"
أنا كارلوس تاكيشي.
ولدتُ في البرازيل، في بيت خشبي قديم في ضواحي ساو باولو، يعلوه سقفٌ مائل مثل قبّة معبد شنتويّ صغير، وتحيط به شجيرات يوكّا غريبة هجينة، لا هي من الغابة الاستوائية ولا من حدائق كيوتو.
عدتُ إلى اليابان وأنا في الأربعين.
عدتُ بملامح يابانية، لكن بلهجة برتغالية، وبقلبٍ نُسج من قماشين مختلفين: قماش كيمونو مطرّز بطيور الكركي، وآخر قميص قطني بلون السامبا.
عدتُ حين قالوا إن البلاد تعاني نقصًا في العمالة، وإنها بحاجة إلى أولئك "النيكي"، أبناء الشتات اليابانيين، ليملأوا الفراغ.
لكنني ما جئت لأملأ فراغ السوق... بل لأملأ فراغًا داخليًا ظلّ ينهشني منذ كنت طفلًا أسأل أمي:
ـ لماذا لا يقولون عني "برازيلي" فقط؟
فتضحك بحنان:
ـ لأن دمك فيه شمسان... شمس تُشرق من الشرق، وأخرى من الجنوب.
كبرت وأنا أشعر أنني موزّع كالورق بين دفترين.
في البرازيل، كنت "الياباني". يُلقّبونني "جابونيزينهو"، ذلك الفتى الغريب ذو العيون الضيّقة والحياء المفرط.
وفي اليابان، حيث عدتُ لاحقًا، أصبحت "النيكي" الذي يتحدث اليابانية كأنها لغة مستعارة، رجلٌ بنصف وجه.
لكنني لم آتِ لأتوسل هوية.
جئتُ لأفتح صفحةً من الماضي، كنت أهرب منها طويلًا.
---
تحكي لي جدتي، حين كانت السماء تمطر فوق السقف الخشبي، ونشرب الشاي الأخضر مع قطع الحلوى المحشوة بالفاصوليا الحمراء، عن جدّها.
قالت إن اسمه كان شينيتشي.
وصل إلى البرازيل عام 1910، على ظهر سفينة محمّلة بالأمل والبرد.
ترك اليابان التي كانت تضيق بأهلها، وتزداد فيها الأفواه، فيما تقلّ الأرزاق.
في ذلك الزمن، كانت البرازيل قد حرّرت عبيدها، عام 1888، لكن مزارع البنّ بقيت جائعة.
والجوع لا يرحم، لا في طوكيو ولا في ساو باولو.
كان شينيتشي يعمل في مزرعة قهوة في ولاية ميناس جيرايس.
لا يعرف اللغة، ولا الأرض، لكنه كان يزرع صمته كما يزرع الحبوب.
كانوا ينادونه:
"O gato de olhos pequenos" – القط ذو العيون الصغيرة.
قالت جدتي إنهم لم يعرفوا اسمه الحقيقي، ولم يجرؤوا على نطقه.
كانوا يرونه يجلس في ظلّ شجرة مانغا بعد العمل، يحمل كتابًا أو ينظر في البعيد كأنه يسمع ما لا يُقال.
صمتهُ أخافهم... وعيناه الضيّقتان، اللتان لا تظهران مشاعر، بدتا لهم كعيون قطٍّ شرقيٍّ يحرس سِرًّا.
لكنّ عينيه كانتا، كما فهمتُ لاحقًا، لا تنظران إلى الناس... بل إلى الوطن البعيد.
ربما كان يرى شجرة كرز تنبت في ذاكرته.
ربما كان يسمع صوت أمه وهي تقرأ له قصائد هايكو.
ربما كان يبكي دون دموع.
لم يعد شينيتشي إلى اليابان.
دفنوه في تربةٍ حمراء لا تشبه رماد فوجي.
لكننا، نحن أحفاده، ورثنا عيناه.
ورثنا ضيق البؤبؤ... وسعة الحنين.
****
كانت جدتي برازيلية من أعماق ريو دي جانيرو، حيث تتناثر الأديان كألوان الطيف في سماء الكرنفال، تتشابك الطقوس الأفريقية بعبير سكان البلاد الاصليين، في كنسيات وقباب ذهبية، لا تعرف الفرق بين قداس الأحد وطقوس الزمردة.
كبر في بيتها طفلٌ يلبس حكايات الشرق في قلبه، لكنه يردد صلوات الكاثوليك بلغتها البرتغالية الرخوة، ينشد القداس كأنما يلهج بسر مخفي، يصلي لليابان، لا للبرازيل. كان يرتل كلمات قديمة، أغمض عينيه، وكان يرى شمسًا تشرق خلف جبال فوجي، لا شمس ريو.
حين ضربت الحرب اليابان، وقف وحده في الكنيسة المهجورة، صلاته تعانق الصمت. لم يكن يشاطر الكل خوفهم ولا استسلامهم، بل كان إيمانه حارسًا شرسًا على وطنه الذي لم يره قط. خرج من الكنيسة، صامتًا، كمن يحمل شمعة وسط ظلام العاصفة، يقول في صمته لكل من يشكك: الإمبراطور لا يستسلم، وقلبه لن يلين.
لكن لم تأتي اللحظة التي يحلم بها... لم تطأ قدماه أرض اليابان، بل بقي شبحًا بين عالمين، في عالمٍ لا يُقبَل فيه.
حين وصلتُ إلى اليابان، صرتُ ذلك الغريب الذي لا يملك دمًا نقيًا، هافو، نيكي، نصف ياباني ونصف برتغالي، لكن لا واحدًا منهم بالكامل.
كان المدير ساماورا، برودة الثلج في عينيه، يعد أنفاسي، يحصي كل خطى في ممرات المصنع، ينتظر لحظة الطرد كأنه حكم بالإعدام. حرض الجميع ضدي، في بلاد الصمت التي تكتم النفس، حيث الانتحار شبحٌ يرافق كل فجر.
صرت وحيدًا وسط حشد، لا أجد ملجأً إلا في الصمت ذاته، وفي قلبٍ يزداد تمزقًا بين أرضٍ ترفضني، وسماءٍ لم ألمسها قط.
****
لا شيء يُوقظ الذاكرة مثل بخار الشاي، حين يتصاعد في دوائر خفيّة ويعانق هواء الغرفة الباردة.
كان المساء مائلًا إلى الحزن، كأن الغيوم فوقنا تحمل أسرارًا لا تبوح بها إلا للأموات.
في ذلك اليوم، كانت جدتي — "هاتسومي" — قد تجاوزت السبعين ببضع خيبات، وجلستْ على كرسي الخيزران تنظر إلى الباحة كمن يرى أطيافًا لا يراها سواها.
قدّمتُ لها كوبًا من الشاي الياباني، أخضر اللون، مرّ الطعم، لكنه من النوع الذي يُحرّض اللسان على الكلام ويخدع القلب بنشوةٍ منسية.
فجأة، كأنها لم تعد في ساو باولو، بل عادت إلى مزارع القصب، إلى الأزقّة الضيقة حيث كانت تهمس الرياح بأخبار الحرب.
قالت لي بصوتٍ شفاف كورق الأرز:
> "أباك... تاكيشي، ذو العينين الضيّقتين، لم يكن مجرّد عامل في المصنع كما ظننت، بل كان واحدًا من رجال شيندو ريمي."
سكتَّ كأنها ألقت بين يديّ قنبلةً موقوتة.
> "نعم، كان منهم... من أولئك الذين صدّقوا أن الإمبراطور لا يُهزم، وأن اليابان لم تخسر الحرب. كان يهدد، يرهب، يعاقب كل من يجرؤ أن يعترف بالهزيمة... حتى لو كان يابانيًا مثله."
كانت كلماتها كالسكاكين، تنغرز في صدر المساء.
> "البرازيل أعلنت الحرب على اليابان، فتحوّل اليابانيون من جاليةٍ مهاجرة إلى أعداء محتملين... عُذّبوا، حوكموا، وسُجنوا. وتاكيشي؟... كان نمرًا في التحقيق، لا يعترف ولا يلين. ومات هناك، في زنزانة باردة، لا أدري إن كان قُتل، أم انكسر قلبه."
توقفتْ للحظة. ارتعشت يدها. وانسكب بعض الشاي على الأرض.
> "كنت أقول له دومًا: لا تبيع روحك لأحد... أتيتَ إلى هنا لاجئًا، مهاجرًا، لا جنديًا في حربٍ خاسرة. لكنه كان يجيبني بعنادٍ يشبه الجبال: روحي برازيلية، لكن دمي لا يخون الإمبراطور."
في تلك اللحظة، لم تكن جدتي تتكلم، بل كانت تبكي.
كان بكاؤها صامتًا، لكنه أبلغ من العويل. بكاء من عاش الحب والخيانة والوطن المبتور.
ثم، وهمّت أن تنهض، مسحت دموعها وقالت جملة لا تزال ترنُّ في أذني كناقوسِ معبدٍ قديم:
> "تذكّر، يا كارلوس، الشر لا يُجابه إلا بشرٍ مثله، لكن داخلك بذرة خير... الياباني الأصيل لا يكره، بل يُحب."
وسكتت. كأنها قالت كل شيء، أو كأنها قالت ما لا يقال.
لكن حين هممت أن أسألها إن كانت تقصد شيئًا آخر، قالت همسًا:
> "أردتُ فقط أن تعرف... قبل أن تقرر إن كنتَ ستنتقم ممن ظلمك في المصنع."
---
في تلك الليلة، لم تُغمض عيني.
تذكّرت كلمات أمي، التي كانت تقول دومًا إن أبي كان حكيمًا، هادئًا، متّزنًا.
لكنها، في كل مرة كنت أذكر فيها جدتي، كانت تهز رأسها بأسى وتقول:
> "كبرتْ، ولم تعد تميّز جيدًا."
فأيّ امرأة كانت جدتي؟
هل كانت ملاكًا هبط من زمنٍ لم يعد موجودًا؟
أم عجوزًا تهذي بذكريات مختلطة؟
أم أنها كانت، ببساطة، منفى يمشي على قدمين؟ منفى يحتضنني، ويقول لي الحقيقة، مرّة مثل الشاي الأخضر.
وفي داخلي...
صوتان يتنازعان:
صوت يقول: "كن مثل أبيك، قاسيًا لا يلين."
وآخر يهمس: "كن مثل جدّتك، احمل الجراح... وامضِ."
---
أقف اليوم في يوكوهاما، في مصنعٍ للسيارات، أرتدي زيًّا أزرق، وأخفي تحت خوذتي رأسًا تمتلئ فيه الأصوات.
حين أنحني لتحية أحد المدراء، أتذكّر جدّتي وهي تعلمني الانحناء قائلة:
"منحنى الجسد ليس إذلالًا، بل احترامًا للحياة."
في البرازيل، رقصتُ السامبا في مهرجان كارنفال.
وفي اليابان، أتأمل بركة أسماك كوي في ظهيرة خريفية.
لكنني لا أنتمي إلى أي مكانٍ بالكامل.
أنا ظلٌّ بين فجرين.
أنا ابن قهوة وساكي، طبول وكوتو، رقص وأدب، لهجةٍ خجولة وضحكةٍ صاخبة.
وأحيانًا...
حين أعود من عملي، وأستلقي متعبًا،
أشعر بأنني شينيتشي الجديد...
وأن هناك من يراقبني من فوق السحاب،
يبتسم بعينين صغيرتين...
ثم يغمضهما، مطمئنًا أن القط لم يضع طريقه.
بل عاد.
في البرازيل، كنت أعبّر عن مشاعري كما ترقص النخلةُ في نسيم الريو... بلا خوف.
كنتُ أضحك بصوتٍ عالٍ، أبكي على الملأ، أكتب خواطر مراهقة على الجدران، أصرخ في الملعب حين يخسر فريقي، وأرسل رسائل حبّ بخط متعرّج على أوراق المدرسة.
لكن في اليابان...
في اليابان، عليك أن تتقن فنّ الصمت.
أن تبتسم دون أن تُظهِر أسنانك، أن تنحني بدل أن تصرخ، أن تكتب مشاعرك على ورقة لا تُرسلها، أن تقول "شكرًا" بدل "أنا موجوع".
هنا، لا مكان لقلبي البرتقالي الفاقع بين قلوبٍ بيضاء كزهور اللوتس، نُزعت منها الأشواك كي لا تُؤذي النظام.
تذكّرتُ مؤخرًا حكايةً قرأتها في طفولتي البرازيلية — حكاية آسيوية غريبة جاءتني من ضفةٍ بعيدة من العالم...
قصة الملك الكوري كيونغمون (Gyeongmun)، ملك مملكة سيلا، الذي كان يخفي سرًا صغيرًا كبيرًا:
كانت له أذنان كأذني حمار.
كان حلاق القصر هو الوحيد الذي رأى السر،
وقد هددوه إن تكلّم، فأغلق فمه...
لكنه لم يستطع أن يُغلق قلبه.
صار السر يتآكله من الداخل، يتضخم كفقاعة صابون في صدره، حتى كاد ينفجر.
وفي يومٍ ما، خرج بعيدًا...
بحث عن شيء لا يُحاكم ولا يُبلّغ، لا يكتب تقارير ولا ينقل الإشاعات.
ذهب إلى الطبيعة.
وحفر حفرة في الأرض.
وانحنى، وهمس فيها:
"الملك كيونغمون... له أذنا حمار."
ثم دفن الحفرة، وعاد مرتاحًا.
في تلك الليلة، لم تُغمض عيني.
تذكّرت كلمات أمي، التي كانت تقول دومًا إن أبي كان حكيمًا، هادئًا، متّزنًا.
لكنها، في كل مرة كنت أذكر فيها جدتي، كانت تهز رأسها بأسى وتقول:
> "كبرتْ، ولم تعد تميّز جيدًا."
فأيّ امرأة كانت جدتي؟
هل كانت ملاكًا هبط من زمنٍ لم يعد موجودًا؟
أم عجوزًا تهذي بذكريات مختلطة؟
أم أنها كانت، ببساطة، منفى يمشي على قدمين؟ منفى يحتضنني، ويقول لي الحقيقة، مرّة مثل الشاي الأخضر.
وفي داخلي...
صوتان يتنازعان:
صوت يقول: "كن مثل أبيك، قاسيًا لا يلين."
وآخر يهمس: "كن مثل جدّتك، احمل الجراح... وامضِ."
---
أقف اليوم في يوكوهاما، في مصنعٍ للسيارات، أرتدي زيًّا أزرق، وأخفي تحت خوذتي رأسًا تمتلئ فيه الأصوات.
حين أنحني لتحية أحد المدراء، أتذكّر جدّتي وهي تعلمني الانحناء قائلة:
"منحنى الجسد ليس إذلالًا، بل احترامًا للحياة."
في البرازيل، رقصتُ السامبا في مهرجان كارنفال.
وفي اليابان، أتأمل بركة أسماك كوي في ظهيرة خريفية.
لكنني لا أنتمي إلى أي مكانٍ بالكامل.
أنا ظلٌّ بين فجرين.
أنا ابن قهوة وساكي، طبول وكوتو، رقص وأدب، لهجةٍ خجولة وضحكةٍ صاخبة.
وأحيانًا...
حين أعود من عملي، وأستلقي متعبًا،
أشعر بأنني شينيتشي الجديد...
وأن هناك من يراقبني من فوق السحاب،
يبتسم بعينين صغيرتين...
ثم يغمضهما، مطمئنًا أن القط لم يضع طريقه.
بل عاد.
في البرازيل، كنت أعبّر عن مشاعري كما ترقص النخلةُ في نسيم الريو... بلا خوف.
كنتُ
أضحك بصوتٍ عالٍ، أبكي على الملأ، أكتب خواطر مراهقة على الجدران، أصرخ في
الملعب حين يخسر فريقي، وأرسل رسائل حبّ بخط متعرّج على أوراق المدرسة.
لكن في اليابان...
في اليابان، عليك أن تتقن فنّ الصمت.
أن تبتسم دون أن تُظهِر أسنانك، أن تنحني بدل أن تصرخ، أن تكتب مشاعرك على ورقة لا تُرسلها، أن تقول "شكرًا" بدل "أنا موجوع".
هنا، لا مكان لقلبي البرتقالي الفاقع بين قلوبٍ بيضاء كزهور اللوتس، نُزعت منها الأشواك كي لا تُؤذي النظام.
تذكّرتُ مؤخرًا حكايةً قرأتها في طفولتي البرازيلية — حكاية آسيوية غريبة جاءتني من ضفةٍ بعيدة من العالم...
قصة الملك الكوري كيونغمون (Gyeongmun)، ملك مملكة سيلا، الذي كان يخفي سرًا صغيرًا كبيرًا:
كانت له أذنان كأذني حمار.
كان حلاق القصر هو الوحيد الذي رأى السر،
وقد هددوه إن تكلّم، فأغلق فمه...
لكنه لم يستطع أن يُغلق قلبه.
صار السر يتآكله من الداخل، يتضخم كفقاعة صابون في صدره، حتى كاد ينفجر.
وفي يومٍ ما، خرج بعيدًا...
بحث عن شيء لا يُحاكم ولا يُبلّغ، لا يكتب تقارير ولا ينقل الإشاعات.
ذهب إلى الطبيعة.
وحفر حفرة في الأرض.
وانحنى، وهمس فيها:
"الملك كيونغمون... له أذنا حمار."
ثم دفن الحفرة، وعاد مرتاحًا.
لكن بعد مدة، نبتت من تلك الحفرة قصبات طويلة،
وحين هبّت الريح، بدأت القصبات تهمس مع كل نسمة:
"الملك كيونغمون له أذنا حمار... الملك له أذنا حمار..."
وصلت الحقيقة إلى الجميع، ليس عبر إنسان، بل عبر الطبيعة.
وأنا... أشعر أحيانًا أني ذلك الحلاق.
لكن لا شجرة لي، ولا حفرة، ولا قصبة تنبت من قلقي.
كل ما أملكه: جدارٌ رمادي في غرفتي،
أكتب عليه بالطباشير البرتقالي عبارات لا يفهمها أحد،
عبارات مشطورة ما بين برتغالية لا تتقن الانحناء، ويابانية لا تتقن الصراخ.
أكتب لأنني لا أستطيع أن أتكلم.
أكتب لأن أذني الحمار لا تظهر في رأسي، بل في قلبي،
ولأنني أخشى أن تنبت الريح من داخلي ذات يوم، وتفضحني.
في البرازيل، قبل أن أعود إلى اليابان، كنت أعمل في ورشة إصلاح قديمة قرب ميناء سانتوس.
هناك، تعرّفت على رجل غريب، لا يشبه البحّارة ولا يشبه البرازيليين، كان اسمه شلومو فلنكشتاين.
صاحب وجه أبيض كالماء، وعيون زرقاء كأنها تبحث عن صخرة العهد.
كان يجلس عند الطاولة الخلفية في الورشة، لا يُصلح شيئًا، بل يقرأ.
كتابٌ قديم، صفحاته تميل إلى الصفار، يتلو منه مقاطع بصوت خافت، ويهزّ رأسه كأنه يهتزّ بالمعنى.
سألته ذات مساء:
ـ "ما هذا الكتاب؟"
قال لي:
ـ "هذا التَنَاخ... الكتاب الذي أنزل على شعبي. نحن شعب الله المختار، كارلوس. أتعلم ذلك؟"
ضحكتُ يومها.
لم أكن أسخر منه، بل من الفكرة ذاتها.
شعب مختار؟ وماذا عن الآخرين؟ هل نحن زوائد على حواف النصوص؟
قلت له:
ـ "كل شعب يرى نفسه مركز الكون. ربما نحن، البرازيليين، شعبُ الكرنفال المختار؟"
ضحك... لكن عينيه لم تضحكا.
لم أنسَ تلك الجملة: "شعب الله المختار."
طافت في ذهني مثل سمكة زرقاء، لم أجد لها شاطئًا.
---
لكن حين وصلت اليابان، حين عدتُ إليها كـ"نيكي"، كعائدٍ من المنفى الطينيّ إلى المعبد الحجريّ،
شعرت بشيءٍ مألوف... شيء يشبه نبرة شلومو.
لا أحد في اليابان يقولها صراحة.
لا أحد يقول: "نحن شعب كامي المختار."
لكنك تشعر بها.
تشعر بها في طريقة الحديث عن "الياماتو"، العرق الأصلي الطاهر.
تشعر بها في الكتب المدرسية، في برامج الأطفال، في الأفلام التاريخية التي لا مكان فيها إلا للساموراي النبيل والإمبراطور الإله.
كامي، الأرواح المقدسة، لا تُولد إلا في أجساد الياپانيين الأصليين.
أما نحن، النيكي، فنحن مجرد زائرين إلى هذا المعنى...
نشبه القطط التي تتسلل إلى الحديقة الإمبراطورية، دون دعوة.
لم يكن شلومو فلنكشتاين مجرد زميل عمل في مصنع السيارات الذي كنت أداوم فيه بنصف جسد، والنصف الآخر كان يتسكع في دهاليز الحنين. كان شلومو أشبه برسالة خرجت من قارورة قديمة قذفتها الحرب على شواطئ الزمن، وأنا، القطّ ذو العيون الصغيرة، كنت أول من التقطها.
كان يرتدي دائمًا قميصًا أبيضًا مطرزًا بخيوط زرقاء باهتة، تُذكّرني بعلمٍ ما رأيته في كتاب مدرسي، أو على شاشة بالأبيض والأسود. عيناه كانتا تشبهان المطر: لا يأتي فجأة، لكنه إذا أتى، بلّل كل شيء.
ذات نهار رمادي كروح المصنع، اقترب منّي وهو يمسك بمفكرة جلدية بالية. جلسنا على رصيف من الخرسانة خلف مبنى الصيانة، حيث تنبت الأعشاب من الشقوق وكأنها تقاوم النسيان.
قال لي بصوت لا يصدأ:
"هل تؤمن يا كارلوس بأن الأرواح تُورث مثل الأسماء؟"
صمتُّ. وكان ذلك إجابتي المفضلة حين لا أعرف إن كنت أريد أن أسمع الحقيقة أم أنجو منها.
ثم بدأ يحكي…
---
"جدي يا كارلوس… جدي كان اسمه إليعازر فلنكشتاين. كانوا يسمونه في قريته العنّاز، لأنه كان يحب تسلق الأشجار، حتى بعد أن تجاوز الأربعين. أحبَّ امرأة اسمها راحيل، وماتت قبل أن يطلب يدها. بعدها لم يحب أحدًا… إلا الله، وكان ذلك خطأه."
أطرق شلومو، وراح يُقلّب صفحات الذاكرة كمن يُقلب رمادًا لا يزال دافئًا.
> "اعتقلوه في بولندا… في ليلة دون قمر. ساقوه إلى معسكر اسمه "مايدانيك". لم يعد أحد يعرفه، لكنه في ذاكرتي أوضح من رقم بطاقتي الشخصية."
"أحرقوه هناك… لم يتركوا له حتى ثوبه الأخير. فقط دخان، وبعض الرماد طار حتى نزل على جفن أبي."
سألته:
"أبوك؟ كيف نجا؟"
نظر إليّ كمن يرى المرة الأولى، رغم أنه يعرفني منذ أشهر.
> "أحبته امرأة ألمانية. كان يشتغل في بيتها، خائفًا، صامتًا، مثل قطة جريحة. كانت تكبره بعشر سنين، وكانت تؤمن أن الحب لا يتقن الحساب."
"خبأته في قبو صغير، وأطعَمته من يدها. لم يكن ذلك حبًا كما نراه في السينما، بل نوع من الإيمان الغريب… بأن الإنسان يستحق أن يُحَب لأنه إنسان."
"لكنه فرّ يا كارلوس… فرّ من الحب، من الذكرى، من الليل الألماني الذي رنّت فيه أصوات الأحذية أكثر من الترانيم."
"ذهب إلى إسبانيا… إلى البرتغال… ثم حملته السفن إلى البرازيل، حيث لا ثلج ولا نجوم، لكن على الأقل، لا صراخ ولا قطارات موت."
---
صمتَ شلومو طويلًا. ثم أخرج من جيبه ورقة صفراء كأنها اقتُطعت من كتاب مقدس نجا من حريق، وقال:
> "أبي... سماه شلومو، على اسم السلام. لكن السلام يا كارلوس كان يشبه الضيف الذي يأتي متأخرًا، وينام عند الجيران."
> "كره دولة إسرائيل... رغم أنه يهودي حتى النخاع. قال لي قبل أن يرحل:
يا بني، ما رأيتُه من عذاب لا أريده لأحد… لا للفلسطيني، لا للقط، لا حتى لمن خذلني."
ثم اقتبس من التلمود، وعيناه تمطران:
> "הַדָּם שֶׁל חֲבֵרְךָ לֹא פָּחוּת מִשֶּׁלְּךָ"
"دم صاحبك ليس أقل شأنًا من دمك."
---
نظرت إلى شلومو، ورأيت فيه خريطة نجاة مرسومة على جلد رجل منهك. لم يكن يحاول أن يُبكي، بل أن يُفهم. لم يكن يحكي لتخفّ أوجاعه، بل كي لا تتكرر.
قلت له:
> "تعرف يا شلومو… نحن القطط نُولد دون أوطان. كل ما نملكه هو أرواحنا التسعة، وغرائزنا الثمانية، وبعض القصص. وربما حين نحكيها… نكسب حياة عاشرة."
ابتسم. ثم نهض ومضى. لا أذكر أنني رأيته بعدها.
لكني كلما مررت بذلك الرصيف، كنت أسمع صوتًا خافتًا يردد التلمود بلغة دخيلة على المصنع، مألوفة في القلب:
> "الدم ليس أقل شأنًا… الدم ليس أقل شأنًا…"
****
ذات يوم، كنت أعمل في المصنع، حين دخل علينا مشرف جديد من طوكيو.
مرّ بجواري، نظر إلى اسمي على البطاقة: "تاكيشي كارلوس".
ثم سألني، ببرودٍ لا يُخفي ازدواجيته:
ـ "أنت... ياباني من الخارج فقط؟ أم من الداخل أيضًا؟"
لم أجب.
لكني تذكّرت شلومو، وتذكّرت كلمته القديمة.
هل اليابان هي إسرائيل الشرق؟
هل كامي هو يهوه بثياب حرير؟
وهل كل أمة، حين تشتد بها الحاجة إلى تماسك داخلي، تخترع لنفسها خريطة سماوية، وتضع نفسها في المنتصف؟
---
وفي لحظة غريبة، شعرت أني أفهم شلومو للمرة الأولى.
فهو، مثلي، كان يلوّح بكتابٍ قديمٍ ليثبت وجوده.
لكن الكتاب لم يكن سوى مرآة، يرى فيها من أراد أن يراه.
وشعرت أنني، في هذا المصنع، أكتب نسختي من الكتاب.
ليس على الورق... بل على العرق، على الأصابع، على الانحناءات الصامتة.
أنا ابن شينيتشي، حفيد القط،
لكنني لا أطلب أن أكون مختارًا، ولا نبيًّا، ولا نصف كامي.
أنا فقط أريد أن أكون مرئيًّا.
---
(أحلم أحيانًا...)
أن شلومو زار اليابان.
أنه جلس في مقهى صغير في نارا، وشاهد احتفال الـ"أوبون"، حيث الأرواح تعود لتزور أحبّاءها.
رآهم يحملون الفوانيس إلى النهر، وهم يهمسون بأسماء الراحلين.
قال لي شلومو في الحلم:
ـ "أتعرف يا كارلوس؟ في النهاية... لا أحد مختار. كلنا نكتب أسماءنا على ضوء الفوانيس، ونأمل أن تصل."
---
في تلك الليلة...
كتبت على جدار غرفتي، بالطباشير البرتقالي:
> "لا أريد أن أكون من المختارين...
أريد فقط أن أكون من الذين أحبّوا دون إذن،
وعاشوا في الهامش كأنهم القصيدة الأصلية."
---
في
بلاد كامي، كما في أرض التناخ، كما في ساو باولو، الهوية ليست ختمًا ولا
جوازًا... الهوية، يا شلومو... هي أن تجد من يراك — لا كغريب، ولا كرمز،
بل كإنسان، له عينان صغيرتان، لكن قلبه واسع كبحرٍ لا ينتظر النبوءة.
---
هل تريدني أن أكمل بما قالته ساكورا عن هذا؟
ربما هي أيضًا شعرت أن اليابان تؤمن باصطفاء مقدّس...
لكنها — بصمتها — خرقت تلك القداسة، بمجرد أن أحبت قطًّا لا يؤمن بالحراسة.
القط لا يعتذر حين يخرج من البيت
في اليابان،
لا يُقال "لا" بصوتٍ عالٍ.
بل تُقال بـ انحناءةٍ أطول مما يلزم،
وبحذاءٍ مشحوذ على باب المصنع،
وبوجهٍ خالٍ من الملامح.
لكني أنا… كارلوس.
ابن شينيتشي الذي مات وهو يبحث عن مقعد في قطارٍ لا يتوقّف،
وحفيدُ تلك التي تلد دون دواليب أو وثائق،
بل فقط بصراخ يشبه الترانيم.
أنا لست نصفًا من شيء.
أنا ضعفان… يكملان بعضهما.
---
قالوا لي: لا تغادر حتى يغادر المدير.
لكن قلبي غادر قبلي.
كانت أمي تناديني من سريرها في المستشفى،
بصوتٍ يشبه الهايكو حين يُكتَب على ورقٍ مبلول:
> "كارلوس... لا تكن ظلًّا في معمل... كن عاصفةً على عتبة الباب."
فخرجتُ.
ليس لأني شجاع، بل لأني عاجز عن الصمت.
في اليابان، العصيان مرضٌ معدٍ.
لكني مصاب منذ الولادة.
---
تم طردي.
كان اسم المدير: ماسارو.
لكن صوته كان يشبه الرصاص، لا الأسماء.
كتب في تقريري:
> "عصيان – نيكي – هافو– خطير على الانضباط العام."
ضحكت.
فأنا لم أكن نيكي.
كنت نايًا يعزف خارج النوتة.
---
أمي حين تعافت، قررت تزويجي.
رأت أن الحلّ في أن أصير أبًا.
لكنني كنت أحلم بأن أصير سؤالًا، لا إجابة.
جاتني بنت اسمها ساتسوكي.
تحب القطط.
قلت لها: "أنا قط. لكني لا أموء."
قالت: "أعرف. القط لا يعتذر حين يخرج من البيت."
ورحلت.
---
بدأت أكتب.
كل مساء، أخرج إلى سطح بيتنا،
أحمل قطعة طباشير برتقالي،
وأكتب على البلاط:
> "أنا لست موظفًا مفصولًا... بل شاعر تم فصله من قصيدة لم تُكتَب بعد."
> "أنا ابن أمٍّ نادتني، فسمعتُها رغم صمت المصنع."
> "أنا القط ذو العيون الصغيرة... لكنني الآن أراكم جميعًا."
---
بعد فصلي من المصنع، لم يعد في طوكيو مقهى يحتمل جلوسي، ولا شارع يبتسم لي، ولا حتى ظلُّ جدارٍ أستظلّ به من شمس الظهيرة التي كانت تضربني كلما مررت بجانب مرآة يابانية تراني، فلا تراني.
كنتُ ابن شتات.
لا برازيلي تمامًا، ولا ياباني بما يكفي.
جوازان، ووجه واحد لا يعترف به أحد.
في اليابان، أن تكون عاطلًا عن العمل، فتلك وصمةٌ سوداء كأنك ارتكبت خيانة وطنية.
وفي بيتي، كانت أمي تردّد كنايةً يابانية قديمة، تنفثها مثل لعنات قديمة:
> "الذي لا يعمل، لا يحق له أن يتنفس."
ثم تضيف، ببرود خناجر الشنتو:
> "وعارٌ عليك ألا تتزوج."
أمي كانت صقرًا...
تحوم فوق رأسي، تنتظر لحظة وهنٍ واحدة لتنقض على ما تبقى من شبابي.
ذات مساءٍ، ولأن لا شيء يربطني بالحياة سوى نكهة الشوكولاتة الساخنة، جلست في مقهى "رينوار"، أراقب دخان كوبٍ يتصاعد من فنجان خزفي مزخرف، كأن روحي تتبخر معه.
حينها، وقعت عيناي على فتاة.
فتاة بلا مساحيق.
بسيطة كقطعة موسلين زرقاء، ترتدي جمبسوت داكن، وتلف حول عنقها وشاحًا رماديًا يشبه الغيم قبل المطر.
بدت من نوعٍ نادر، يخرج من الماضي ولا يشبه هذا الزمن المعلب.
نظرتُ إليها.
ثم نظرتُ أكثر.
في اليابان، التحديق في الغرباء يُعدّ وقاحة، بل إعلان حرب صامتة.
لكنني، في تلك اللحظة، لم أكن يابانيًا...
كنتُ برازيلي النظرات، أمريكي التحديق، شرقيَّ الذهول.
هي شعرت بذلك.
لاحظت ارتباكي.
اقتربت... وجلست.
دون أن تستأذن.
كسرت الجليد، وبكل خفة همست:
> "أنا شيوري هارو... من جماعة أوم. رأيتك تعمل في مصنع السيارات. كنت هناك أيضًا، قبل أن أطرد. المدير متعنت... مثلك، لم أعد أنتمي لشيء. هل تسمح لي أن أبثّك شجني؟"
لم أجب.
كانت كلماتها تبكي، رغم أنها نطقتها بابتسامة.
قلتُ لها:
> "أنا كارلوس تاكيشي. اسمك... ذكرتِ جماعة أوم؟ من هؤلاء؟"
عيناها لمعتا... كمن يتلو سرًا خطيرًا.
اقتربت، وقالت بصوت أشبه بفحيح أفعى:
> "علينا أن نخرج من هنا."
خرجنا.
وفي زاوية شارع جانبي، تحدثت:
> "نحن نؤمن أن العالم يوشك أن ينتهي. حرب نووية. أمريكا ستبدأها. شوكو أساهارا هو المسيح الجديد، بوذا هذا العصر. وحده يستطيع إنقاذ أرواحنا من طوفان الهلاك القادم."
كنت أرتجف.
لكن شيئًا في داخلي، في شيفرتي الوراثية التي لا أعرف من أين جاءت، استجاب.
ربما لأنني، كما قالوا في البرازيل، وُلدتُ بين السطرين... لا في السطر.
قبلتُ الانضمام.
وفي أحد مقراتهم، رأيت شوكو أساهارا.
كان جالسًا كتمثال بوذيٍ بلا ملامح.
كفيف البصر... حاد البصيرة.
ذو صوتٍ كأنه يخرج من كهوف ما قبل التاريخ.
اقتربتُ منه، وقلبي يرتعش كسمكة خرجت من الماء.
قال لي، دون أن ألمس يدي:
> "من صوتك... أنت نيكي قوي. سأحتفظ بك لمهمة كبرى. ستساهم معنا في إنهاء العالم."
لم أتكلم.
دُفعت إلى الأمام، كما تُدفع الدمى في مسرح كابوكي.
شيوري بجانبي كانت تبتسم.
تحدثت كثيرًا، عن الأساهارا، عن التأمل، عن "النهاية"، عن طهارة المنظمة التي يعيش أعضاؤها في معسكرات مغلقة، يرتدون أزياء زاهدة ويصومون عن الطعام والكلام والشك.
ثم قالت جملةً جمّدت الدم في عروقي:
> "من ينضم إلينا... لا يملك روحه. روحه لم تعد له."
في تلك اللحظة، سمعت صوت جدتي، هاتسومي، ينبعث من الماضي:
> "الشر لا يُجابه إلا بشرٍ مثله... لكن فيك بذرة خير، لا تنسَ."
هربت.
لم ألجأ إلى أمي، التي كان لسانها سيفًا لا يغمد.
بل إلى حكمة جدتي الصامتة، التي لا تنطق، لكنها كانت دائمًا تقول كل شيء بنظرة.
هربت إلى أقصى الشمال...
إلى جزيرة هوكايدو.
حيث يعيش شعب الأينو، الذين يقولون إنهم اليابان الأصلي.
هناك، وجدت أناسًا يشبهونني...
بلا وطنٍ واضح، بلا اعتراف.
عشت بينهم.
تعلمت كلمات من لغتهم المنسية.
صنعت قناعًا من خشب، ورقصت في احتفالهم السنوي تحت الثلج.
لكن الفرار لا يدوم في هذا العالم.
في مارس، وقعت جريمة غاز السارين في مترو طوكيو.
وكنت أعلم، من اللحظة التي رأيت فيها الخبر على شاشة مهترئة في كوخٍ من الأكواخ، أن اسمي قد كُتب في قائمةٍ ما.
أُلقي القبض عليّ.
ودخلتُ الزنزانة.
كنت وحدي...
إلا من رجل، خلف الجدار، يهمس كلمات غريبة كل ليلة:
> "النهاية قادمة...
الأمريكيون على الأبواب...
طوكيو... ستموت."
***
حين خرجت من السجن، لم أكن أنا.
كنت شيئًا هشًا يتنفس بصعوبة، قطعة زجاج قديمة نُبشت من البحر، وعليها طبقات ملح وذكريات لا تُنسى.
لم يكن لدي وجه أواجه به المدينة، لا مرآة تعترف بي، ولا أم تحتضنني.
كنت أتسكّع ككلب جائع بين زقاق وزقاق، أبحث عن ظلّ أنام فيه… عن نسيانٍ يُباع في زجاجة رخيصة.
قالوا إنني سُجنت على ذمة التحقيق.
لكن الحقيقة؟
سُجنت على ذمة خطيئة لم أرتكبها.
انضممت فقط. لم أؤذِ أحدًا.
لكن اسمي تلوّث… صار عارًا على فم أمي، ولعنة على جبين جدتي.
وكل ذلك بسبب شيوري هارو… وبسبب أوم شينريكيو… وبسبب ذلك اليوم الذي قررت فيه أن أهرب من لا شيء إلى لا شيء.
شربت حتى فقدت اسمي.
شربت حتى نسي جسدي كيف يحملني.
كنت أريد أن أنام دون كوابيس… أن أموت دون ضجيج.
وحين أفقت، وجدتني في حضن فتاة لم أرَ وجهها بعد، لكنها همست لي، بصوتٍ يشبه موسيقى منسية:
> "لا تخف… كنت تبكي في الشارع."
وجهها كان مزيجًا من نور وسخام، وشعرها معقود كأنها خارجة من فيلم كوري قديم.
كانت يدها باردة، لكن قلبها حار… كأنها تجرّني من جرف الموت وتضعني على مقعد خشبي في شرفة تُطلّ على طوكيو.
قالت إنها وجدتني مرميًا في الزاوية، فأخذتني مع أخيها الصغير إلى بيتهم الصغير في أطراف المدينة.
حين سقيتني الماء، شكرتها، فسألتني:
> "هل حقًا أنت برازيلي-ياباني؟ سمعتك تهمس بهذا وأنت على الأرض… وتقول: نيكي… نيكي…"
أومأتُ برأسي.
قالت وهي تبتسم:
> "أنا أيضًا… غريبة مثلك.
من الزاي نيتشي.
اسمي سو-جي."
تلك اللحظة لم تكن اعترافًا فقط، بل كانت ولادة.
الزاي نيتشي… أبناء الوطن المنفيّ داخل الوطن.
قالت لي إنهم كوريون بلا كورية، ويابانيون بلا جنسية، يتيهون في طوكيو ولا يعرفون غيرها.
لا يعرفون إن كانت قلوبهم تنتمي للشمال أم للجنوب… فقط يعرفون أنهم لا ينتمون لأي شيء.
حين حدّثتني عن ذلك، شعرت بشيء يشبه المرآة… رأيت نفسي في عينيها.
أنا ابن الشتات… وهي شتاتٌ يتنفس.
أحببتها.
ليس لأنني بطل في فيلم، ولا لأنني شاعر يلهث خلف المجاز.
بل لأنني كنت غريقًا… وهي كانت جزيرة.
لكن كما هي عادة اليابان، لا تعترف بالحب الذي لا يحمل ختم العائلة.
أمي، حين علمت، صرخت بي:
> "زاي نيتشي؟! الحكومة لا تعترف بها… فكيف نعترف بها نحن؟"
قلت لها، وأنا أبحث عن صوتي بين الحروف:
> "هي إنسانة… وأنا أحبها…"
قالت وهي تزمّ شفتيها كمن يبصق سُمًّا:
> "لن أرضى عنك… ولن ترضى عنك روح الكامي."
حينها شعرت أن قلبي انقسم نصفين.
نصفٌ مع سو-جي… ونصف مع أمي.
نصف يرقص، ونصف يركع.
كنت أراهم في خيالي، أمي وسو-جي، في حلبة سومو عملاقة… تتدافعان، تصرخان، تدوران حولي.
من ستدفع الأخرى خارج الحلبة؟
ضحكتُ…
ضحكتُ لأني أعلم أن الواقع ليس حلبة… الواقع حفرة.
وفي النهاية، كنت أنا الخاسر.
اخترت أمي.
لأن الياباني لا يعقّ أمّه…
لأنني، رغم قلبي البرازيلي، لا زلت يابانيًا بما يكفي كي أخضع، كي أقول: هاجيمي ماشيتا للحزن، وأُبقي الحب في قنينة زجاجية على رفّ النسيان.
لكن، صدقني…
قلبي بقي مع سو-جي.
ربما كان ذلك كل ما أملكه من حرية.
***
"نيتو أوياما"... هكذا أسميتها.
مرحلة لم يرد أحد أن يضع لها اسمًا، ففعلت أنا.
كانت طوفانًا رقميًا صامتًا، عاصفة من عزلة ملفوفة بأسلاك الألياف الضوئية.
انفصال داخلي تام، لا تُسمع فيه صرخة، ولا يُطرق فيه باب.
جلوس مطوّل أمام شاشة زرقاء، حتى تغدو الجفون شاحبة، والروح هشّة، كأنها ورقة كستناء في خريف كيوتو.
في تلك الحقبة، حيث طغى الإنترنت على الأرواح،
تكدّس الموت كتعليقات في منتدى قديم...
وغابة أوكيغاهارا لم تعد مجرّد غابة.
أصبحت مقامًا لكل من قرر أن يُسكت ألمه دون صخب.
قيل إن رواية برج الأمواج لـ سييجو ماتسوموتو
أشعلت في البعض رغبة الخلاص،
وصاروا يذهبون إلى الغابة كما يذهب الناس إلى المعابد،
ليس طلبًا للغفران، بل رغبةً في الرحيل.
---
كنت أراقب كل ذلك، وأكتم رجفة ما في صدري.
أعلم أن ثمة شيء آتٍ، شيء يشبه النهاية.
ثم جاءت المكالمة.
من أخيها.
صوته كان مثل صرير باب يُفتح على العدم.
قال ببطء وكأنّه يلفظ الأحرف من قاع بئر:
"تعال. لقد تركت لك شيئًا."
---
وصلتُ، والشتاء يعضّ أطراف اليابان.
الثلج يتساقط، لكنه لا يغسل ما في القلب.
سلّمني ظرفًا.
بني اللون، برائحة ورقٍ قديم، كأنّه نُقع في دموع.
فتحت الرسالة،
وكانت هي — سو-جي — من تكتب.
كانت رسالتها مليئة بنزيف داخلي، لا يُرى،
حروفها تهتز، كأن يدها ارتجفت وهي تكتبها.
قالت إنها كانت تحبني حبًا عميقًا، صامتًا، مخيفًا.
حبًا لم تعرف كيف تقول له: “ابقَ.”
خجلت، كما تفعل الأرواح اليابانية التي تفضل الموت على البوح.
قارنت نفسها بـ"أوفيليا"،
وقالت إنها رأتني كـ"هاملت"،
لكنها لم تعرف أن هاملت نفسه كان غارقًا في دوار العالم،
تائهًا بين الشك والحقيقة،
بين العقل والأشباح.
ثم كتبت جملة لن أنساها حتى نهاية عمري:
"أحببتك، لكني كنتُ أخاف الحياة أكثر مما أحبك."
---
البرازيل؟
يا للغربة… كأنها شبح في المسرحية.
تأتي لتُذكّرني أنني لست يابانيًا بما يكفي كي أنتمي،
ولا برازيليًا بما يكفي كي أهرب.
من أنا إذن؟
هجين؟ طيف؟ ظلّ؟ سؤال لم يُجب عليه أحد؟
---
لو جمعتُ دموعي، لصنعتُ نهرًا جديدًا يوازي نهر سوميدا.
رسالتها لم تكن كلمات، كانت طعنات ناعمة.
سكاكين مصنوعة من الحرير،
كل سطر فيها كان يقطر وجعًا،
كما لو أنها كتبتها بدم قلبها لا حبر يديها.
من ينقذني من هذا الفيضان؟
من يصنع من روحي فلكًا، وأنا لا أملك نبيًّا؟
أين نوح... حين تتراكم المياه في صدري، لا في الأرض؟
---
هكذا ماتت سو-جي.
لكن حبي لها لم يمت.
وسأكتب...
ليس لأجلها فقط، بل لأجل كل من مروا من غابة أوكيغاهارا،
ولم يسمعهم أحد.
****
في طوكيو… لا أحد يذكرني.
لكن كلّ جدار يمرّ عليه اسمي،
يبتسم.
وفي الحمّام العامّ في محطة "أوكوبو"،
كتبت بالبرتغالية:
"Quem não cabe no Japão, cabe no poema."
"من لا يتّسع له اليابان… يتّسع له الشعر."
أمي تريدني أن أتزوج يابانية.
تقول:
ـ "الدمّ يجب أن يبقى نقيًا. نحن شعب منضبط. حافظ على السلالة."
لكن كيف أشرح لها أنني لا أبحث عن نقاء؟
أنا مزيج.
كوب من الساكي ممزوج بقطرات من كاشاسا.
أنفي يشبه أبي... وروحي تُشبه صديقةً من الحيّ البرازيلي كانت تضحك كأنها مهرجان.
أتزوج لأجل العروق؟
وأين هي عروقي أنا؟
هل أقول لها إن العرق الذي يؤلمني هو العرق الذي ينبض في معصمي كل ليلة ولا أجد له سكينة؟
أني أعاني من صمت لا علاج له إلا بالكلمات، ولا دواء له إلا البوح؟
لكن لمن أُبوح؟
هنا، لا أحد يسمع.
حتى الهواء هنا هادئ أكثر من اللازم.
حتى السماء لا تصرخ في العواصف.
---
في بعض الليالي...
أفتح النافذة، وأخاطب قمر طوكيو كأنه جدّي.
أقول له:
"أتعرف، يا شينيتشي... لقد علّمونا أن نكتم مشاعرنا،
أن نُخفي الخوف والحب والغيرة،
أن نكون قططًا تموء بصمتٍ في أحلامها.
لكنني... أنا حفيدك، وأنا أريد أن أُغنّي، لا أن أخرس."
أحيانًا...
أرغب في أن أركض في أحد شوارع أوساكا، أصرخ بالبرتغالية،
أضحك كطفلٍ ضائع وجد أمّه،
أو أكتب قصيدة على مقعد قطار.
لكنني لا أفعل.
فقط أعود إلى غرفتي،
أكتب كل ما لا أستطيع قوله،
وأحفر على الورق حفرتي الخاصة...
ثم أدفن فيها روحي، كل ليلة، بهدوء.
أمّي دائمًا تعرف كل شيء.
تقرأ مزاجي من طريقة دخولي البيت، وتفهم ملامح وحدتي قبل أن أفتح فمي.
وحين رأتني أعود كل مساء مثل موظّف في مصنع مشاعر مغلقة، قالت كلمتها الحاسمة، بلونها المفضل: الأخضر.
قالت:
ـ "أنت بحاجة إلى شجرة جديدة تتفيأ ظلّها. لا يكفيك القمر، ولا الجدران."
ثم رتّبت الأمر كما تفعل الأمهات اليابانيات حين يشبّ الأبناء، وتضيق بهنّ سطوة الصمت.
زواج... على طريقة أومايا O-miai.
موعد غامض، شبه رسمي، مدبّر كخطة شطرنج، تقوده "ناكودو" محترفة.
لكن هنا، كانت الناكودو هي أمي.
بابتسامتها الماكرة، وشاي الماتشا الذي لا يُقدَّم إلا حين يكون هناك شيء مهم سيُقال.
قالت: ـ "الفتاة اسمها ساكورا... مثل الزهر الذي يتساقط حين لا ينظر أحد."
كنت أضحك في سري من الاسم، وأخاف في داخلي من كل لقاء مدبّر.
ساكورا تاكيشي؟
هل نُعيد تدوير الأسماء كما نعيد تدوير القوارير الفارغة؟
أم أن هناك شيء في "ساكورا" سيوقظ فيّ رغبةً لم أعرفها بعد؟
---
التقينا في مقهى تقليدي، تحيط به أحجار سوداء، وبحيرة فيها أسماك كوي تسبح ببرود واثق.
كانت ترتدي كيمونو بلون السماء الملبّدة، وشعرها مربوط بأناقة توحي بالتردد.
حين جلست أمامي، شعرت للحظة أنها تنتمي لهذا العالم أكثر مما أنتمي أنا.
لكنها بادرت بالكلام، وبلهجة خجولة:
ـ "أنتَ لا تبدو يابانيًا تمامًا... ولا برازيليًا تمامًا. تشبه الحلم حين يُروى بلغتين."
أجبتها، بعد أن بلعت ريقي وكبريائي:
ـ "وأنتِ... تبدين كأنك قصيدة هايكو خُطّت فوق جدارية غرافّيتي."
ضحكت.
ضحكت ساكورا.
ضحكة صغيرة، لكنها لم تكن يابانية.
ضحكة خرجت من قلب يشبه قلبي... مرتبك، ملوّن، ومصنوع من قماشين: واحدٌ مطرّز بالورود، وآخر مرقّع بندوب الحياة.
---
في ذلك اللقاء، لم نوقّع عقد زواج، ولم نتحدث عن الأطفال، أو "نقاء السلالة" كما تحب أمي أن تسميه.
تحدثنا عن الشاي الأخضر، ومهرجانات البرازيل، وعن صوت السمك حين يختفي تحت الماء.
عن جدها الذي كان يعمل في شركة قطارات، وجدي الذي كان يزرع البنّ بصمت.
عن طوكيو التي لا تعرفنا، وساو باولو التي نسيتنا.
وحين ودّعتها عند محطة القطار، قالت لي بهدوء:
ـ "هل تعلم أن القطط لا تموء كثيرًا في اليابان؟ نحن نحبّ الصمت حتى في الميواء."
قلت لها، وأنا ألوّح بيدي المرتعشة:
ـ "لكنّ هذا القط... يريد أن يغنّي."
---
عدت إلى غرفتي تلك الليلة، ولم أكتب على الجدار.
بل وضعت إصبعي على القلب... وشعرت أنه ينبض بإيقاع مختلف.
ساكورا، ابنة الشتاء الصامت، جاءت لتقول لي بلغة الجليد المذاب:
"لستَ وحدك."
ومن يومها، لم أعد أخاف الموعد الأعمى...
لأنني أدركت، أخيرًا، أن أجمل اللقاءات لا تحدث حين نكون مستعدين،
بل حين نكون على وشك الانهيار،
ونجد من يُمسك بأطرافنا... ويبتسم.
حتى القط ذو العيون الصغيرة... حين وجد نظرةً تشبهه،
توقّف عن الحراسة،
وأراد أن يحكي...
بل أن يحبّ.
لقد غاب عن بالي ان أقول أنني عندما كنت في المحطة...
حين أغلق باب القطار بيني وبين ساكورا، شعرت وكأن صفحةً من حياتي طُويت دون أن تُقرأ.
وقفتُ للحظةٍ مشدوهًا أمام الزجاج، أبحث في عينيها عن "وداع"، لكن ما وجدته كان شيئًا آخر.
نظرةٌ لا تقول "وداعًا"... بل "ابدأ أنت، وسأتبع الأثر."
لوّحتُ لها مجددًا، وابتسمتُ تلك الابتسامة التي لا تُرى إلا حين ينهزم الكبرياء أمام العاطفة.
ثم استدرتُ... ومضيتُ في طريقٍ لم أعد أعرف إن كنت أمشيه وحدي.
لكن القصة... لم تنتهِ عندي.
لأن ساكورا، هناك، في القطار، بدأت قصّتها الخاصة.
ربما كُتب علينا أن نلتقي لنروي، لا لنكتمل.
أن نفتح الدفاتر القديمة، ونجعل الحبر يبوح بما أخفته الذاكرة.
---
(ساكورا )
اسمي ساكورا.
نعم، مثل زهرة الكرز التي تتفتح أسبوعًا وتموت قبل أن يراها الجميع.
أكتب مانغا.
أرسم عوالمَ ليست موجودة، وأمنح الصمت صوتًا بالحبر الأسود، وأُخرِج الوحوش من رؤوسنا وأجعلها تُحبّ.
لكنني توقفت عن الرسم منذ ثلاث سنوات...
حين فقدت صوتي الداخلي.
حين صار كل ما حولي يشبه الرماد، حتى وأنا أرتدي كيمونو بلون الأمل.
ثم التقيت كارلوس.
شابٌ له وجه ياباني لكن عيونه تشبه الطريق.
له ماضٍ يُشبه صفعة، وصوتٌ يشبه أغنية لم تُكتب بعد.
ما جذبني إليه؟
ليس ضحكته، ولا خجله، ولا قهوته المختلطة برائحة البنّ.
بل حكايته عن والده...
قال إن أباه لم يصدّق أن الإمبراطور قد يستسلم.
قال إن أباه أُصيب بالحُمّى يوم إعلان الهزيمة، وكأن اليابان طُعنت في قلبه.
رفض الاستسلام، وقاتل في معركةٍ رمزيةٍ ضد الذين خضعوا... حتى لو كان ذلك في خياله فقط.
أمه كانت من المستسلمين.
كان بينهما صمتٌ طويلٌ مثل فترة ما بعد القصف.
كارلوس قال لي:
"في دماء أبي دمٌ برتغاليّ حامي، وفي قلبه إمبراطور، حتى بعد أن صار تمثالًا."
أبوه كاثوليكي... لكنه لم يركع في كنيسته، بل أمام صورة الإمبراطور.
هذا التمزّق... هو ما جعلني أراه.
كأنني وجدت بين نظراته مانغا لم تُرسم بعد.
---
أنا من أصول ملاوية.
جدتي جاءت إلى اليابان لاجئة، بعد أن دُمرت قريتها في الحرب، ووقع أخوها في أيدي الجيوش الهولندية.
حكت لي أن أول حبٍّ لها كان يابانيًا لا ينظر في عيون النساء، لكنه كتب لها قصيدة وأخفاها في نعل حذائها.
أمي لا تحب أن أتكلم عن ذلك.
تقول لي دائمًا:
"يابانية فقط. لا تقولي إنك ملاوية. اختصري نفسك."
لكنني لا أريد أن أختصرني.
---
حين التقيت كارلوس، لم أرَ فيه فقط "نيكي" — الياباني الذي عاد من الشتات.
رأيتني.
مانغا تمشي على قدمين.
تعيش في هوية مؤجّلة، وتبحث عن وطن داخل ابتسامة.
سألني:
"هل سيقبل اليابانيون أن تكتبي عني؟ عن نيكي؟ عن ابن الإمبراطور البرتغاليّ؟"
أجبته:
"لا يهمني القبول. أريد أن أكتب لأنني أخاف أن أنسى."
---
في القطار، أخرجتُ دفتري القديم، الذي لم ألمسه منذ عامين.
خططت أول مشهد:
> رجلٌ يرتدي خوذة زرقاء، وعيناه صغيرتان كقطٍّ شرقيّ.
يجلس في مصنع، لكنه يفكّر في المانغا، في البرتغال، في كرز لا يتفتح إلا في المنفى.
كتبت في أعلى الصفحة:
"القط ذو العيون الصغيرة... لا يُحب الحراسة. هو يريد أن يحبّ."
---
كارلوس...
لن تعرف هذا الآن، لكنني بدأت قصتنا.
وإن رفضتني دور النشر، وإن قال لي المحرر إن "القراء لا يحبّون قصص النيكي"،
سأرسمك، صفحةً صفحة، حتى تصير حقيقيًا حتى في أعين من لم يفهموك.
لأنني... حين رأيتك، عرفت أنني لا أريد أن أكتب أبطالًا خارقين.
أريد أن أكتب عنك.
أنتَ... البطل الذي يشبه الجميع، ولا يشبه أحدًا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق