ليل نيفادا... والمغامرة التي لم يُكتب لها أن تنتهي
أنا مساعد بن صالح آل دهام، ابنُ نجد، وعاشقُ الغرابة منذ أن كنت صغيرًا أتقصّى حكايات الجنّ في شعاب البديعة، وأرسم الكائنات الفضائية في دفاتري بدلاً من حل واجبات الرياضيات. واليوم، بعد ثلاثين عامًا من العمر، ها أنا أقف وحدي على الطريق السريع 375، أو كما يسميه الأمريكيون: "الطريق إلى الكائنات الفضائية" — الطريق الذي يمرّ بمحاذاة أكثر المناطق سرّيةً في هذا الكوكب: المنطقة 51.
---
وصلتُ إلى هنا عن غير قصد، أو هكذا كنت أظنّ.
سيارتي الكيا الفضّية أطلقت صرخة ميكانيكية عجيبة قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة على جانب الطريق. لا وجود لإشارة، لا مبانٍ، لا محطات وقود، لا شيء سوى العراء والليل والصمت الممتد بين الجبال الصخرية. ركنتُ السيارة على طرف الطريق، فتحتُ الباب، ونزلتُ.
هبّت نسمة باردة من جهة الجنوب، نسمة تحمل رائحة الغبار، وربما شيئًا آخر... شيئًا غامضًا، كأن الهواء نفسه مشحونٌ بالكهرباء. نظرتُ إلى السماء. القمر كان كاملاً، مستديرًا كعدسة مراقبة، يحدّق إليّ دون رحمة. عند الأفق، تلوح تلال غرووم لايك، حيث تقع المنشأة الأكثر غموضًا على سطح الأرض: المنطقة 51.
---
لطالما قرأت عن هذا المكان. كتب، وثائقيات، تدوينات شابّة، وحتى وثائق سرّبتها الويكيليكس. يقال إنهم يُجرون فيها تجارب على مركبات فضائية سقطت في "روزويل"، ويقال إن بعض سكان القاعدة ليسوا من أهل الأرض، بل من عوالم لا نعرف أسماءها بعد. المنطقة تأسست عام 1955، في قلب صحراء نيفادا، لأغراض "تطوير الطائرات"، لكنها تحولت مع الزمن إلى رمزٍ للتكتّم والغرابة. الحكومة الأمريكية لم تعترف بوجودها رسميًا حتى عام 2013، رغم أنها كانت مرئية في صور الأقمار الصناعية لعقود.
---
وقفتُ هناك، أشعر أنني على وشك أن أصبح جزءًا من قصة كنت لأكتبها في مدونتي “غرائب وعجائب البلدان”، تلك المدونة التي أطلقتها أيام الغربة، حين بدأتُ دراستي في كولورادو، وكنت أهرب فيها من رتابة اليوم إلى جنون الحكايات.
لكن الليلة... لم تكن مجرد حكاية.
---
خطرت لي فكرة مجنونة.
لماذا لا أتسلّل إلى المنطقة؟
سأكون كـ"جيمس بوند البدوي"، بل ربما أسبق ستيفن غرير نفسه إلى الحقيقة. تخيّلت اسمي يتصدر الصحف: "مساعد السعودي يكشف أسرار الفضائيين". تخيّلت نفسي أرتدي بدلة سوداء، أنجح في التسلل إلى قلب المنشأة، ألتقي بمخلوق رمادي اللون بعينين واسعتين يقول لي: "لقد كنا ننتظرك، مساعد".
ابتسمتُ، ثم تجهمت.
"بس لحظة..."، قلتُ بصوت مرتجف، "كيف أدخل أصلاً؟"
---
أمام البوابة الجنوبية – وفق ما قرأت – توجد لافتة صفراء: "ممنوع الدخول. استخدام القوة المميتة مبرَّر قانونيًا". الكاميرات تراقب كل شيء، الطائرات المسيّرة لا تغفل لحظة، والمراقبون لا يرتدّ لهم جفن. أسطورة تقول إن القناصة يتمركزون في الكثبان العالية، يراقبون كل حركة على بعد ميلين. إذا اخترقت الخط الأحمر، لا تعود.
---
رحتُ أتقدّم ببطء. الأرض كانت تُصدر صوتًا غريبًا مع كل خطوة. أنوار القاعدة بعيدة، لكني لمحت ومضًا أزرق خاطفًا كأنّه انعكاس شيء لا مرئي. ربما طائرة، وربما لا.
فجأةً، سمعت طنينًا.
ظننته أولاً صوت حشرة... لكنّه كان منتظمًا، ومرتفعًا. التفتُّ. لا شيء. لكنّ الصوت اقترب. صار الطنين أشبه بموسيقى مشوّهة، تخرج من بطن الأرض. تجمدت. لحظة واحدة فقط، وانطفأ القمر.
أقسم بالله، رأيت ظلًّا يتحرك في السماء. بسرعة الضوء. ثم اختفى.
---
عدتُ أدراجي، ركضتُ نحو السيارة المعطّلة كأنّي أهرب من شيء ليس من هذا العالم. جلست خلف المقود. تنفستُ. شعرتُ برجفة باردة تسري في ظهري. هل كانت هلوسة؟ هل ما رأيته حقيقي؟ هل المنطقة 51 تحتوي فعلاً على أسرار لا يريدون لنا أن نعرفها؟
---
عدتُ إلى غرفتي في فندق رخيص في رايتشل، البلدة الأقرب إلى المنطقة. في الغرفة، كانت صورة لمخلوق فضائي مرسومة على الجدار، كأنه يبتسم لي بسخرية.
فتحتُ اللابتوب، وبدأت أكتب هذه القصة.
لكن شيئًا داخلي كان يخبرني أن ما رأيته... لم يكن وهْمًا.
ربما كتبتُ هذه التدوينة لأحذّركم، أو ربما لأُبرّر لنفسي ما رأيت.
لكنني أقسم: في تلك الليلة، بالقرب من المنطقة 51، شعرت للحظة أنني لم أعد على الأرض.
---
ملاحظة:
إذا لم أكتب في المدونة الأسبوع القادم، فاتركوا رسالة لصديقي فهد... وقولوا له إنني وجدت الحقيقة، لكنها ابتلعتني.
مساعد.
نيڤادا، تموز.
أنا مساعد بن صالح آل دهام، ابنُ نجد، وعاشقُ الغرابة منذ أن كنت صغيرًا أتقصّى حكايات الجنّ في شعاب البديعة، وأرسم الكائنات الفضائية في دفاتري بدلاً من حل واجبات الرياضيات. واليوم، بعد ثلاثين عامًا من العمر، ها أنا أقف وحدي على الطريق السريع 375، أو كما يسميه الأمريكيون: "الطريق إلى الكائنات الفضائية" — الطريق الذي يمرّ بمحاذاة أكثر المناطق سرّيةً في هذا الكوكب: المنطقة 51.
---
وصلتُ إلى هنا عن غير قصد، أو هكذا كنت أظنّ.
سيارتي الكيا الفضّية أطلقت صرخة ميكانيكية عجيبة قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة على جانب الطريق. لا وجود لإشارة، لا مبانٍ، لا محطات وقود، لا شيء سوى العراء والليل والصمت الممتد بين الجبال الصخرية. ركنتُ السيارة على طرف الطريق، فتحتُ الباب، ونزلتُ.
هبّت نسمة باردة من جهة الجنوب، نسمة تحمل رائحة الغبار، وربما شيئًا آخر... شيئًا غامضًا، كأن الهواء نفسه مشحونٌ بالكهرباء. نظرتُ إلى السماء. القمر كان كاملاً، مستديرًا كعدسة مراقبة، يحدّق إليّ دون رحمة. عند الأفق، تلوح تلال غرووم لايك، حيث تقع المنشأة الأكثر غموضًا على سطح الأرض: المنطقة 51.
---
لطالما قرأت عن هذا المكان. كتب، وثائقيات، تدوينات شابّة، وحتى وثائق سرّبتها الويكيليكس. يقال إنهم يُجرون فيها تجارب على مركبات فضائية سقطت في "روزويل"، ويقال إن بعض سكان القاعدة ليسوا من أهل الأرض، بل من عوالم لا نعرف أسماءها بعد. المنطقة تأسست عام 1955، في قلب صحراء نيفادا، لأغراض "تطوير الطائرات"، لكنها تحولت مع الزمن إلى رمزٍ للتكتّم والغرابة. الحكومة الأمريكية لم تعترف بوجودها رسميًا حتى عام 2013، رغم أنها كانت مرئية في صور الأقمار الصناعية لعقود.
---
وقفتُ هناك، أشعر أنني على وشك أن أصبح جزءًا من قصة كنت لأكتبها في مدونتي “غرائب وعجائب البلدان”، تلك المدونة التي أطلقتها أيام الغربة، حين بدأتُ دراستي في كولورادو، وكنت أهرب فيها من رتابة اليوم إلى جنون الحكايات.
لكن الليلة... لم تكن مجرد حكاية.
---
خطرت لي فكرة مجنونة.
لماذا لا أتسلّل إلى المنطقة؟
سأكون كـ"جيمس بوند البدوي"، بل ربما أسبق ستيفن غرير نفسه إلى الحقيقة. تخيّلت اسمي يتصدر الصحف: "مساعد السعودي يكشف أسرار الفضائيين". تخيّلت نفسي أرتدي بدلة سوداء، أنجح في التسلل إلى قلب المنشأة، ألتقي بمخلوق رمادي اللون بعينين واسعتين يقول لي: "لقد كنا ننتظرك، مساعد".
ابتسمتُ، ثم تجهمت.
"بس لحظة..."، قلتُ بصوت مرتجف، "كيف أدخل أصلاً؟"
---
أمام البوابة الجنوبية – وفق ما قرأت – توجد لافتة صفراء: "ممنوع الدخول. استخدام القوة المميتة مبرَّر قانونيًا". الكاميرات تراقب كل شيء، الطائرات المسيّرة لا تغفل لحظة، والمراقبون لا يرتدّ لهم جفن. أسطورة تقول إن القناصة يتمركزون في الكثبان العالية، يراقبون كل حركة على بعد ميلين. إذا اخترقت الخط الأحمر، لا تعود.
---
رحتُ أتقدّم ببطء. الأرض كانت تُصدر صوتًا غريبًا مع كل خطوة. أنوار القاعدة بعيدة، لكني لمحت ومضًا أزرق خاطفًا كأنّه انعكاس شيء لا مرئي. ربما طائرة، وربما لا.
فجأةً، سمعت طنينًا.
ظننته أولاً صوت حشرة... لكنّه كان منتظمًا، ومرتفعًا. التفتُّ. لا شيء. لكنّ الصوت اقترب. صار الطنين أشبه بموسيقى مشوّهة، تخرج من بطن الأرض. تجمدت. لحظة واحدة فقط، وانطفأ القمر.
أقسم بالله، رأيت ظلًّا يتحرك في السماء. بسرعة الضوء. ثم اختفى.
---
عدتُ أدراجي، ركضتُ نحو السيارة المعطّلة كأنّي أهرب من شيء ليس من هذا العالم. جلست خلف المقود. تنفستُ. شعرتُ برجفة باردة تسري في ظهري. هل كانت هلوسة؟ هل ما رأيته حقيقي؟ هل المنطقة 51 تحتوي فعلاً على أسرار لا يريدون لنا أن نعرفها؟
---
عدتُ إلى غرفتي في فندق رخيص في رايتشل، البلدة الأقرب إلى المنطقة. في الغرفة، كانت صورة لمخلوق فضائي مرسومة على الجدار، كأنه يبتسم لي بسخرية.
فتحتُ اللابتوب، وبدأت أكتب هذه القصة.
لكن شيئًا داخلي كان يخبرني أن ما رأيته... لم يكن وهْمًا.
ربما كتبتُ هذه التدوينة لأحذّركم، أو ربما لأُبرّر لنفسي ما رأيت.
لكنني أقسم: في تلك الليلة، بالقرب من المنطقة 51، شعرت للحظة أنني لم أعد على الأرض.
---
ملاحظة:
إذا لم أكتب في المدونة الأسبوع القادم، فاتركوا رسالة لصديقي فهد... وقولوا له إنني وجدت الحقيقة، لكنها ابتلعتني.
مساعد.
نيڤادا، تموز.
في ضيافة توماس ووكر: الحفرة التي لا تعود منها الأصوات
في صباح اليوم التالي، بعد ليلتي القمرية قرب "المنطقة ٥١"، استيقظت في فندق "ليتل ألي إن"، الفندق الوحيد في بلدة رايتشل النائمة، وإحدى النقاط الساخنة لعشاق القصص الغريبة والهوس الجماعي. وما كنت أعلم أن لقائي في تلك الصالة الصغيرة سيغير مجرى قصتي.
كنت أتناول بيضة مقلية دون رغبة، أفكر في العودة إلى كولورادو، حين جلس إلى طاولتي رجل في الستين من عمره، وجهه مثل الخرائط، محفور بتجاعيد الزمن والرمال. شعره رمادي، وعيناه زرقاوان كسماء نيفادا إذا خلَت من الغبار.
توماس:
"رأيتك الليلة الماضية على الطريق... هل كانت السيارة المعطلة لك؟"
مساعد:
"نعم... يبدو أنها لعنة نيفادا، لعنة الطريق 375."
ضحك الرجل،بصوت هادئ لكنه يحمل شيءً ما تحته ثم أردف:
توماس:
"جئت تبحث عن الكائنات الفضائية، أليس كذلك؟"
تجمّدت يدي في مكانها. كيف عرف؟
مساعد:
"أنا مجرد طالب... أكتب عن الغرائب، لديّ مدوّنة فقط."
توماس (بهدوء):
"المدوّنة لا تهمني كثيرًا. ما يعنيني هو: هل تؤمن بالحقيقة؟ وهل أنت مستعد لمواجهتها؟"
تجمّدت يدي في مكانها. كيف عرف؟
مساعد:
"أنا مجرد طالب... أكتب عن الغرائب، لديّ مدوّنة فقط."
توماس (بهدوء):
"المدوّنة لا تهمني كثيرًا. ما يعنيني هو: هل تؤمن بالحقيقة؟ وهل أنت مستعد لمواجهتها؟"
كنت على وشك أن أغادر الطاولة، لكن شيئًا ما في نبرته جعلني أبقى.
مساعد:
"من أنت؟"
توماس:
"اسمي توماس ووكر. كنت عضوًا في جماعة تُعرف بـCTS."
رفع عينيه وكأنه نطق باسمٍ محرّم.
مساعد (بدهشة):
"وماذا تعني CTS؟"
توماس:
"Conspiracy Tunnel Syndicate... إنها جماعة سرّية قامت بحفر نفق يؤدي إلى باطن المنطقة 51، انطلاقًا من نقطة تبعد 11 ميلاً جنوبًا. كنا ثلاثة عشر شخصًا، نعمل ليلًا ونهارًا، على مدى أربع سنوات. لم نكن مجانين، بل طلاب حقيقة. أردنا أن نعرف ما الذي يخفيه هذا العالم عنا. ولكن..."
(يصمت لوهلة)
"...ولكن أحدنا خان القضية. سلّمنا. قُبض على تسعة منا، بتهمة التعدّي على ممتلكات حكومية، وأُغلق النفق. بقيتُ وحدي. لكنني لم أتنازل."
ارتعش شيء داخلي. قلت له:
"اسمع يا سيد توماس، أنا غريب في بلادكم. لا أريد التورط. لا أريد أن أُرحّل أو أُسجن في صحراء بسبب قصص فضائيين."
ضحك، ثم انحنى للأمام وقال بصوت كأنّه خارج من راديو مهترئ:
"وهل تعتقد أن الحقيقة تعرف الجنسيات؟ الفضائي الذي قد يكون داخل القاعدة لا يرى فارقًا بين سعودي وأمريكي وبرازيلي. نحن كوكبٌ واحد، والمخفيّ عنّا يُخفيه بشرٌ مثلنا... فهل سنبقى صامتين؟ التستّر جريمة يا مساعد، فكيف لو كان المتستّر عليه كائن قادم من نجم آخر؟"
سكتُ. ثم سألته:
"وما الذي تريد مني؟"
"أريدك أن تكتب. أن تنشر. أن تقول ما رأيته وما سمعته. لا أريدك أن تحفر ولا أن تخاطر. فقط أن تكون شاهدًا حيًّا على أن هناك من لا يزال يبحث. الشباب الذين أُراسلهم من كندا، من الأرجنتين، من اليابان، حتى من جدة، كلهم يكتبون، يتشاركون، يوثّقون. إذا لم نستطع الدخول... فلتكن كلمتنا أداة الكشف."
---
خرجتُ من الفندق ذلك اليوم وأنا أحمل أكثر من حقيبة. لا أعني حقيبتي الجلدية القديمة، بل حقيبة من الأسئلة:
هل ما قاله توماس حقيقة؟ أم هو أحد المجانين الذين التهمهم سراب الصحراء؟
هل CTS مجرّد أسطورة، أم شبكة حقيقية من "باحثي النفق المفقود"؟
هل فعلاً في قلب نيفادا مخلوق لا ينتمي إلى الأرض، ونحن مجرّد كائنات بدائية لم يُسمح لها حتى بأن تسأل؟
---
وفي التدوينة الجديدة التي نشرتها مساء ذلك اليوم، كتبت:
> "ليست كل الأساطير كاذبة. بعضها لم يجد بعد من يثبتها.
قابلت رجلًا في نيفادا. اسمه توماس ووكر. يحمل في عينيه خريطة النفق الذي لم يُكمل.
سألني إن كنت مستعدًّا أن أكتب... لا أن أحفر.
وربما... فقط ربما... أنا الآن بدأتُ الحفر.
– مساعد آل دهام
يوليو، نيفادا، قرب السرّ الذي لا يُقال."
****
في صباح اليوم التالي، بعد ليلتي القمرية قرب "المنطقة ٥١"، استيقظت في فندق "ليتل ألي إن"، الفندق الوحيد في بلدة رايتشل النائمة، وإحدى النقاط الساخنة لعشاق القصص الغريبة والهوس الجماعي. وما كنت أعلم أن لقائي في تلك الصالة الصغيرة سيغير مجرى قصتي.
كنت أتناول بيضة مقلية دون رغبة، أفكر في العودة إلى كولورادو، حين جلس إلى طاولتي رجل في الستين من عمره، وجهه مثل الخرائط، محفور بتجاعيد الزمن والرمال. شعره رمادي، وعيناه زرقاوان كسماء نيفادا إذا خلَت من الغبار.
توماس:
"رأيتك الليلة الماضية على الطريق... هل كانت السيارة المعطلة لك؟"
مساعد:
"نعم... يبدو أنها لعنة نيفادا، لعنة الطريق 375."
ضحك الرجل،بصوت هادئ لكنه يحمل شيءً ما تحته ثم أردف:
توماس:
"جئت تبحث عن الكائنات الفضائية، أليس كذلك؟"
تجمّدت يدي في مكانها. كيف عرف؟
مساعد:
"أنا مجرد طالب... أكتب عن الغرائب، لديّ مدوّنة فقط."
توماس (بهدوء):
"المدوّنة لا تهمني كثيرًا. ما يعنيني هو: هل تؤمن بالحقيقة؟ وهل أنت مستعد لمواجهتها؟"
تجمّدت يدي في مكانها. كيف عرف؟
مساعد:
"أنا مجرد طالب... أكتب عن الغرائب، لديّ مدوّنة فقط."
توماس (بهدوء):
"المدوّنة لا تهمني كثيرًا. ما يعنيني هو: هل تؤمن بالحقيقة؟ وهل أنت مستعد لمواجهتها؟"
كنت على وشك أن أغادر الطاولة، لكن شيئًا ما في نبرته جعلني أبقى.
مساعد:
"من أنت؟"
توماس:
"اسمي توماس ووكر. كنت عضوًا في جماعة تُعرف بـCTS."
رفع عينيه وكأنه نطق باسمٍ محرّم.
مساعد (بدهشة):
"وماذا تعني CTS؟"
توماس:
"Conspiracy Tunnel Syndicate... إنها جماعة سرّية قامت بحفر نفق يؤدي إلى باطن المنطقة 51، انطلاقًا من نقطة تبعد 11 ميلاً جنوبًا. كنا ثلاثة عشر شخصًا، نعمل ليلًا ونهارًا، على مدى أربع سنوات. لم نكن مجانين، بل طلاب حقيقة. أردنا أن نعرف ما الذي يخفيه هذا العالم عنا. ولكن..."
(يصمت لوهلة)
"...ولكن أحدنا خان القضية. سلّمنا. قُبض على تسعة منا، بتهمة التعدّي على ممتلكات حكومية، وأُغلق النفق. بقيتُ وحدي. لكنني لم أتنازل."
ارتعش شيء داخلي. قلت له:
"اسمع يا سيد توماس، أنا غريب في بلادكم. لا أريد التورط. لا أريد أن أُرحّل أو أُسجن في صحراء بسبب قصص فضائيين."
ضحك، ثم انحنى للأمام وقال بصوت كأنّه خارج من راديو مهترئ:
"وهل تعتقد أن الحقيقة تعرف الجنسيات؟ الفضائي الذي قد يكون داخل القاعدة لا يرى فارقًا بين سعودي وأمريكي وبرازيلي. نحن كوكبٌ واحد، والمخفيّ عنّا يُخفيه بشرٌ مثلنا... فهل سنبقى صامتين؟ التستّر جريمة يا مساعد، فكيف لو كان المتستّر عليه كائن قادم من نجم آخر؟"
سكتُ. ثم سألته:
"وما الذي تريد مني؟"
"أريدك أن تكتب. أن تنشر. أن تقول ما رأيته وما سمعته. لا أريدك أن تحفر ولا أن تخاطر. فقط أن تكون شاهدًا حيًّا على أن هناك من لا يزال يبحث. الشباب الذين أُراسلهم من كندا، من الأرجنتين، من اليابان، حتى من جدة، كلهم يكتبون، يتشاركون، يوثّقون. إذا لم نستطع الدخول... فلتكن كلمتنا أداة الكشف."
---
خرجتُ من الفندق ذلك اليوم وأنا أحمل أكثر من حقيبة. لا أعني حقيبتي الجلدية القديمة، بل حقيبة من الأسئلة:
هل ما قاله توماس حقيقة؟ أم هو أحد المجانين الذين التهمهم سراب الصحراء؟
هل CTS مجرّد أسطورة، أم شبكة حقيقية من "باحثي النفق المفقود"؟
هل فعلاً في قلب نيفادا مخلوق لا ينتمي إلى الأرض، ونحن مجرّد كائنات بدائية لم يُسمح لها حتى بأن تسأل؟
---
وفي التدوينة الجديدة التي نشرتها مساء ذلك اليوم، كتبت:
> "ليست كل الأساطير كاذبة. بعضها لم يجد بعد من يثبتها.
قابلت رجلًا في نيفادا. اسمه توماس ووكر. يحمل في عينيه خريطة النفق الذي لم يُكمل.
سألني إن كنت مستعدًّا أن أكتب... لا أن أحفر.
وربما... فقط ربما... أنا الآن بدأتُ الحفر.
– مساعد آل دهام
يوليو، نيفادا، قرب السرّ الذي لا يُقال."
****
كنتُ أظن أن توماس ووكر رجل علم، عقلاني، يزن الأمور بالمجهر لا بالمسبحة، لكنه تلك الليلة... ارتدى قناعًا لم أره من قبل.
قال لي وهو يقلّب كوب القهوة بيده المرتعشة:
> "مساعد… لستَ مجرد كاتب مغامر. أنت الحلقة الأخيرة في السلسلة. جلبنا من كل قارة شخصًا… من اليابان، من جنوب إفريقيا، من كندا، من روسيا، حتى من البرازيل. والكل وافق. والكل دخل. وبقيت أنت… العربي."
نظرت إليه مشدوهًا. لم أفهم فورًا. قال، وكأنه ينطق نبوءة عتيقة:
> "في رؤية قديمة، نُقلت من فم إلى فم بين أعضاء CTS، تقول إن النفق الجديد لن يُفتح إلا إذا دخله شخصٌ من نسل الصحراء... من الأرض التي ولدت فيها النبوءات. سمعنا عنك بالصدفة. واسمك… مساعد؟ هو ليس مجرد اسم. إنه علامة. في لغتك، أنت ’الذي يساعد‘…"
ضحكت، ضحكة قصيرة يابسة. قلت له:
> "يا رجل... هذه خرافة. هذا ليس شأني. أنا طالب. جئتُ أبحث عن قصص، لا أن أصبح بطلًا في نبوءة كتبها مهووس."
لم يقل شيئًا. فقط أومأ برأسه، كأنّه سمع هذا الرد من قبل. ثم نهض، وربت على كتفي بلطف وقال:
> "كلمتك… مثل السيف العربي البتّار. إذا قُلت لا… فلن تعود تقول نعم."
---
عدتُ إلى غرفتي في الفندق، أُطارد بظلال العيون الزرقاء لتوماس، وصدى نبوءته العجيبة.
في تلك الليلة، حلمت.
رأيت نفسي أسير في نفق طويل، منحوت في الصخر، تعلوه مصابيح خافتة كأنها شموع المستقبل. كنتُ ألبس بدلة رمادية، ومعي خمسة أشخاص لا أعرف وجوههم. وصلنا إلى غرفة زجاجية ضخمة، فيها أسرّة بيضاء.
وعلى الأسرّة... كانت هناك كائنات.
أجساد نحيلة، رؤوس بيضوية، عيون سوداء متسعة، لكن ليست مخيفة... بل هادئة، كأنها عرفت كل شيء عني، منذ أن كنت طفلًا أرسمهم على دفاتري. أحدهم فتح عينه ونظر إليّ... ثم ابتسم.
استيقظتُ وقلبي يطرق صدره كطبول طقسية.
لم أحتج أكثر من دقيقة لأعرف ما سأفعل.
---
اتصلت بتوماس في السادسة صباحًا. كان صوته هادئًا كعادته، لكن فيه نبرة غريبة، كأنّه كان يعرف أنني سأعاود الاتصال.
قلت له:
> "أنا... موافق. سأدخل."
صمت توماس.
ثم قال بهدوء بارد:
> "لقد سبقك شخص آخر. عربي. انضم حين رفضتَ أنت. القاعدة الآن مكتملة."
شعرتُ بخدرٍ يسري في أطرافي.
> "لكن… قلت إنني الشخص الأخير؟" "كنتَ كذلك... لكنك قلت لا. وكلمتك يا مساعد… مثل السيف العربي. لا يُثنى."
---
جلستُ على السرير وأنا أشعر أنني فقدت شيئًا كان عليّ أن أحتضنه… لا أن أهرب منه.
لم أعد أعلم إن كنت في حلم أم يقظة.
هل حلمي كان نبوءة؟
وهل الذين رأيتهم... كانوا بانتظاري؟
أم أن توماس جرّني إلى لعبة نفسية عميقة؟
---
وفي التدوينة التي كتبتها بعد ذلك، كتبت:
> "في عالم الأسرار، لا يكفي أن تؤمن. عليك أن تدخل قبل أن يُغلق الباب. الطريق إلى المجهول لا ينتظر التردد. قلت لا… فدخل غيري. وربما… لن يُفتح الباب مرّة أخرى."
من هو العربي الغامض الذي انضم بدل مساعد؟
هل الرؤية القديمة كانت حقيقية؟ أم خطة ذكية لاستدراج مساعد؟
هل سيجد مساعد طريقًا جديدًا إلى النفق… أم سيصنع نفقه الخاص؟
> "في نيفادا، لا يوجد ما يُدعى بـ الصدفة. فكل لقاء، وكل حلم، وكل ’لا‘... كانت مكتوبة في رمل الكوكب منذ زمن."
– مساعد آل دهام
تموز، نيفادا، الطريق 375…
حيث لا تعود الأصوات كما خرجت.
"فريد... الرجل الذي آمن أن الأرض ليست وطنًا بل محطة انتظار"
منذ لقاءي بتوماس ووكر، لم يعد بمقدوري النوم كما كنت. لا أقصد الأرق العادي، بل ذلك النوع الذي يجعلك تشعر بأن جفنيك هما الباب الأخير قبل الحقيقة... وأن كل غفوة، احتمال لدخول حلم قد لا تعود منه.
فبدأت أبحث.
أيامٌ أمضيتها بين المنتديات القديمة، أرشيفات الإنترنت المظلم، مقالات أُزيلت من غوغل، محركات بحثٍ بديلة لا تُراقب. سألت في مكتبات الجامعات، نبشت مقالات قديمة، بحثت في قاعدة بيانات مجلة "Popular Mechanics"، وحتى في تقارير CIA التي رُفعت عنها السرية.
لكن لا شيء.
المنظمة CTS كأنها خيالٌ اخترعه ووكر لتسويق أسطورته. أو هكذا بدأت أظنّ... إلى أن جلس إلى جانبي في مقهى غريب في سان خوسيه شابٌ خمسينيّ بوجه نحيل، عيونٌ مثل شرارات المايكروتشيب، ورائحة غريبة تشبه... المعدن.
قدمني له أحد الأصدقاء قائلاً:
> "هذا فريد... أو بالأدق: فريدون. كان يشتغل في Google X، ثم تركهم فجأة بعد أزمة غريبة. لا تسأله عن الأرض، سيحدثك عنها كثيرًا..."
جلستُ بقربه، كان يشرب قهوته كأنها جرعة دواء. تحدثنا عن الذكاء الاصطناعي، عن الحوسبة الكمومية، ثم فجأة، قال بصوت كأنه صادر من كابلٍ مقطوع:
> "كل هذا... لا يهم. الأرض ليست المكان. الأرض مجرّد محطة انتظار... لكن لا أحد يريدك أن تعرف ذلك."
سألته، نصف مازح، نصف مرتعب:
> "هل تعمل لصالح ناسا؟"
ضحك، ثم قال همسًا وهو ينظر حوله:
> "ناسا؟ كذبة القرن. هم يعرفون أن الأرض ليست كروية كما يقولون... وليست مسطحة كما يظن البعض... إنها شيء ثالث. شيء لم يكتشفه الإنسان بعد، لأن عينه مبرمجة على الكذب."
ثم اقترب مني، وقال بصوت بالكاد يُسمع:
> "الفضائيون... فعلاً موجودون. وهم... فعلاً في المنطقة 51."
تجمدتُ. سألته فورًا:
> "وكيف عرفت؟"
أجاب وهو يخرج صورة ممزقة من محفظة جلدية قديمة، فيها رجل بلحية خفيفة يقف بجانب صحراء قاحلة:
> "هذا أبي، شهاب فريدون. كان عالِم جيولوجيا... لكنه رأى أكثر من الصخور."
ثم صمت، وعيناه اشتعلتا.
> "كان هناك. رأى شيئًا في المنطقة. عاد إلى إيران ليكشفه، ليحذر العالم. بعدها… بثلاثة أيام، تعرّض لحادث سيارة. لكنني أعرف... لقد اغتالوه. لأنه كان سيكشف وجودهم."
شعرت بدوار. قلت له:
> "وهل كان جزءًا من منظمة CTS؟"
أومأ، وقال:
> "ليس فقط عضوًا... بل أحد مؤسسيها. كتب كتابًا لم يُنشر يومًا، مخطوطة واحدة، بخط يده، يحتفظ بها صديق قديم له في منطقة باهيا بالبرازيل. لكني صوّرت نسخة سرية... وسأعطيك إياها، إن كنت مستعدًا لِـ... الذهول."
ثم أضاف، بنبرة لا تَقبل الجدال:
> "لكن احذر من توماس ووكر."
تجمدت. سألته بسرعة:
> "لماذا؟"
قال وهو يعصر كأس القهوة بين أصابعه:
> "كان معنا... ثم تغيّر. اختفى سنة، وعاد بعيون جديدة. اكتشفنا لاحقًا أنه عميل مزدوج. يبيع القصص من جهة، ويزرع الخوف من الجهة الأخرى. أراد تحويل النفق إلى مشروع شخصي. طُرد من المنظمة، لكنه لم يختفِ. أراد أن يكون ’المخلّص‘ الذي يخبر العالم بالحقيقة، بشرط أن تُنسب له فقط. لا تثق به."
جلستُ بعدها في زاوية المقهى، رأسي يدور. الحقيقة... موزعة مثل الأطباق في وليمة سرية.
كلٌّ يمدّ إليك شريحة، قطعة، لمسة من السرّ...
لكن لا أحد يعطيك الطبق كاملاً.
> هل فريد يقول الحقيقة؟
أم أنه ابن مجنون قُتل في صحراء نيفادا وقرر أن يحمل وهمه؟
هل ووكر فعلاً خائن؟ أم أن فريد نفسه يكتب قصة أخرى، وفيها أنا الضحية؟
هل CTS منظمة؟ أم مرآة؟ كل من نظر فيها رأى ما يريد أن يصدقه؟
---
في تدوينتي التالية كتبت:
> "أحيانًا، الحقيقة ليست كتابًا يُقرأ، بل شظايا في جيوب أشخاصٍ لا يعرفون بعضهم. كل واحد يحمل جزءًا، وكلهم يشكون ببعضهم.
وهكذا تظل الحقيقة تائهة…
خائفة من أن يُمسك بها أحد."
– مساعد آل دهام
في سان خوسيه، بين مقهى وصورة لرجل ميت يُدعى شهاب.
منذ لقاءي بتوماس ووكر، لم يعد بمقدوري النوم كما كنت. لا أقصد الأرق العادي، بل ذلك النوع الذي يجعلك تشعر بأن جفنيك هما الباب الأخير قبل الحقيقة... وأن كل غفوة، احتمال لدخول حلم قد لا تعود منه.
فبدأت أبحث.
أيامٌ أمضيتها بين المنتديات القديمة، أرشيفات الإنترنت المظلم، مقالات أُزيلت من غوغل، محركات بحثٍ بديلة لا تُراقب. سألت في مكتبات الجامعات، نبشت مقالات قديمة، بحثت في قاعدة بيانات مجلة "Popular Mechanics"، وحتى في تقارير CIA التي رُفعت عنها السرية.
لكن لا شيء.
المنظمة CTS كأنها خيالٌ اخترعه ووكر لتسويق أسطورته. أو هكذا بدأت أظنّ... إلى أن جلس إلى جانبي في مقهى غريب في سان خوسيه شابٌ خمسينيّ بوجه نحيل، عيونٌ مثل شرارات المايكروتشيب، ورائحة غريبة تشبه... المعدن.
قدمني له أحد الأصدقاء قائلاً:
> "هذا فريد... أو بالأدق: فريدون. كان يشتغل في Google X، ثم تركهم فجأة بعد أزمة غريبة. لا تسأله عن الأرض، سيحدثك عنها كثيرًا..."
جلستُ بقربه، كان يشرب قهوته كأنها جرعة دواء. تحدثنا عن الذكاء الاصطناعي، عن الحوسبة الكمومية، ثم فجأة، قال بصوت كأنه صادر من كابلٍ مقطوع:
> "كل هذا... لا يهم. الأرض ليست المكان. الأرض مجرّد محطة انتظار... لكن لا أحد يريدك أن تعرف ذلك."
سألته، نصف مازح، نصف مرتعب:
> "هل تعمل لصالح ناسا؟"
ضحك، ثم قال همسًا وهو ينظر حوله:
> "ناسا؟ كذبة القرن. هم يعرفون أن الأرض ليست كروية كما يقولون... وليست مسطحة كما يظن البعض... إنها شيء ثالث. شيء لم يكتشفه الإنسان بعد، لأن عينه مبرمجة على الكذب."
ثم اقترب مني، وقال بصوت بالكاد يُسمع:
> "الفضائيون... فعلاً موجودون. وهم... فعلاً في المنطقة 51."
تجمدتُ. سألته فورًا:
> "وكيف عرفت؟"
أجاب وهو يخرج صورة ممزقة من محفظة جلدية قديمة، فيها رجل بلحية خفيفة يقف بجانب صحراء قاحلة:
> "هذا أبي، شهاب فريدون. كان عالِم جيولوجيا... لكنه رأى أكثر من الصخور."
ثم صمت، وعيناه اشتعلتا.
> "كان هناك. رأى شيئًا في المنطقة. عاد إلى إيران ليكشفه، ليحذر العالم. بعدها… بثلاثة أيام، تعرّض لحادث سيارة. لكنني أعرف... لقد اغتالوه. لأنه كان سيكشف وجودهم."
شعرت بدوار. قلت له:
> "وهل كان جزءًا من منظمة CTS؟"
أومأ، وقال:
> "ليس فقط عضوًا... بل أحد مؤسسيها. كتب كتابًا لم يُنشر يومًا، مخطوطة واحدة، بخط يده، يحتفظ بها صديق قديم له في منطقة باهيا بالبرازيل. لكني صوّرت نسخة سرية... وسأعطيك إياها، إن كنت مستعدًا لِـ... الذهول."
ثم أضاف، بنبرة لا تَقبل الجدال:
> "لكن احذر من توماس ووكر."
تجمدت. سألته بسرعة:
> "لماذا؟"
قال وهو يعصر كأس القهوة بين أصابعه:
> "كان معنا... ثم تغيّر. اختفى سنة، وعاد بعيون جديدة. اكتشفنا لاحقًا أنه عميل مزدوج. يبيع القصص من جهة، ويزرع الخوف من الجهة الأخرى. أراد تحويل النفق إلى مشروع شخصي. طُرد من المنظمة، لكنه لم يختفِ. أراد أن يكون ’المخلّص‘ الذي يخبر العالم بالحقيقة، بشرط أن تُنسب له فقط. لا تثق به."
جلستُ بعدها في زاوية المقهى، رأسي يدور. الحقيقة... موزعة مثل الأطباق في وليمة سرية.
كلٌّ يمدّ إليك شريحة، قطعة، لمسة من السرّ...
لكن لا أحد يعطيك الطبق كاملاً.
> هل فريد يقول الحقيقة؟
أم أنه ابن مجنون قُتل في صحراء نيفادا وقرر أن يحمل وهمه؟
هل ووكر فعلاً خائن؟ أم أن فريد نفسه يكتب قصة أخرى، وفيها أنا الضحية؟
هل CTS منظمة؟ أم مرآة؟ كل من نظر فيها رأى ما يريد أن يصدقه؟
---
في تدوينتي التالية كتبت:
> "أحيانًا، الحقيقة ليست كتابًا يُقرأ، بل شظايا في جيوب أشخاصٍ لا يعرفون بعضهم. كل واحد يحمل جزءًا، وكلهم يشكون ببعضهم.
وهكذا تظل الحقيقة تائهة…
خائفة من أن يُمسك بها أحد."
– مساعد آل دهام
في سان خوسيه، بين مقهى وصورة لرجل ميت يُدعى شهاب.
جلستُ أمام إيفان نيكيتا في مقهى روسي في إسطنبول، الطاولة تهتز مع كل قطرة شاي تُسكب في استكان زجاجي قديم. لا ينظر إليّ مباشرة، بل إلى صور المارة المنعكسة على زجاج المقهى. كأنه يخشى الكاميرات... أو كأنه يراقب شيئًا آخر لا أراه.
قال بصوت بارد:
> "الشرق يجب أن يستفيق... الغرب يصنع الحقيقة، أما نحن فنعيش في ظلّها. أتعلم من كتب تاريخ الفضائيين؟ هوليوود."
قلت له:
> "وما شأني أنا؟ كاتب هاوٍ ومدوّن تائه في زمن الرموز المحروقة."
رد بنبرة أقرب إلى الإنذار:
> "لأنك رفضتهم. وهذه هي البطولة. من يقول لا، يُفتح له باب آخر... باب الشمس."
ثم مدّ يده، وسحب من معطفه العتيق شيئًا صغيرًا لامعًا: قرص مرن من تلك التي ماتت في زمن USB.
عليه ملصق ممزق كتب عليه:
51.AREA / RED SCREENPLAY / DO NOT COPY
تاريخ الملف: 1951.
قال لي:
> "هذا الفيلم لم يُصوَّر قط. لكن السيناريو تم تسريبه في الظلام. أحد عُمال الأرشيف نسخ السيناريو على قرص، وأخذه معه في نعشه إلى موسكو."
ثم أخرج صورة بالأبيض والأسود... لرجل يشبه ستانلي كوبريك، واقفًا أمام باب يحمل الرقم 51، وبجواره لوحة تقول:
"Filming Prohibited. Do not enter. U.S. Air Force Property."
قلت له مشككًا:
> "قد تكون خدعة فوتوشوب... أو فلتر أبيض وأسود... أو حتى مشهد من فلم نُسي."
قال:
> "أتعلم ما لا يُغفَر؟ أن تبرر. الغرب يحيا على شكّك. المهم، هذه ليست دعوتي لك لتصدق. بل لتنضم. لقد آن للشرق أن يؤسس الحقيقة."
ثم سحب ورقة... عليها شعار:
☀️ S.O.S – Sons of the Sun
وتحتها بالخط الروسي:
> "Наследники Востока" – "ورثة الشرق"
ترددت… أعدت شرب الشاي البارد ثلاث مرات، أعدت قراءة العبارة بالعربية والروسية... وتذكرت حين قال فريدون ذات ليلة:
> "الحقيقة ليست ملكًا لأحد، لكنها تنحاز لمن يدفع ثمنها."
قال لي إيفان:
> "هم لديهم CTS... مؤسسة قمع الحقيقة بأنياب ناعمة. ونحن لدينا SOS... نقف على حافة الشمس. نحتاجك لتكون المشرق."
قلت:
> "وما دوري؟ أن أكتب؟ أن أُقتَل؟ أن أراقب السماء مثل أبله روماني؟"
ضحك وقال:
> "أن تفعل ما لا يفعلونه… أن تعلن عنّا... بصوتك. بقصتك. لكن بحذر، فالإنترنت مزروع."
ثم غادر… كأن الريح حملته من الزقاق، وبقيت وحدي في المقهى، وبيدي قرص صغير يحمل جريمة لم تُكتشف.
في اليوم التالي، وصلتني رسالة من بريد إلكتروني غير معروف:
sun.protocol@deepnet.ru
وكانت فارغة، سوى سطر واحد:
> "لا تفتح القرص. لا تثق بأحد. حتى نحن."
سؤال يقتلني الآن:
هل أنضمّ إلى منظمة تقول لي ألا أثق بها؟
أم أبقى كاتبًا يتلقى العروض من المجهولين… ثم يقول "لا"؟
أم أن الحقيقة، مثل الشمس… تحرق من يقترب منها؟
قال بصوت بارد:
> "الشرق يجب أن يستفيق... الغرب يصنع الحقيقة، أما نحن فنعيش في ظلّها. أتعلم من كتب تاريخ الفضائيين؟ هوليوود."
قلت له:
> "وما شأني أنا؟ كاتب هاوٍ ومدوّن تائه في زمن الرموز المحروقة."
رد بنبرة أقرب إلى الإنذار:
> "لأنك رفضتهم. وهذه هي البطولة. من يقول لا، يُفتح له باب آخر... باب الشمس."
ثم مدّ يده، وسحب من معطفه العتيق شيئًا صغيرًا لامعًا: قرص مرن من تلك التي ماتت في زمن USB.
عليه ملصق ممزق كتب عليه:
51.AREA / RED SCREENPLAY / DO NOT COPY
تاريخ الملف: 1951.
قال لي:
> "هذا الفيلم لم يُصوَّر قط. لكن السيناريو تم تسريبه في الظلام. أحد عُمال الأرشيف نسخ السيناريو على قرص، وأخذه معه في نعشه إلى موسكو."
ثم أخرج صورة بالأبيض والأسود... لرجل يشبه ستانلي كوبريك، واقفًا أمام باب يحمل الرقم 51، وبجواره لوحة تقول:
"Filming Prohibited. Do not enter. U.S. Air Force Property."
قلت له مشككًا:
> "قد تكون خدعة فوتوشوب... أو فلتر أبيض وأسود... أو حتى مشهد من فلم نُسي."
قال:
> "أتعلم ما لا يُغفَر؟ أن تبرر. الغرب يحيا على شكّك. المهم، هذه ليست دعوتي لك لتصدق. بل لتنضم. لقد آن للشرق أن يؤسس الحقيقة."
ثم سحب ورقة... عليها شعار:
☀️ S.O.S – Sons of the Sun
وتحتها بالخط الروسي:
> "Наследники Востока" – "ورثة الشرق"
ترددت… أعدت شرب الشاي البارد ثلاث مرات، أعدت قراءة العبارة بالعربية والروسية... وتذكرت حين قال فريدون ذات ليلة:
> "الحقيقة ليست ملكًا لأحد، لكنها تنحاز لمن يدفع ثمنها."
قال لي إيفان:
> "هم لديهم CTS... مؤسسة قمع الحقيقة بأنياب ناعمة. ونحن لدينا SOS... نقف على حافة الشمس. نحتاجك لتكون المشرق."
قلت:
> "وما دوري؟ أن أكتب؟ أن أُقتَل؟ أن أراقب السماء مثل أبله روماني؟"
ضحك وقال:
> "أن تفعل ما لا يفعلونه… أن تعلن عنّا... بصوتك. بقصتك. لكن بحذر، فالإنترنت مزروع."
ثم غادر… كأن الريح حملته من الزقاق، وبقيت وحدي في المقهى، وبيدي قرص صغير يحمل جريمة لم تُكتشف.
في اليوم التالي، وصلتني رسالة من بريد إلكتروني غير معروف:
sun.protocol@deepnet.ru
وكانت فارغة، سوى سطر واحد:
> "لا تفتح القرص. لا تثق بأحد. حتى نحن."
سؤال يقتلني الآن:
هل أنضمّ إلى منظمة تقول لي ألا أثق بها؟
أم أبقى كاتبًا يتلقى العروض من المجهولين… ثم يقول "لا"؟
أم أن الحقيقة، مثل الشمس… تحرق من يقترب منها؟
عبدالعظيم قطب و م.خ.أ
قال مساعد، وهو يُحرّك فنجان القهوة بهدوء، وعيناه تتأملان المارة في شارع طلعت حرب:
ــ يا عبدالعظيم، كأنك تتحدث من مئذنة في زمن لا يسمع فيه أحد سوى صدى التكنولوجيا واللايكات... أليست الخلافة فكرة ماتت ودفنها التاريخ في الرقة والقسطنطينية؟
قال عبدالعظيم قطب، وهو يعتدل في جلسته كأنما يسنده التاريخ من ظهره:
ــ لا يا أخي، لم تمت، بل نُفِيت. فرقٌ كبير بين من يموت وبين من يُنفى. الخلافة ليست عمامة وسيفًا، بل كيان يُعيد التوازن للكون الذي مزقته الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، ومؤتمراتهم الباردة.
ابتسم مساعد بسخرية خفيفة، وقال:
ــ ولكن يا عبدالعظيم، العالم الآن لا يعترف إلا بالقوة الناعمة، الإعلام، الاقتصاد، الذكاء الاصطناعي... من سيعترف بخلافة تخرج من عمق العصور الوسطى؟
مدّ عبدالعظيم قطب يده، التقط سيجارة من العلبة، أشعلها بتنهيدة ثقيلة، ثم قال:
ــ وهل اعترفوا بك وأنت "محدث" تقرأ عن مخلوقات فضائية وتظن أنك ستُفكك مؤامرة كونية؟! يا مساعد... الكون لا يُدار بالقصص، بل بالإرادة، و"م.خ.ا" هي إرادتنا.
صمت مساعد لحظة، ثم قال بتردد:
ــ لكنني التقيت بعالم يُدعى "توماس ووكر"، وأخبرني أن الدين أداة استخدمها الكيانات العليا لبرمجة الوعي البشري... ألا تخشى أن تكون أنت مجرد ترس في آلة أكبر؟
ابتسم عبدالعظيم قطب، وقال كمن يهمس في أذن التاريخ:
ــ وما المشكلة؟ حتى الترس الصغير إن انكسر، توقفت الآلة. لا تهمني المؤامرات... أنا أؤمن أن على المسلمين أن يُحكَموا بوحيهم، لا ببيان من صندوق النقد. إن لم نقم الخلافة، فسنُقام نحن على طاولاتهم كالوجبات الجاهزة.
نظر مساعد في عينيه، وقال:
ــ وهل تظن أن هناك من سيؤمن بهذا الطرح في زمن الهواتف الذكية والميتافيرس؟ من سيبايع من؟ وعلى أي أساس؟!
قال عبدالعظيم قطب، وقد نفث دخانًا كثيفًا كأنما يرسم به خريطة جديدة للعالم:
ــ سيبايع من يخاف الله أكثر مما يخاف الفقر، ومن يعشق العدل أكثر مما يعشق الدولار. هذه الأمة ليست بحاجة إلى جمهوريات جديدة... بل إلى خلافة تُخيف الأمم كما كانت تفعل من قبل. أما الهواتف الذكية؟ فستكون بيدنا، لا علينا.
سكتا لحظة.
مقهى ريش يهتز على وقع خطوات التاريخ. نادل يضع فنجانين جديدين على الطاولة.
وفي الزاوية، رجل يشبه الظل يراقبهما، يسجل، يبتسم، ويختفي.
قال مساعد بصوت منخفض:
ــ هل تظن أنهم يراقبوننا؟
قال عبدالعظيم قطب:
ــ إن لم يكونوا يراقبونك... فأنت لم تقل شيئًا يُقلقهم بعد.
ــ يا عبدالعظيم، كأنك تتحدث من مئذنة في زمن لا يسمع فيه أحد سوى صدى التكنولوجيا واللايكات... أليست الخلافة فكرة ماتت ودفنها التاريخ في الرقة والقسطنطينية؟
قال عبدالعظيم قطب، وهو يعتدل في جلسته كأنما يسنده التاريخ من ظهره:
ــ لا يا أخي، لم تمت، بل نُفِيت. فرقٌ كبير بين من يموت وبين من يُنفى. الخلافة ليست عمامة وسيفًا، بل كيان يُعيد التوازن للكون الذي مزقته الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، ومؤتمراتهم الباردة.
ابتسم مساعد بسخرية خفيفة، وقال:
ــ ولكن يا عبدالعظيم، العالم الآن لا يعترف إلا بالقوة الناعمة، الإعلام، الاقتصاد، الذكاء الاصطناعي... من سيعترف بخلافة تخرج من عمق العصور الوسطى؟
مدّ عبدالعظيم قطب يده، التقط سيجارة من العلبة، أشعلها بتنهيدة ثقيلة، ثم قال:
ــ وهل اعترفوا بك وأنت "محدث" تقرأ عن مخلوقات فضائية وتظن أنك ستُفكك مؤامرة كونية؟! يا مساعد... الكون لا يُدار بالقصص، بل بالإرادة، و"م.خ.ا" هي إرادتنا.
صمت مساعد لحظة، ثم قال بتردد:
ــ لكنني التقيت بعالم يُدعى "توماس ووكر"، وأخبرني أن الدين أداة استخدمها الكيانات العليا لبرمجة الوعي البشري... ألا تخشى أن تكون أنت مجرد ترس في آلة أكبر؟
ابتسم عبدالعظيم قطب، وقال كمن يهمس في أذن التاريخ:
ــ وما المشكلة؟ حتى الترس الصغير إن انكسر، توقفت الآلة. لا تهمني المؤامرات... أنا أؤمن أن على المسلمين أن يُحكَموا بوحيهم، لا ببيان من صندوق النقد. إن لم نقم الخلافة، فسنُقام نحن على طاولاتهم كالوجبات الجاهزة.
نظر مساعد في عينيه، وقال:
ــ وهل تظن أن هناك من سيؤمن بهذا الطرح في زمن الهواتف الذكية والميتافيرس؟ من سيبايع من؟ وعلى أي أساس؟!
قال عبدالعظيم قطب، وقد نفث دخانًا كثيفًا كأنما يرسم به خريطة جديدة للعالم:
ــ سيبايع من يخاف الله أكثر مما يخاف الفقر، ومن يعشق العدل أكثر مما يعشق الدولار. هذه الأمة ليست بحاجة إلى جمهوريات جديدة... بل إلى خلافة تُخيف الأمم كما كانت تفعل من قبل. أما الهواتف الذكية؟ فستكون بيدنا، لا علينا.
سكتا لحظة.
مقهى ريش يهتز على وقع خطوات التاريخ. نادل يضع فنجانين جديدين على الطاولة.
وفي الزاوية، رجل يشبه الظل يراقبهما، يسجل، يبتسم، ويختفي.
قال مساعد بصوت منخفض:
ــ هل تظن أنهم يراقبوننا؟
قال عبدالعظيم قطب:
ــ إن لم يكونوا يراقبونك... فأنت لم تقل شيئًا يُقلقهم بعد.
نظر عبدالعظيم قطب إلى مساعد نظرة ممتلئة بالحزم، كأنما يستعد ليكشف له اسمًا محفوفًا بالنار والتاريخ. خفض صوته، وقرّب جسده قليلًا من الطاولة، ثم قال:
ــ سأعطيك المعنى، لا كما يكتبه الموظفون، بل كما تنقشه الأمة في ضميرها.
"م.خ.ا" يا مساعد، ليست مجرد حروف.
هي: منظمة الخلافة الإسلامية.
قالها وهو يلفظ كل حرف كأنه يلقي قسمًا أمام جيش، ثم تابع:
ــ "م" تعني منظمة، ولكن ليست كأي منظمة ترتدي البدل وتكتب تقارير. هي تنظيم يعمل كالشبكة... عروق تحت جلد الأمة، تنبض في كل مدينة من طنجة إلى جاكرتا.
ــ "خ" تعني الخلافة، لا بمعناها الرومانسي أو التاريخي فقط، بل كـ"منظومة حكم ربانية"، تعيد وصل الأرض بالسماء، تحكم بالقرآن لا بالدساتير المعلبة، تنصر المظلوم، وتُعيد مفهوم الدولة التي تُخيف لا تستجدي.
ــ و"ا"؟ هي إسلامية، بلا خجل، بلا خلط، بلا محاولة لتجميل المصطلح. إسلامية لا يعني طائفية... بل تعني أن هذا الكيان يدين بالولاء لله وحده، لا لمجلس الأمن، لا لـ"الناتو"، لا لوعود الديمقراطية الهشة.
قطّب مساعد حاجبيه، وقال:
ــ ولكن... هل ستُعترف؟ هل ستُقبل؟ هل ستنطلق في هذا العالم؟
ضحك عبدالعظيم قطب ضحكة خفيفة، ثم قال:
ــ ألم يُطلقوا "الناسا" و"الناتو" و"الماسونية" و"السي آي إيه"؟ كلها بدأت من لا شيء... نحن نبدأ من كل شيء: من قرآن، من تراث، من وجع، من يقين.
"م.خ.ا" ليست طلب اعتراف من الأمم... بل هي إعلان رفض لأن نُعامل كأيتام على موائد اللئام.
ثم أخرج ورقة صغيرة من جيبه، مكتوب عليها بخط يده:
> "سنبنيها، ولو على خرائط الرمال،
وسنزرع الرايات في قلوب الرجال،
فإن عادت الخلافة... سيعود الهلال."
حدّق مساعد في الورقة، ثم قال:
ــ ومن سيكون الخليفة يا عبدالعظيم؟ أنت؟ أم نحن لا نزال نبحث عن رجل يحكم ولا يُحكَم؟
ابتسم عبدالعظيم قطب وقال:
ــ الخليفة الحقيقي ليس من يتربع على كرسي، بل من تُبايعه القلوب قبل الأيدي. وربما... يكون بيننا الآن ولا نعلم.
ــ سأعطيك المعنى، لا كما يكتبه الموظفون، بل كما تنقشه الأمة في ضميرها.
"م.خ.ا" يا مساعد، ليست مجرد حروف.
هي: منظمة الخلافة الإسلامية.
قالها وهو يلفظ كل حرف كأنه يلقي قسمًا أمام جيش، ثم تابع:
ــ "م" تعني منظمة، ولكن ليست كأي منظمة ترتدي البدل وتكتب تقارير. هي تنظيم يعمل كالشبكة... عروق تحت جلد الأمة، تنبض في كل مدينة من طنجة إلى جاكرتا.
ــ "خ" تعني الخلافة، لا بمعناها الرومانسي أو التاريخي فقط، بل كـ"منظومة حكم ربانية"، تعيد وصل الأرض بالسماء، تحكم بالقرآن لا بالدساتير المعلبة، تنصر المظلوم، وتُعيد مفهوم الدولة التي تُخيف لا تستجدي.
ــ و"ا"؟ هي إسلامية، بلا خجل، بلا خلط، بلا محاولة لتجميل المصطلح. إسلامية لا يعني طائفية... بل تعني أن هذا الكيان يدين بالولاء لله وحده، لا لمجلس الأمن، لا لـ"الناتو"، لا لوعود الديمقراطية الهشة.
قطّب مساعد حاجبيه، وقال:
ــ ولكن... هل ستُعترف؟ هل ستُقبل؟ هل ستنطلق في هذا العالم؟
ضحك عبدالعظيم قطب ضحكة خفيفة، ثم قال:
ــ ألم يُطلقوا "الناسا" و"الناتو" و"الماسونية" و"السي آي إيه"؟ كلها بدأت من لا شيء... نحن نبدأ من كل شيء: من قرآن، من تراث، من وجع، من يقين.
"م.خ.ا" ليست طلب اعتراف من الأمم... بل هي إعلان رفض لأن نُعامل كأيتام على موائد اللئام.
ثم أخرج ورقة صغيرة من جيبه، مكتوب عليها بخط يده:
> "سنبنيها، ولو على خرائط الرمال،
وسنزرع الرايات في قلوب الرجال،
فإن عادت الخلافة... سيعود الهلال."
حدّق مساعد في الورقة، ثم قال:
ــ ومن سيكون الخليفة يا عبدالعظيم؟ أنت؟ أم نحن لا نزال نبحث عن رجل يحكم ولا يُحكَم؟
ابتسم عبدالعظيم قطب وقال:
ــ الخليفة الحقيقي ليس من يتربع على كرسي، بل من تُبايعه القلوب قبل الأيدي. وربما... يكون بيننا الآن ولا نعلم.
صحا مساعد مفزوعًا... لا من نومٍ عادي، بل من كابوسٍ لم يترك له خيطًا واحدًا يمسك به إلى اليقظة.
فتح عينيه ببطء، ليجد نفسه غارقًا في الظلال، داخل سيارته الكيا الفضية، الصامتة كجثة حديدية متروكة على جانب الطريق 375، عند حافة الصحراء، قرب تلك البقعة الغامضة التي يُطلقون عليها اسم “المنطقة 51.”
السيارة كانت منهكة، والهواء من حوله أثقل من الرمال،
والصمت؟
كان أكثر صخبًا من كل الضوضاء التي عرفها من قبل.
أما النعاس، فقد لبس قناع الحقيقة وراح يهمس له: "ابقَ هنا... قليلًا فقط."
ثم جاءت الطرقة الأولى.
ثانية.
ثم ثالثة... كأنها توقظ شيئًا أعمق من جسده.
رفع رأسه، مشوشًا، ونظر من نافذته.
كان هناك رجل، بزيٍّ عسكري،
على صدره شارة تقول: “توماس ووكر.”
لكن ملامحه؟ لم تكن بشرية بالكامل...
كأنها رسم قديم نُسخ مرات كثيرة حتى فقد تفاصيله.
كان يقف كما يقف الظلّ حين يخاف من الضوء.
بجانبه، رجل أطول، أكثر صمتًا،
عيناه تحكيان ما لا يُقال —
عينان تُشبهان فريدون... نظرات غارقة في التصوف،
تسأل دون أن تنطق، وتُجيب دون أن تُفهم.
جلس مساعد منتصبًا فجأة، كمن استُدعي من عالم آخر.
قلبه ينبض بلغة لا يفهمها عقله.
قال متلعثمًا:
— "السيارة... تعطّلت. ما قدرت أتحرك."
لم يُجبه توماس، فقط أشار نحو الطريق،
صامتًا كأن أوامره تُقرأ دون أن تُقال.
خلفهما، اقترب رجل يرتدي بدلة رمادية، يحمل جهازًا غريبًا — إيفان.
يتبعه رجل آخر يقلب دفترًا أسودًا صغيرًا، ملامحه دقيقة، صارمة، عبدالعظيم.
أربعة رجال.
أربعة ظلال.
كأنهم خرجوا من حلم شخص آخر،
أو من كتيّب تعليمات لبشرٍ لم يُخلقوا بعد.
قال أحدهم أخيرًا:
— "هذا الموقع محظور. عليك المغادرة فورًا."
وبحركة غريبة، بدأوا بمساعدته على إصلاح السيارة،
بصمت خالٍ من الودّ، لكنه لا يخلو من الغاية.
ثم تراجعوا بهدوء، دون كلمة وداع، دون حتى أثر على الرمال.
أما مساعد؟
كان يبتسم.
ابتسامة من عرف أنه كان... يحلم.
نفض التعب عن جبينه، أدار المفتاح، فاشتغلت السيارة بسلاسة،
كأنها لم تكن معطلة أبدًا.
نظر إلى المرآة.
لم يرَ أحدًا.
ثم قال لنفسه، بصوت مشوب بالضحك والتساؤل:
— "يا ساتر... ياله من حلم!"
ضغط على دواسة البنزين،
وانطلقت السيارة نحو الأفق،
حيث تتداخل الحقيقة بالحلم،
وتبدأ الرحلة من جديد...
تمّت.
🚗🌌✨
فتح عينيه ببطء، ليجد نفسه غارقًا في الظلال، داخل سيارته الكيا الفضية، الصامتة كجثة حديدية متروكة على جانب الطريق 375، عند حافة الصحراء، قرب تلك البقعة الغامضة التي يُطلقون عليها اسم “المنطقة 51.”
السيارة كانت منهكة، والهواء من حوله أثقل من الرمال،
والصمت؟
كان أكثر صخبًا من كل الضوضاء التي عرفها من قبل.
أما النعاس، فقد لبس قناع الحقيقة وراح يهمس له: "ابقَ هنا... قليلًا فقط."
ثم جاءت الطرقة الأولى.
ثانية.
ثم ثالثة... كأنها توقظ شيئًا أعمق من جسده.
رفع رأسه، مشوشًا، ونظر من نافذته.
كان هناك رجل، بزيٍّ عسكري،
على صدره شارة تقول: “توماس ووكر.”
لكن ملامحه؟ لم تكن بشرية بالكامل...
كأنها رسم قديم نُسخ مرات كثيرة حتى فقد تفاصيله.
كان يقف كما يقف الظلّ حين يخاف من الضوء.
بجانبه، رجل أطول، أكثر صمتًا،
عيناه تحكيان ما لا يُقال —
عينان تُشبهان فريدون... نظرات غارقة في التصوف،
تسأل دون أن تنطق، وتُجيب دون أن تُفهم.
جلس مساعد منتصبًا فجأة، كمن استُدعي من عالم آخر.
قلبه ينبض بلغة لا يفهمها عقله.
قال متلعثمًا:
— "السيارة... تعطّلت. ما قدرت أتحرك."
لم يُجبه توماس، فقط أشار نحو الطريق،
صامتًا كأن أوامره تُقرأ دون أن تُقال.
خلفهما، اقترب رجل يرتدي بدلة رمادية، يحمل جهازًا غريبًا — إيفان.
يتبعه رجل آخر يقلب دفترًا أسودًا صغيرًا، ملامحه دقيقة، صارمة، عبدالعظيم.
أربعة رجال.
أربعة ظلال.
كأنهم خرجوا من حلم شخص آخر،
أو من كتيّب تعليمات لبشرٍ لم يُخلقوا بعد.
قال أحدهم أخيرًا:
— "هذا الموقع محظور. عليك المغادرة فورًا."
وبحركة غريبة، بدأوا بمساعدته على إصلاح السيارة،
بصمت خالٍ من الودّ، لكنه لا يخلو من الغاية.
ثم تراجعوا بهدوء، دون كلمة وداع، دون حتى أثر على الرمال.
أما مساعد؟
كان يبتسم.
ابتسامة من عرف أنه كان... يحلم.
نفض التعب عن جبينه، أدار المفتاح، فاشتغلت السيارة بسلاسة،
كأنها لم تكن معطلة أبدًا.
نظر إلى المرآة.
لم يرَ أحدًا.
ثم قال لنفسه، بصوت مشوب بالضحك والتساؤل:
— "يا ساتر... ياله من حلم!"
ضغط على دواسة البنزين،
وانطلقت السيارة نحو الأفق،
حيث تتداخل الحقيقة بالحلم،
وتبدأ الرحلة من جديد...
تمّت.
🚗🌌✨
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق