بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 22 يوليو 2025

رحلة ابن مغمومة

 

رحلة ابن مغمومة  

 

 


قالوا عني، وأنا لم أزل طفلًا يتلعثم بنصف آية:

> "أنت خارج من الملّة."

لم أفهم تمامًا ما الملّة،
ولا كيف يمكن للطفل أن يُنفى من أمةٍ لم يختر أن يولد فيها.
لكنني أدركت مبكرًا أنني غريب،
غريب لأنني لم أحفظ كما يحفظون،
ولم أُسلّم كما يُسلّمون،
ولأن وجهي لا يُشبه وجوههم حين يصلّون.

من الذي يُخرجك من الملّة؟
من يملك أن ينزع عنك لحظة انتماءك الأولى؟
هل يملك طرحك من شجرة الجماعة
لأنك فقط لم ترد أن تسقط مثلهم؟
هذه الأسئلة أربكتني أكثر مما أزعجتني،
لأنني كنتُ أبحث عن الله…
فأخبروني أن الطريق إليه لا تمرّ إلا عبرهم.

أنا ابنُ مغمومة.
لا تنادني باسمي، فليس لي اسمٌ إلا في قلوب الذين لم أخنهم.
ورثتُ عن أمي صمتًا من نوعٍ غريب،
صمتًا يُخيفك، لأنه ليس هدوءًا…
بل كتمانًا لعاصفة.

أبي؟ رأيتُه مرّة واحدة.
كان واقفًا على باب الغياب،
ينظر إليّ كمن يرى مرآةً لا يحبها،
ثم مشى، ومضى، ولم يعد.

نشأت في بيتٍ لا يُحِبُّ الأسئلة.
فيه القرآن على الرفّ، والغضب على الطاولة،
والحب… مؤجل دائمًا حتى إشعارٍ آخر.
بكيت كثيرًا، لكنهم قالوا إن البكاء ضعف.
ضحكت مرة بصدق، فظنّوا أنني أسخر.
صمتُّ، فقالوا: متكبر.

تعلمت أن أخفي وجهي،
أن أدفن رأيي في حفرةٍ داخل صدري،
وأن أقول: نعم… حينما يكون قلبي كلّه يصرخ: لا.

أنا لست نبيًا، ولا ثائرًا، ولا شاعرًا.
أنا رجلٌ تهمته الوحيدة: أنه فكّر،
أن قلبه ظلَّ يسأل… حتى في صلاته.

> هل أنا هنا لأنني أؤمن؟
أم لأنني خائف؟
هل الطريق التي أمشيها تخصّني؟
أم أنها أثرُ أقدام الذين خافوا الخروج؟

أنا ابنُ مغمومة،
وكلّ ما في هذه الصفحات محاولةٌ لأن أشرح… لا لكم، بل لنفسي…
كيف يكون الإنسان خارج الملّة،
بينما يركع لله كل مساء؟
 

ابن مغمومة في القرية الجدباء

لم أرَ مثلها قط... تلك القرية التي بدت لي، حين وطئتُ أطرافها، كأنها صفحة مطوية من كتاب النسيان.
الهواء فيها ساكن،
والبيوت بلا نوافذ، كأنها نسيت كيف تستقبل الضوء،
والطرقات تئنّ تحت وطأة الغياب.
كل شيء فيها يهمس: هنا انتهت الحكاية، أو لم تبدأ أصلًا.

في منعطفٍ غامض بين بيت مائلٍ وشجرة متيبسة،
لمحت كوكبة من الفقراء،
حفاةً، شعثًا، كأنما خرجوا من رحم التعب لا من بطن الأرض.

كانوا يجلسون على الأرض لا كمن اختار الراحة،
بل كمن أُرهق من القيام.
ثيابهم مرقّعة بخيوط الزمن،
وجلودهم قد شربت من شمسٍ قاسية حتى صارت كالأرض المتشققة.

كانوا يتحدثون...
لكن كلماتهم لم تكن كلمات،
بل أصوات مبلّلة بالهذيان،
كأنهم يتلون طلاسم بلغةٍ لم تُخلق بعد.

اقتربت من أحدهم، كان وجهه كأنه خريطة لبلادٍ جائعة.
قلت له، وصوتي يحمل ظلّ دهشة:
"من أنتم؟ وما شأنكم؟"

رفع رأسه ببطء كمن يستدعي ذاكرته من النوم،
ثم قال:
"أنا فقير أدعى ابن جدبة و نحن من نسكن هذه الأرض... لا طعام، لا عمل، لا قادم."

قلت له، وأنا أرمق الفقر متجسدًا في عينيه:
"لمَ لا تسعون؟
اضربوا أكباد الأرض،
شدّوا رحالكم، فالرزق لا ينتظر الجالسين."

ابتسم ابن جدبة بسخرية حزينة،
وقال:
"الذي رزق الطير في عشه،
سيبسط لنا رزقًا في بلادنا... هنا، في أرضنا هذه."

نظرت إليه طويلًا، وقلت:
"لكن الطير يطير... يبحث... يسعى.
أما أنتم، فركنتم إلى الأرض كأنها قدر."

قال، وعيناه تلمعان بإيمان يشبه الجنون:
"إذا جعنا... اقتربنا من المائدة،
وحتماً، سنشبع."

رفعت حاجبي، وقلت:
"أي مائدة؟
والبلاد خاليةٌ، كأنها ابتلعت كل خبزها وكل أحلامها."

قال ابن جدبة بصوتٍ غائمٍ كالدعاء:
"سورة المائدة...
الله أنزلها لبني إسرائيل،
وسينزلها علينا،
فقط إن صدقنا وانتظرنا."

حينها، شعرت أني لا أقف في قرية،
بل داخل حلمٍ مثقوب،
يتكئ فيه الواقع على عصا الأسطورة.
قلت له، والخيبة في حلقي مرّة:
"يبدو أنكم أضعتم بوصلة الحقّ والحقيقة،
وشربتم من نبع الجهل،
وأكلتم من قوت الهذيان!"

وفجأة...
وبدون سابق إنذار،
قام الجمعُ كأن فيهم مسًّا من نار،
عيونهم توهجت، أذرعهم ارتفعت،
وجوههم انقلبت من صمت الخنوع إلى صخب الهجوم.

كانوا كقوم عادٍ حين نفد صبرهم من نبيٍّ لا يقدّم لهم الخبز،
ولا يُنزل عليهم مائدة السماء.

هجموا نحوي كأشباح الغضب،
وما كان مني إلا أن فررت.

وفيما أركض بعيدًا،
والريح تعصف بثوبي كأنها تصفعني،
همست في نفسي، لا أخاطبهم، بل الزمان كله:

"عجبتُ من الفقراء...
يطلبون المعجزة،
والإنسان،
هو بذاته معجزة!"

****


ابن غمومة في مدينة المادة

أنا ابن غمومة. لست رحّالة في تضاريس الأرض،
بل سائرٌ في تضاريس الروح...
لا أكتب عن البلدان، بل عن الإنسان حين يغترب في كل مكان وزمان.

تركتُ القرية الجدباء،
حيث ينتظر الناس مائدة لا تهبط،
واتجهتُ صوب مدينةٍ تُشاع عنها الخيرات،
مدينة مسوّرة، شاهقة،
على بوابتها لافتة ضخمة كأنها آية،
كُتب عليها بخطٍ وقحٍ لا يخجل:
"لا يدخلها إلا الأثرياء."

وبجوار العبارة، رُسم قطٌ سمين،
يبتسم كسيدٍ يعرف أن لا أحد ينازعه في صحن اللبن.

وقفتُ عند البوابة، وملابسي بسيطة، غبار الطريق على كتفي،
كنت أعلم أنني لا أُشبههم، ولا يشبهونني،
لكن الحارس رمقني طويلاً،
ثم قال وهو يشهق بدهشةٍ دافئة:
"وجهك... كأنك صورة أبي المتوفّى.
ادخل، لوجه الشبه، لا لوجه المال."

دخلتُ…
فإذا الأسواق تتوهج كالعقيق،
والمساجد تقطر ذهبًا من قبابها،
وتزفّ الآذان من مآذن من فضة…
لكن لا مُجيب.

كنت أبحث عن مأوى،
عن خانٍ أُلقي فيه رحالي،
لكن المدينة لا تعترف بالغرباء،
ولا ترحب بالنعاس إذا لم يكن ببطانية من حرير.

دخلت المسجد،
ظننت أنني سأجد قلبًا ساجدًا، أو عابرًا خاشعًا،
لكنني وجدت فراغًا…
وصوت الريح يهمس في المحراب كأنه يعتذر عن الهجر.

خرجتُ وفي صدري سؤال.
قابلت رجلًا يتلألأ كجوهرة،
وجهه مملّس، وابتسامته مشدودة كقناع من مطاط.

قلت له:
"المدينة عجيبة... كأنني دخلت سدوم أو عومرية."

قال مبتسمًا، وفي عينيه ضوء شرس:
"أنا ابن السنور تاجر مغمور أكل من موائد الاثرياء و أعيش على كدح الفقراء فلا تذكر هذا هنا… هنا المادة فقط،
هي الإله، وهي الطريق، وهي المعنى."

قلت:
"والمساجد؟
ولمن تبنونها إذا كنتم لا تسجدون؟"

قال ابن السنور بثقة الجالس في جيبه:
"من بقايا السلالة القديمة… نحن نحافظ على الآثار،
والحكّام يعمّرونها لصالح الرعية."

قلت له، والعطش في صوتي لا يشربه تبرٌ ولا درهم:
"وأين هي الرعية؟
ما رأيت إلا واجهاتٍ باردة، وعيونًا لا ترى إلا السوق."

نظر ابن السنور إليّ نظرة من يعرف النهاية وقال:
"احذر...
الشرطة هنا تمنع ذكر الدين،
وتمنع ذكر الروح،
وتمنع أي شيء لا يُباع في السوق.

إن كنت مصرًا على هذا الحديث،
فاخرج…
وإلا رميناك بالحجارة كما رمينا غيرك،
وتصبح من ابن غمومة...
إلى ابن مرجومة."

فخرجتُ...
وراء ظهري مدينةٌ ناعمةُ الملمس،
قاسيةُ القلب،
وعلى البوابة،
ما زال القطّ السمين يبتسم،
كأنه يسخر من الخارجين...
ومن الداخلين.

وسرتُ وحدي في العراء،
والريح تفتّش جيبي فلا تجد سوى قناعة،
رفعتُ بصري للسماء، كأنها الصفحة الوحيدة التي لم تُشوَّه بعد،
وهمست:

"عجبتُ للإنسان... لا ينظر في سبب الوجود،
وينظر فقط إلى الموجود."

ابن غمومة،
الذي ما زال يسير…
لا في طرقات المدن،
بل في دهاليز الإنسان. 

 

****


"ابن مغمومة في قرية الأقلام"

أنا ابن مغمومة، سليل التيه ومولودٌ من رحم الغصّة.
تابعتُ رحلتي في خفايا البشر، وقد اعتراني العطش كأن الرمال اتخذت من حلقي وطنًا، فدخلتُ قرية بدت لي أشبه بكابوسٍ يقظ.

لم تكن فيها أبواب... نعم، لا باب يُطرق ولا باب يُغلق، وكأنها لا تعرف الخصوصية ولا تُعنى بالضيافة.
طرقاتها مرصوفة بأوراقٍ بيضاء وصفراء، متناثرة كالفراش المبثوث في موسم الربيع.
أقلامٌ مكسورة، ومحابر منقلبة، وقرطاسٌ كأنه تنفّس ألف حكاية ثم شهق ولم يزفر.

الدكاكين مشرعة كصدور عشاق، لا حراسة فيها ولا بائع، بل ورّاقون منهمكون في الكتابة حدّ الهوس، صرير أقلامهم يعلو ويهبط كما لو أن فرقة أوركسترا قد ضلّت طريقها إلى مسرح وسكنت هذا الركن من العالم.

هناك، عند عتبة حانوت قديم، رأيت رجلاً يُغرق أطراف أكمامه الواسعة في الحبر، كأنه يغتسل من خطاياه بحبرٍ لا يُمحى. اقتربت منه، وفي صوتي تشقّق العطش:

ــ "هل لي بشربة ماء؟"

رفع رأسه عن الرقعة، وحدّق فيّ بعينين موشوحتين بأرق الفكر، وقال: ــ "نعم... شربة من غمام السماء تهطل على أرض الفكر الأجدب."

لم أفهم، ولم يكن العطش ليتيح لي رفاهية التأويل. كررتُ طلبي، مشيرًا إلى شفتي اليابستين.

فأشار إلى زير فخّاري قديم في الزاوية، فتقدّمت نحوه، وشربتُ حتى سكنت النار في جوفي.

عدت إليه، لكن قبل أن أنبس بحرف، قال مبتسمًا:

ــ "أنا ابن جرادة، أديب من سلالة الأدباء: أدباء السلاطين وأدباء الخلفاء. أكتب لهم الرقاع بهذا اليراع، وأمنحهم حلو القول ورقيق المعاني."

رفع قلمه كمن يرفع سيفًا، وقال:

ــ "يا لي من أديبٍ مفوّه!"

سألته:

ــ "وما اسم هذه القرية الغريبة؟"

قال وقد امتلأ وجهه بالفخر:

ــ "هذه قرية الأدباء!"

قلت له، وعلى لساني مرارة الغريب:

ــ "لكن القول لا يكفي دون عمل، والكلام المعسول لا يطفئ شموع الواقع المشتعلة..."

رمقني بنظرة المستاء، ثم قال بنبرة ناصحة مفعمة بالتبجّح:

ــ "الأدب، في لغتنا وتراثنا، هو فن التزيين، فن التغليف، أن تقول كما تشاء، تلوّن الواقع أو تشوّهه، تمدح أو تفضح، لا فرق. ليس من خصال الأديب أن يُرضي الجميع، بل أن يُرضي نفسه. لا تخلط الأوراق، يا ابن مغمومة..."

قلتُ، بصوتٍ ما بين التنهيدة والاحتجاج:

ــ "لكن، أليس الواقع أثقل من أن نحمله بفقاعات الحروف؟ أليس المرء أحوج إلى معنى منسوج بالصدق لا مرشوش بالسكر؟"

وهنا، انتفخت عروق ابن جرادة، وتشنج جسده النحيل حتى خُلتُه يوشك أن يتحوّل إلى جرادة حقيقية تطير غضبًا. صاح بي، كمن نفد صبره وضاق صدره:

ــ "حقًا، إن أمك لمظلومة إذ أنجبتك وهي مكلومة، مغمومة! ألا تنصرف عنّا بهرطقتك وسماجتك؟
وإلا أمرت الأدباء أن يهجوك هجاء لا يُبقي لك سمعًا ولا ذكرًا: هجاءًا أشنع من هجاء ابن زيدون لأبن عبدوس، وأقذع من هجاء ابن الرومي للأخفش، وأفظع من سفود الرافعي في العقّاد!"

ارتجفتُ، وشعرت أن الحروف أصبحت خناجر.
هربت... نعم، هربت قبل أن يهجوني، قبل أن تُغزل فيّ مقامات الذم وتُقصف بي قصائد الفضيحة.
خرجت من القرية وأنا أتلفّت خلفي، كأنني مطاردٌ من قافلة من الشعراء الساخرين.

قلت في نفسي، وأنا أبتعد:

> "لو لم أكن ابن مغمومة، لأصبحت ابن معلوكة... مضغة في أفواه الكُتّاب، لقمة سائغة في وليمة المجاز."

 

******


إلى جزيرة الواق واق: حيث لا تصل القلوب إلا غرقى

 

تحطّمت السفينة، ونجوتُ أنا وحدي.
كأنّ القدر أرادني شاهدًا وحيدًا على نكبتي،
كأنني السندباد، في رحلته السابعة التي لم تُروَ بعد،
أو ربما في رحلته الأخيرة، حيث لا يعود أحدٌ من البحر نفسه.

وهكذا ابتدأت القصة...

ولكن قبل أن أُكمل، اسمح لي أن أفتح بابًا خلفيًا في السرد...
فهناك شيء لا بد أن أقوله، وإلا فقدتُ نفسي.

بعد أن تركتُ مدينة الأقلام،
تلك المدينة التي يُحاكم فيها القلب بحبره،
حيث تنقّط الدموع على الورق لا على الخد،
شعرت أن شيئًا داخلي قد كُسر، أو تغيّر، أو استيقظ.

كنتُ أمشي بين المدن كمن يهرب من نفسه،
لكن في الطريق، طرأت عليّ بداية الرحلة… تلك التي خبّأتها طويلًا في خزانة النسيان،
فانتفضت في ذاكرتي كوحشٍ خرج من سباته،
تعضّ على الجرح لا لتؤلمه، بل لتذكّرني به.

وقلت لنفسي:

> "لا تنسَ يا ابن مغمومة…
لأن نسيان الجراح يخلق من الإنسان وحشًا ضاريًا،
وحشًا يبتسم لكنه لا يشعر،
ينام لكنه لا يحلم،
يمشي في المدن لكنه لا يرى سوى ظله."



تعلمتُ أن البوح هو النجاة،
أنك حين تكتب، فأنت لا تكتب لتؤثّر في الآخرين، بل لتُنقذ نفسك منهم... ومنك.

> "عليك أن تبوح بما في داخلك حتى تنجو من نفسك،
فالنفس أمّارةٌ بالسوء...
وتلك الأمارة لا تهدأ إلا إذا بُحْتَ لها بالحقيقة،
الحقيقة التي تخجل منها، أو التي لا تجرؤ على قولها."



ولذا، قررتُ أن أروي،
أن أدوّن،
أن أخلع أقنعة الصبر المزيف، وأمشي عاريًا من الكلمات، عاريًا من الأمل… لكن صادقًا.


******


ابن مغمومة في مقبرة الفقهاء

كانت الشمس تميل نحو الغروب، والريح تهمس بحكاياتٍ غابرة، حين وجدت نفسي أسير على أطراف مقبرة عظيمة، كأنها مدينة تحت الأرض، بقبورها المزخرفة وسراديبها الممتدة في صمتٍ رهيب. لم تكن مقبرة موحشة، بل عامرة بالزوّار... بشرٌ أكثر من الأموات، وجوه شاحبة، خطوات مطأطئة، وبعضهم يبكي، وبعضهم يُنشد كأنّه في حضرة وليّ أو نبيّ.

ثمّة شيء في المقابر لا يُروى، بل يُشمّ، يُلمس، يُصمت حياله…
فكل قبر فيها يشبه كتابًا أغلق إلى الأبد، وكل حجارة تنبض بما لم يُقل.
فيما أنا أمشي في تلك المقبرة العامرة، بين العيون الساهمة والمآذن الحجرية، رأيت شيئًا غريبًا.

رأيت رجلاً يحفر لحدًا، لكنه لم يكن يحفر لإنسان...
بل كانت بين يديه كتبٌ مجلدة، مكلومة الأوراق، يعلوها غبار القرون.
اقتربت، ظننته ضالًا أو مهووسًا، لكنه ما إن انتهى حتى كبر وصلى عليها، ثم دفنها، كأنها جسدٌ عزيز، وبكى…

قلت له وأنا أدون من دمعه لا من فمه:

> "من أنت؟ وما هذا الجنون الذي يسيل من عينيك؟"

فقال بصوت خافت كهمس الريح في ممرات الموتى:

> "أنا أبو العلاء…
أدفن كتبي التي أرادوا حرقها.
لعلّها، بعد زمن، تنبت شجرة علمٍ جزيل، يستظلّون يومًا من قيظ جهلهم تحت أوراقها."

قلت له، وأنا أكاد أصرخ من الحيرة:

> "عجبت لمن يدفن علمه بدل أن ينشره بين الناس! أتخاف الناس إلى هذا الحد؟"



فأجابني وهو يهيل التراب على مخطوطة مذهّبة:

> "يا هذا…
أحرقوا كتب ابن رشد،
ونسفوا رفوف بغداد في دجلة،
وغاصت مكتبات قرطبة في الدم…
أنا لا أدفنها خوفًا، بل أزرعها أملًا.
قبري هو أرض الحفظ، لا أرض الفناء."

أطرقت رأسي… كان في منطقه شيء من الحكمة، وشيء من الجنون…
لم أرد أن أُصاب بلوثته، فتركتُه وحيدًا في جنازته،
ثم سرتُ، قلبي مشغول.

 

لمح بصري زحامًا يتجمهر حول قبرٍ باذخ، بدا وكأنه قبر له شأن، لا من جهة حجارة الرخام، بل من رهبة العيون التي تنظر إليه كأنها تستجدي النور من ظلال الموت.

اقتربت.
كان هناك رجلٌ كهفٍ متقوّس الظهر، يحمل بين يديه كتابًا قديماً تعلوه بقع الزمن، يشرح لمجموعةٍ من الفتيان وقد بلّل التأثر صوته، فبدا كمن يرثي لا يدرّس.

قال لي دون أن أستأذن:

> "أنا الفقيه ابن عديم، أعلّم هؤلاء البراعم فقه الإمام ابن تيمية، صاحب هذا القبر المنوّر، منار القرون، وسراج الأمّة."



ابتسمت ابتسامة المتسائل وقلت له:

> "وهل عُدمت الوسيلة يا ابن عديم؟ أين فقهك أنت؟ أين نظرك؟ ابن تيمية عاش زمانه، وجادل أهله، وله ما له وعليه ما عليه... أفلا يليق بك أن تحيا زمانك كما عاش هو زمانه؟"



تنهّد الرجل وقال، وقد ارتفعت نبرة يقينه:

> "يا غريب الفكر، إنما العلم المنقول والقول المشهور هما موئل الهداية، أما ما سموه عقلاً فهو داء الأمم! نحن نقتفي أثر الأولين، فما تركوا لنا شيئًا نبدعه. هم السابقون، ونحن بهم لاحقون."



نظرت إليه، وقد أحاطت بي رائحة الغبار، وتاريخٌ ينبض من بين القبور، فقلت له:

> "أتجعل من الأموات أحياءً، ومن الأحياء أمواتًا؟ أيّ علمٍ هذا الذي يتنفّس من تراب القبور، بينما علم الأحياء قد قُطعت أنفاسه خنقًا باسم الورع؟ عجبت لأمر فقهاء هذا العصر: سدّوا الذرائع، وأغلقوا باب الاجتهاد، وولّوا وجوههم نحو المقابر، ينهلون من عظامٍ نخرتها القرون."



استشاط الرجل غضبًا، وصرخ كمن مسّه جنون الغيرة:

> "اخسأ أيها الغاوي! أما عرفت أنك من أتباع أبي حيّان التوحيدي، والمقفع، وابن رشد، والفارابي؟ عليهم لعنة الله! لقد سمّموا فكرك، وعاثوا في دينك خرابًا! اذهب عنّا، لا تنفث سمومك على عقول هؤلاء الأبرياء!"



ثم التفت إلى طلابه قائلاً:

> "أيها الفتيان، هذا زنديق… ارجموه، دكّوا رأسه بالحجارة حتى يعود إلى رشده!"



ركضت…
والحجارة تمطر من خلفي، وبعضها كاد أن يصيبني في مقتل، لولا أنني كنت أسرع من ظنّهم، وأنقذني قدَر الهاربين من غباء المطمئنين.

وقفت على تلٍّ غير بعيد عن المقبرة، ونظرت إليها وهي تغرق في عتمة الغروب، وقلت في نفسي:

> "عجبًا لأمر الفقهاء… يحيون الميت، ويميتون الحي…
وحقًا، فقيهٌ ميت… خيرٌ من فقيهٍ حيّ!"

 

*****

ابن مغمومة في مدينة العرّيف


بعد أن هدأ الغبار المتصاعد من المقبرة، وتلاشى هدير الريح بين القبور، مضيتُ أُسرع الخطى كمن يهرب من موتٍ بطيء نحو حياةٍ محتملة. قادني حدسي نحو مدينة لطالما سُمِعت عنها في الحكايات وعلى ألسنة الرواة المتجولين، مدينة وُصفت بأنها منارة العلم، ومرقد المعارف، ومجمع العقول.

دخلت بوابتها العريضة التي كانت تُشبه فم مكتبةٍ عظيمة التهمت آلاف الكتب ولم تكتفِ. رأيت أمامي ساحة ضخمة، تتناثر فيها مبانٍ عالية كأنها رفوف ممتدة من الأرض إلى السماء، وعلى الجدران لوحات زُيّنت بأسماءٍ مسبوقة بحروف: ع. ود. وأ.

عجبتُ... وكأن الأسماء بلا هذه الحروف لا تُقرأ، أو تُقرأ بنصف احترام.

وفي أرجاء الساحة، رأيت أناسا يتحلقون حول عقاقير ومعادلات، يتداولون نظريات ومفاهيم، يكتبون ويُدوّنون بحماسة المريدين. لكن الغريب، أن أعينهم كانت جامدة، ووجوههم خالية من الدهشة، وكأنهم يؤدون طقسًا ميكانيكيًا لا شغف فيه.

وبينما أسيرُ بينهم كغريبٍ في مأدبة علم لا تُشبه جوعي، مررتُ بجماعة يسيرون بانتظام عسكري، يرددون بصوتٍ واحد كالنشيد:

"العِلمُ وحده يكفينا! العلم وحده يكفينا!"

وإذا برجلٍ مهيب الهيئة، يلبس معطفًا طويلًا تُرصعه شارات، ويعلو صدره وسامٌ كُتب عليه: ابن العرّيف، يقترب مني وقد بدت على وجهه ابتسامة باردة كالمعادلات:

قال بصوتٍ جهوريّ: – من أنت أيها الغريب الأشعث الأغبر؟! أتيتَ إلى مدينة النور والحقائق وأنت محمّل بغبار الظن؟! نحن هنا لا نؤمن إلا بالعِلم، وبالألقاب التي تسبق الأسماء: ع. لعالم، د. لدكتور، أ. لأستاذ. تلك الحروف هي مرآة المعدن، وبها يُوزن الإنسان!

قلتُ له، وقلبي يفيض بالأسى: – أما أنا، فاسمي ابن مغمومة، والغبار على وجهي وثيابي ليس إلا تراب المعرفة القديمة، وفتات الفلسفة المنسية... أتيتكم لا أبحث عن شهادة، بل عن فكر. لكنّي أستغرب أنكم جعلتم من العلم صنمًا، وقطعتم رأس الفلسفة عنه كما تُقطع رؤوس التماثيل البائدة!

ضحك ابن العرّيف ضحكة جافة لا روح فيها، وقال: – الفلسفة؟! تلك الضلالة العتيقة؟! لقد طُردت من المدينة منذ زمن، وأُدرجت في قائمة "المعارف السوداء"! لا نريد هنا من يثير الشك أو يزرع الأسئلة، بل نريد علماً نافعًا، دقيقًا، محسوبًا... لا هراء المتفلسفين!

رفعت رأسي، وقلت بحرقة: – لكن كيف؟! أطباؤكم بلا فلسفة سيصنعون الموت بأيديهم، ومهندسوكم يبنون انهيارات قادمة، وفيزياؤكم بلا تأمل قد تخلق أدوات إبادة! ألا تفهمون؟ إن العلم بلا فلسفة كجسدٍ بلا روح، كآلةٍ بلا غاية، كجندي لا يعرف لماذا يُقاتل!

فجأة علا صوت ابن العرّيف وهو يصيح بجنوده: – أيها الحُرّاس! اسحقوا هذا المتفلسف الأحمق! أو احبسوه في السراديب... فالفلسفة أفتك من الفيروسات، وكلامه قد يُفسد عقول الأبرياء!!

هجموا نحوي كالسيل، لكن شيخًا طاعنًا في السن، ذو لحية بيضاء وعينين مليئتين بالحكمة الصامتة، أوقفهم بحركةٍ من يده، وقال لهم: – دعوه يرحل... فإن سجنتوه، فلن تُسجن كلماته. دعوا أفكاره تموت في الهواء بدل أن تُزهر في القلوب.

وهكذا، بخطى مثقلة، خرجتُ من مدينة العرّيف، وعلى لساني تمتمة كأنها حكمة ونداء:

"من لم يُفلسف حياته، دمر ذاته."


بئرُ الأيام


كان يُقال لي في طفولتي:

> "أنتَ ابنُ مغمومة... لا تعرفُ الفرحَ ولا السرور، كأنك خُلقت من ضلع حزنٍ وكُتِب عليك أن تمشي في الأرض جائعًا، ظامئًا، متعبًا من المعنى."



لم أفهمهم حينها، لكن جسدي كان يفهم. كانت عصافير بطني تزقزق كلما عبر أمامي ظلّ الخبز، وكان لساني يلهث كسبعٍ في الصحراء كلما شممت رائحة الماء. أردتُ أن أرتاح… فقط أن أستظلَّ من شمس الحنين… لكن الطريق قادني إلى مدينةٍ غريبة، كأنها خرجت من ذاكرة حجرية.

كانت معلقةً على طرف الزمن، مدخلها منحوت على قوس صدئ كتب عليه:

> "بئرُ الأيام"



رأيتُ البوابة فخُيِّل إليّ أن في الداخلِ ماءً باردًا يطفئ عطشي، أو مقهى صغيرًا يبيع القهوة ورغيفًا، لكن سراب اعتقادي بدأ يتلاشى، كأن المدينة كلها خدعة بصرية.

دخلت.
فوجدت مدينةً تغطُّ في سُباتٍ عتيق…
الجدران مصدّعة، الأرصفة تئنّ تحت خطى الغرباء، البيوت بملامح عثمانية ترتدي أزياء أوروبية ضيقة…
والناس… يا الله، ما أغربهم!
يرتدون ملابس عصرية، نظارات شمسية، وساعات ذكية، لكن أرواحهم... كانت معلقة في عامٍ لم يُكتَب في التقويم.

سرتُ ببطء، أمشي على جوع، أتعثر بلهفةٍ لمكان يُشبه الحياة.

وفجأة…
صادفت رجلاً بلحية بيضاء كثيفة وعينين كأنهما تقرآن ما في صدري قبل أن أنطق. ابتسم بخفة وعرّف نفسه قائلاً:

> "أنا عتيق… ابنُ هذه المدينة العريقة، سليل حضارةٍ تليدةٍ كان اسمها يُهزّ الأمم."



قلت له بنصف أمل ونصف سخرية:

> "هل يوجد مطعمٌ في هذه المدينة؟"



ابتسم وكأنني سألته عن وجود الأكسجين، ثم أجاب:

> "نحن لا نأكل إلا التاريخ… ولا نشرب إلا قصصه."



ظننته يمزح… لكن ملامحه لم تكن تعرف المزاح.
بل كان جادًا كأن بين أضلعه متحفًا كاملًا.
وكنت أنا، أترنح من الجوع، أنظر إلى كتفيه، أراهما يحملان عبءَ قرونٍ بأكملها.

قال بحماسة المحارب:

> "لقد شيدنا أعظم حضارةٍ في التاريخ، وكان حكمنا يكسو الأرض كسحابةٍ مُبشرة… كنا سادةً، أما الآن… فقد محتنا خرائط العالم."



سألته، وأنا أتظاهر بالسؤال الثقافي لكنني كنت أفكر في الخبز:

> "ما هو أفضل طبقٍ في التاريخ؟"



ردّ بفخر:

> "أطيب الأطباق هو أن تحفظ تاريخ أمتك… وأن تتلذذ بطبق كُنا، وكانت، وكان…"



ابتلعت ريقي اليابس، وسألته:

> "هل سأشبع إن أكلتُ منها؟"



فأجاب بثقة:

> "بكل تأكيد… لأنها تغذي إحساسك بالعظمة، تملأك بعزة أمجادك، وتغنيك عن كل طعام دنيويّ."



نظرتُ في عينيه، وقلتُ بهدوء:

> "لكنني... إن بقيتُ هنا، سأموت من الجوع."



ثم تمتمت كمن يكتشف نفسه:

> "التاريخ الحقيقي ليس أن تحفظ ما كان… بل أن تصنع حاضرًا يستحق أن يُتذكر."



هنا تغيّر وجه عتيق. عبست ملامحه كأنني أهنته.
انحنى، التقط حفنةً من التراب الجاف، وقال بسخرية:

> "أمثالك لا يأكلون إلا التراب!"



ثم نثر التراب في الهواء… فغمرني الغبار، وتسرب إلى أنفاسي، وجعلني أسعل كمن يختنق من ثقل الماضي.

رحلتُ من المدينة، أترنح على قدميّ كأنني خرجت من حلم قديم…
لم أرتوِ، ولم أشبع… فقط عرفت.

عرفت أن من عاش على (كان)
لن يجد له مكانًا في الغد.

 

  ابن مغمومة في مدينة بدعة



أنا ابن مغمومة، سليل الحيرة والتيه، لا أطرق بابًا إلا استقبلني بسؤال، ولا أدخل مدينة إلا وتنبض في أحشائها رمزية تُفكُّ كما تُحلُّ الأحلام.

مضيتُ أيامًا وليالي، أذرع الأرض بأقدامٍ أنهكها الترحال، حتى بدت لي من بعيد مدينة تتلألأ كأنها درّة بين الرمال، أو كوكبٌ سقط سهواً من سماء أخرى.
كانت مزدانة بكل ما يخطر على قلب بشر: مبانٍ شاهقة تلامس السحاب، شاشات ذكية تُحدثك بلغتك وأنت صامت، طائرات بلا طيار، أرصفةٌ تنبض تحت قدميك موسيقى... مدينة من المخترعات والدهشة.

اقتربتُ منها مأخوذًا، قرأت اللوحة المعلّقة على بوابتها الواسعة، فلم أصدّق:

> "مرحبًا بكم في مدينة بدعة."



ترددت لحظة، ظننت الاسم مجازيًا، فقد بدت بديعة في كل شيء: الزينة، التنظيم، الرفاه، بل حتى الهواء فيها له نكهة الفجر الممزوج بالقرنفل.

لكن ما إن ولجتُ أبوابها، حتى انقلب الهدوء عاصفة.
كان ثمة صوتٌ جهوري يدوّي في الساحة الكبرى، يتردد صداه بين الجدران كأنه نُفخ في الصور.

شيخٌ مهيب، بلحية تتدلى كغيمٍ ثقيل، محاط بجمهور متحلّقين حوله، يستمعون كأن على رؤوسهم الطير، وقد رفع يده بعصا من خشب الزيتون، وراح يصيح:

> "كل بدعة ضلالة! وكل ضلالة في النار!"

"يا قوم، لا تغرنّكم المخترعات، ولا تفتنكم العجائب، فكل ما لم يفعله السلف، فهو شرٌّ مستطير!"



ثم قال بجهورية ناصبة:

> "أنا الشيخ ابن البديع، من نسل السلف ومنهج السداد، أُجيز لمن يشاء أن يسأل، ما دام يوقّر أهل العلم!"



رفعتُ يدي. لم أكن أريد تحدي الرجل، بل فقط أن أضع مرآةً أمام كلامه.
فقلت:
— يا شيخ، أليس في التراث ما يُسمى بـ"البدعة الحسنة"؟

> ألم يكن جمعُ عثمان للمصحف بدعة أنقذت الأمة من التفرّق؟
أولم يقل عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، عن التراويح: "نعمت البدعة هي"؟



سكنت الساحة لحظة... كأن الزمان توقف.

ثم انتفخ وجه الشيخ، وارتجفت شفته السفلى، ووقف كما يقف الرمح حين يُغرس في الرمل قبل المعركة.
صرخ كمن طُعن في معتقده:

> "لا! لا بدعة إلا ضلالة، ولا ضلالة إلا في النار! ما قاله سلفنا حُكمٌ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه!"



ابتسمتُ، لا سخرية، بل دهشة...
فقلت بهدوء:
— لكن يا شيخ، أليس هذا الجهاز الذي تتحدث فيه الآن، الميكروفون، من البدع؟

> أفلم يكن منكرًا يوم ظهر؟ فكيف حلّ حلالًا حين خدم صوتك، وحرامًا حين خدم فكري؟



جُنّ جنونه. احمرّت وجنتاه، وأطلق صرخة حانقة:

> "يا قوم! امسكوه! هذا من أهل البدع والضلال! ادفنوه حيًّا لئلا ينشر مرضه في العقول!"



فهاج الجمع، وتحوّلت الساحة إلى زوبعةٍ من الغضب، وانقلبت الوجوه التي كانت صامتة إلى مطاردة.
ركضت. نعم، ركضت كمن يهرب من طوفان، وأنا أسمع صيحاتهم تلاحقني:

> "أمسكوا الضالّ المضل! إنه من أهل النار!"



ركضتُ حتى كلّت قدماي، وتشقّق النفس في صدري.
وما إن بلغت أطراف المدينة، حتى وقفت أتنفّس، أتأمل ما خلفته من صخبٍ وغوغاء.

ثم همست لنفسي، وأنا أنفض عن قلبي غبار المطاردة:

> نار البدع، ولا جنة مدينة "بدعة".


*****

 

ابن مغمومة في غنوة: المدينة التي يعزف فيها الخواء

 

ما إن فارقت مدينة "بدعة" و تركتها خلفي، وقد تقطّعت أنفاسي صعودًا ونزولًا في دروبها المتعرجة، حتى تراءت لي مدينة غريبة، تُغنّي لا تصمت، وتضحك لا تستكين.
لم ألمحها، بل سمعتها أولًا.

نغمات متداخلة تسيل من مداخلها، كأنها تستقبل الداخلين بنشيدٍ كونيٍّ لا يعرف نهاية؛
صوت عود يئنّ من جهة، وطبلٌ أفريقيٌّ غاضب من الجهة الأخرى،
شدْوُ امرأة ينساب كالماء، يجاوره غناء مطرب كأنّه نداء من زمنٍ لا أعرفه.

هناك… حيث يتقاطع العزف مع الصخب، والأنس مع الجنون،
دخلتُ، أو قل: دخلت الموسيقى إلى فؤادي قبلي.

هزّني الطرب، انتفض داخلي كوترٍ مشدود،
وسُحقت مشاعري كما يُسحق العطر في هاون الذاكرة،
وشعرت كأن عصًا خفيّةً أمسكت بإحساسي وأخذت تعزف عليه لحنًا لا قرار له.

قال ابن خلدون: "الأفارقة يستخفّهم الطرب"،
أما أنا، ابن مغمومة، فلا الطرب يستخفني، بل الكرب يطربني…
ومع ذلك، مدينة "غنوة" فعلت ما لم تفعله سواها؛
كشفت عن نقابها أمامي، فإذا وجهها مختلف،
وجهٌ فيه الحُسن، لكنه حُسنٌ مطعون بالخوف.

في قلب أحد الأزقة، حيث الألوان تتراقص على الجدران،
سمعت صوت رجلٍ واقف عند مقهى تتداخل فيه النرجيلة مع ألحان فيروز:

> "أحب الغناء…
وأذوب في الموسيقى كما تذوب حبة سُكر في كأس شاي،
لكني أعلم أنها حرام.
وكل المشايخ والفقهاء قالوا ذلك.
يومًا ما سأتركها… حتمًا."



تبدّد الطرب داخلي عند هذه الكلمات، كأنّ سحابة مرّت على ضوء قلبي.
اقتربت منه، وقلت برفقٍ فيه سخرية الحائر:

> "إن كانت الموسيقى حرامًا،
فكيف سمحنا أن تدخل في كل ما حولنا؟
في الهاتف، في الإعلان، في طنين القلب…
كل الأمم اتخذت منها لغة للتعبير،
أما نحن، فلم نرَ فيها إلا وجعنا وسوء ذوقنا.
جعلنا من اللحن مرضًا… ومن العود عصًا تهشّ علينا الخطايا."



زمّ الرجل شفتيه، واشتعلت في عينيه نار الخوف والتقليد:

> "أتُنكر حرمة الموسيقى؟!"



ابتسمتُ، وقلت له بثبات العارف بتعقيد التراث:

> "ليس إنكارًا، بل استحضارٌ للخلاف؛
فقد اختلف الفقهاء في الغناء والسماع،
وما من نصٍّ قاطعٍ يحرمها،
بل أحاديث فيها ضعف أو تأويل.
الأمر اتسع، وما ضاق إلا بصدور تضيق بأي بهجة."



رفع الرجل حاجبيه، وقال ساخرًا، كأنّه أخرج سيفًا من غمد الحُرمة:

> "أنا اسمي ابن طريب،
ومع أني وُلدت على الطرب،
إلا أني أراه معصية.
من يسمع الأغاني، يُصبّ في أذنه الرصاص المذاب،
وفي الحديث:  ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف
وأنت، يا ابن مغمومة، تحتاج أن نقرع رأسك كالطبل،
لتصبح من اليوم… ابن المقروعة!"



ضحكت في سري، ولم أعلّق.
لكن شيئًا في روحي انكسر، شيءٌ يشبه وترًا انقطع في لحظة نشوة.

تسلّلت من بينهم كما يتسلل لحنٌ ممنوع في حفلة وعظ،
وغادرت مدينة "غنوة" سريعًا…
فقد أدركت أن في هذه المدينة،
لا يُطرب الناس صوت الموسيقى،
بل يُطربهم صوت الخواء حين يُغلفونه بالحلال والحرام.

 

*****

 

أنا ابن مغمومة... وهذا ما جرى في مدينة عليم

 

غادرتُ مدينة غنوة كمن يغادر عرسًا بلا عروس.
هناك، كانت الأسئلة تتراقص مع الأغاني، وكان الوجد سلطانًا، وكان الناس يبتسمون للغيب. لكن قلبي لم يهدأ، فركبتُ الطريق المؤدية إلى مدينة "عليم"، وقد قيل لي عنها ما يُقال عن الجنّة، أو عن المكتبات المُغلقة:
"هنا المعرفة... هنا لا مكان للجهل."

حين وصلتُ، وجدت بوابة هائلة، كأنها شُيّدت من صفحات موسوعات قُطعت من أمهاتها، وقد كُتب أعلاها بحروفٍ تتوهج كالنهي:

> "لا تقل لا أعلم... فأنت في مدينة عليم."



وقفت طويلًا.
كأن العبارة كانت تحدّق في داخلي، لا في عينيّ.
همست لنفسي:

> "ومن ذا الذي يعلم، إن لم يبدأ أولًا بأن يقول لا أعلم؟
أهذه مدينة علم... أم سجن الإجابات؟"



دخلت.
رائحة الورق المحترق ضربت أنفي، كأن المعرفة هنا تُطبخ على نار الغرور، لا التأمل.
الناس يسيرون وهم يتكلمون، يتكلمون في كل شيء، عن كل شيء، وكأنهم يخافون الصمت.
كان الصمت هنا جريمة... والتساؤل شبهة.

في وسط الساحة، حيث تجتمع العيون والأوهام، وقفتُ أُحدّق في رجلٍ يعلو منصة مغطاة بجلد كتب لم تُقرأ،
يلفّ نفسه بعباءة المعرفة كما يلتف النبي بوحيه.

كان هذا هو "ابن خُنفُشار".
رجلٌ يُشبه الموسوعات حين تُفرّغ من سياقها، وتتضخم حتى تنفجر.
يتكلم عن المجرات كمن يتحدث عن جاره، ويُفتي في الكون كما يُفتي القروي في سعر الزعتر.

سألته، لا تحديًا، بل فضولًا دفينًا:

> "يا ابن خنفشار، ما الجهل؟"



رمقني بعينٍ فيها مزيج من الشفقة والازدراء، وقال بثقة خرساء:

> "الجهل نقيض المعرفة، والعلمُ – صدقًا – ضارٌ، ضارٌ كله.
فانظر! من العلم جاء أبو جهل، ألم يكن من حكماء قومه؟
غلب عليه الاسم لأنه عرف أكثر مما ينبغي!"



ضحكتُ في داخلي، لا شماتةً، بل حزنًا.
وقلت له بهدوء من يملك شوكة الفكر لا خنجره:

> "الجهل... ليس قالبًا واحدًا يا صاحبي.
هناك جهلٌ مقدّس، نُعلّقه في المكاتب ونبجّله في الخطب.
وهناك جهلٌ شعبي، يُرضع للناس كما الحليب، فيكبر فيهم ولا يشعرون.
لكن أشدّه فتكًا، هو الجهل بالذات...
أن تعيش دون أن تعرف من أنت، أن تكرّر أفكار غيرك وتظنها لك،
أن ترى نفسك مرآة، وهي في الحقيقة قناع."



ضجّ الناس، خافوا من الكلمات التي تكشف كالسكاكين.
وابن خنفشار ماج في غضبه، صرخ:

> "أنت متفلسف!
من جماعة الكلام، من المتكلمين، والكلام من كَلَم... والجرح جرحنا!
هل جئت لتُدمينا؟"



اقتربت منه، وأنا لا أحمل سوى مرآتي:

> "لا جئت لأجرح، بل لأُعرّي.
الشر الحقيقي ليس في الجهل، بل في الإدعاء.
أن تقول أعلم، وأنت لا تعلم،
أن تدّعي اليقين وأنت لم تمرّ بطريق الشك.
تلك الأمم التي غزت المجهول بالعلم، لم تبدأ بالزهو، بل بالخجل.
لم تضع الحقيقة في متاحف تراثها، بل تركتها تذهب حيث تريد.
أما نحن...
فما أن نسمع فكرة جديدة، حتى نقتلها بسكين التراث."



صمتٌ...
ثم زمجرة.

قال بصوتٍ ملدوغ:

> "اخرج يا ابن مغمومة!
فأنت تُربك النظام،
مدينة عليم لا تحتاج من يشك،
بل من يُكرّر،
ولا تريد من يرى أن في الجهل حكمة...
بل من يُقسم أن المعرفة نهاية الطريق!"



وغادرت.
كما أتيت... لكن بثقل جديد على ظهري.
لم يحملني الحزن، بل الفكر.
لم تطردني المدينة، بل أخرجني ضيقها من ذاتها.

وأنا أعبر البوابة، رأيت العبارة تتلاشى في الغيم، وقلت لنفسي:

> "ترهاتي... أصدق من معارف الخنفشاري.
لأن ترهاتي تبحث، تشك، ترفض أن تُخدَّر.
أما هو... فقد قتل السؤال ليرتاح من الجواب."


******

 

ابنُ مغمومة في مدينة المؤامرة

 

تابعتُ رحلتي بعد أن انقضى الغناء، كأنّما انكمش في صدر السماء، وترك وراءه رجعًا يشبه نعيق غربانٍ تجتمع على أطلال نهار ميت، أو كأنّه صوت بومٍ وحيدٍ ينادي شيئًا لا نسمعه.
لم يكن الصوت نشازًا، بل بدا كتحذير غامض، نبوءةٌ غنائية خرجت من حنجرة الليل.

علمت أن للغراب ذكاءً يُحسد عليه، وأنّ البوم، رغم مظهره الموحش، يُعد من ألطف مخلوقات الغسق.
لكنني، مع ذلك، شعرتُ بانقباضٍ وهميٍّ شديد وأنا أقترب من مشارف المدينة.

كانت بوابتان تقفان كحارسين على تخوم المجهول:
عند الأولى، بومةٌ تقف شامخة ككاهنة نفي، تحدق في القادم كأنها تزن روحه.
وعند الثانية، غراب أسود ذو ريش لامع، يطأ الأرض بثقة، كأنه مرّ بهذا المكان ألف مرّة.

وقفت بين البوابتين، تملّكني خوفٌ قديمٌ لا أعرف مصدره.

> هل ما أتوهمه يظهر لي؟ هل خيالي يسبقني إلى الحقيقة؟
لكنني أطلت الوقوف، ثم مشيت.




---

دخلت المدينة.

رأيت اسمها محفورًا فوق قوسٍ حجريّ، بلون الغبار والاشتباه:
"مدينة المؤامرة"
كأنها لا تخفي شيئًا، بل تفتخر بما تخبئه.

ولمّا دلفتُ شوارعها، فوجئت بمشهدٍ أقرب إلى ديكور مسرحية مرعبة، اختلطت فيه الهواجس بالبضائع.

الأسواق كانت مليئة، لكن ليس بالناس فقط، بل بالتحذيرات.

كل واجهة متجر تعلّق لافتات حمراء صارخة:

> "منتجات المقاطعة!"
"هذا المشروب مشبوه!"
"حلوى أجنبية تقتل رجولتك!"



بل إن صورة قنينة مشروب غازي قد عُلقت على حائط السوق، وعليها علامة إكس حمراء كبيرة، وتحذير:

> "السكر مدسوس فيه نوايا استعمارية!"



تابعت طريقي، حتى مررتُ بمدرسة ابتدائية.
كانت جدرانها مطلية حديثًا، لكنها شوهت برسوم غريبة:
نجمة داخل مثلث داخل عين، وفوقها عبارة مخيفة:

> "احذر من الماسونية!"



وتحتها بخطّ أكبر، كما لو كانت نبوءة أو تهديدًا شخصيًا:

> "جارُك قد يكون ماسونيًا... يتعبّد إلى ربّهم!!"



نظرتُ حولي، رأيت عيونًا تراقبني من خلف الستائر، وكأنّ كل ساكنٍ في هذا المكان أصبح جاسوسًا محتملًا، أو متهَمًا جاهزًا.

ثم سمعته.

صوت مذياعٍ جهوريّ، ينبعث من كل زاوية، من كل نافذة، من كل مكبّر صوتٍ صدئ، يصرخ بنغمة الواثق من جهله:

> "احذروا أيها المواطنون من المتآمرين الذين يتربصون بهذه الأمة من كل جانب!
إنها مؤامرة ضد الإسلام!
مؤامرة ضد العروبة!
مؤامرة ضد الاقتصاد!
مؤامرة ضد الأسرة، ضد الحب، ضد النوايا الطيبة!"




---

الناس واقفون، مذهولون، كأن الصوت شدّهم من عظامهم، وسمّر عقولهم في وضعية الاستسلام.
وجوههم جامدة، عيونهم مبلّلة بخوفٍ غير مفهوم، وكأنهم ينتظرون من يدلّهم على من يتآمر، لا ليدافعوا، بل ليبرروا عجزهم.

ثم ظهرت هي.

امرأة نحيلة، ترتدي ثوبًا رماديًا مشوبًا بآثار الحبر والحرب، توزع منشوراتٍ على العابرين، وكأنها توزع جرعات من الهلع.

أعطتني ورقة، وهمست بلهجة فيها شيء من الاتهام:

> "احذر من التغريب!"



نظرت إليها، وكانت عيناها تلمعان بنارٍ غير مرئية.
قالت إن اسمها "دُسيسة"،
وأنّها تحذر من مؤامرة كبرى حيكت في معامل الغرب.
قالت إن الأطعمة القادمة من خلف البحار ما هي إلا سُمٌ ناعم، مصنوعٌ خصيصًا ليقطع نسل الأمة، لأننا، وبحسب زعمها، "الأمة المؤمنة ذات الرسالة الخالدة."

ضحكتُ. ليس سخرية منها، بل من حجم الفكرة.
ثم سألتها بهدوء:

> "من الذي يتآمر علينا؟ من هم هؤلاء الكائنات الغامضة التي تستيقظ كل صباح لتخطط لهلاكنا؟"



قالت بحدة، وقد اعتراها ارتجافٌ عقائدي:

> "يبدو أنك مغيّب، لا تدري ما يجري من خلف الستار! هناك دول خفيّة تتحرّك تحت جنح الظلام لتقضي علينا واحدًا تلو الآخر.
إنهم البناؤون، الماسونيون، أعداء الأمة!
نحن الآن مثل طبق الأمم... والجميع يريد أن يلتهمنا!"



تأملتُ وجهها. كان أشبه بخارطة خوف، فيها تعرجات الحيرة وثنايا الوهم.
فقلتُ لها:

> "وهل هناك أمّة على وجه الأرض تفكّر كما نفكر، وتغرق في المؤامرات كما نغرق؟
هل اليابانيّون، مثلاً، جلسوا يوماً يتحسّسون البسكويت المستورد ويتساءلون: هل فيه مواد تمنع نسل الإمبراطورية؟
ليس في الأمر دسيسة، يا دُسيسة، بل فينا من ارتضى لنفسه دور الضحية،
وراح يُمثّل على خشبة الحياة مسرحيةً كئيبة، عنوانها: نحن مستهدفون!"




---

عندها، تغير وجهها.
غضبها انفجر كقنبلة صوتية، صرخت:

> "أغرب عن وجهي! أنت عميل للصهاينة، ماسونيّ متخفيّ، غرابيّ تُغرّد بأخبارهم، وبوميّ تنسحب في الظلمة!"



ثم نزعت الورقة من يدي بعنفٍ كما لو كانت تمزق رأيي من جذره، وبدأت تركض خلفي، تصرخ في الشوارع:

> "أمسكوه! إنه ابن مغمومة! المتآمر الأكبر ضد الأمة كلها!!"




---

ركضتُ.
لم ألتفت.
خرجتُ من المدينة كما يخرج المرء من كابوسٍ أرقه، لا يصدق أنه ما زال حيًّا.

وحدي، بعيدًا عنها، بعيدًا عن المدينة،
همست لنفسي:

> "ما من أحدٍ يتآمر عليكم...
بل أنتم من تتآمرون على أنفسكم."


*****

 

مدينة توبة التي لا تتوب



بعد أن رحلتُ عن مدينة مؤامرة، كان الليل يوشك أن ينقلب فجرًا، لكن قلبي لم يهدأ.
المدن، يا صاحبي، ليست خرائطَ مرسومةً على الورق، بل أنفاسٌ لها مذاق، وسحنات، وطقوسٌ سرّية. لكل مدينةٍ دينها، وصنمها، وكاهنها، وإنْ أسموها بـ"الأسماء الحسنى".

سرتُ على دربٍ حجري، تغشاه أضواء خافتة كأنها ندوب الضوء لا نوره، حتى لاح لي من بعيدِ أفقٍ لافتةٌ معلّقة على قوسٍ عالٍ كقُبّةٍ سماوية، تتلألأ بأنوار نيون :

> "مرحبًا بك في مدينة توبة."



توقفتُ لحظة. لوهلة، شممتُ رائحة المسك، واختلطت بأنفاس البخور، وسَكَنَ قلبي، كأنّه وُعِدَ بالغفران قبل أن يُدان.

دخلت.

كانت المدينة ساحةً كبرى، دائرية كحلقة ذكر، يتوزّع فيها الناس على كراسٍ خشبيةٍ مصفوفة، رؤوسهم منحنية، أكتافهم مرتجفة، ودموعهم تنقر الأرض كالمطر في أول الخريف.

في الوسط، منصة مرتفعة، تتناوب عليها كائنات بشرية... أو هكذا ظننت.

الأول، نحيفٌ، شاحبٌ، يحمل في يده عودًا، لا، بل رفات عود.
وقف، مسح عرقه، ثم هتف بصوت مشروخ:

> "أنا... أنا كنت أغنّي! كنت أطربُ، وأُطرب!
لكنّي عرفتُ أن الغناء رجسٌ من عمل الشيطان،
العود هذا... سأكسره! فلعنة الله على الأوتار!"



ثم خرّ باكيًا، يشهق كما يشهق الطفل حين يفقد أمّه.
الجمهور صَفَّق، ثم نظر بعضهم إلى بعض. تذكروا أن التصفيق من عادات الجاهلية، فسكتوا خجلًا.

تقدّم رجل آخر، يحمل تحت ذراعه رُزُمًا من الكتب، صفحاتٍ صُفرت من كثرة القراءة. بدا عليه النُبل، أو وهم النُبل.
قال:

> "كنتُ أكتبُ الروايات، متأثرًا بدوستويفسكي،
وبأورويل، وبنجيب محفوظ...
لكنّي كنت في غفلة.
الآن، عزمت على كتابة رواية إسلامية طاهرة نقية،
وأتبرأ من كل كلماتي السابقة."



وراح يمزق أوراقه، كل تمزيقٍ كأنّه يذبح فيه جزءًا من روحه.
بكى حتى رَقّ له الحبرُ الذي على الصفحات.

الثالث كان يحمل تلفازًا صغيرًا بين يديه، كأنّه طفل ميت.
قال:

> "أنا مذنب.
كنت أعمل في قناةٍ تنقل المسلسلات الخليعة، والأغاني الخليعة، وكل شيء خليع...
لقد دمرتُ أجيالًا!
أعلن توبتي أمامكم!"



ثم، في حركة درامية، رفع فأسًا، وضرب بها التلفاز.
تحطّم الزجاج، تطايرت الشرائح، وقبل أن يرتد صدى الضربة، قفز أحد الحضور إلى المنصة، وعانقه بشغف:

> "بوركت يمينك، يا هادم معبد العصيان!"



ثم جاء شابٌ هزيل يحمل هاتفًا محطّمًا، مبللًا بدموعه:

> "كنت أكلّم الفتيات ليلًا، وأرسل لهن ما لا يُقال...
والآن، أتبرأ من هاتفي، من لمسي، من كل شيء..."



كسر الهاتف أمامهم. شهقوا. صفقوا، ثم تذكروا... وسكتوا.

وأنا؟

أنا تقدّمت.

حسبوني سأعترف.

حسبوني تبت، وبكيت، وأعلنتُ صيامًا عن الخطيئة...

لكنّي، لا... أنا ابن مغمومة، لا أتبنى التوبة حين تُعرض كالعُري في مزاد الفضيلة.

قلت:

> "العود، آلة صماء،
اليد التي تعزف بها، هي التي تقتل أو تصلي.
والرواية ليست سكينًا، بل مرآة.
وأنتم، تمزقون المرايا، لأن وجوهكم تعاف رؤيتها.
الهاتف وسيلة...
أما الوساخة، فخُلِقَت في النية، لا في البلاستيك.
أنتم لا تتوبون، بل تُمارسون توبة جماعية تُرضي أعين الناس،
لكن القلب... لا يُشفى بالعرض."



شعرت بأن أصواتهم تخنقني. أحدهم حاول أن يفصل مكبر الصوت.
لكنه لم ينجح.

كان رجلٌ عجوز في آخر الصف، يُقال له "ابن حسرة"، قد أوقفهم.

تقدّم إليّ، أمسك بيدي، عينيه تشعّ بالخذلان:

> "يا بني، هذه المدينة ليست لك.
مدينة التوبة لا تُحب من يُشكّك في بنيانها.
اذهب، فأنت من العصاة الذين لا يفهمون معنى الأدب."



وحين وصلتُ بوابة المدينة، قال:

> "يا غريب... كن أديبًا!"



ضحكتُ من القلب، لا سخرية، بل مرارة، وقلت:

> "وهل أكون مؤدبًا... في حضرة التيه؟!"



وغادرت.

وسماء المدينة تمطر تصفيقًا مكبوتًا، ونفاقًا يُصفّق له المطر.

 

*****


ابن مغمومة في قندهار الجديدة

 

دخلتُ المدينة عند أول العتمة، حين تغدو الأشياء أشباحًا، والأصوات تهمس لا تصرخ، كأنها تتهيّب الغريب، وأنا غريبٌ، بل أكثر الغُرباء غربة.
كان اسمها يُقال بهمسٍ خائف: "قندهار الجديدة".
ولكن، ما الجديد فيها؟
الظلام نفسه، السلاح ذاته، والأفكار... أكثر عُفونة.

رأيتُهم فور أن وطئت قدمي ترابها الجافّ،
رجالٌ... لا، أشباح بشرية تتدرّب على القتال، يلبسون ثيابًا تشبه أزياء أفغان الثمانينات، تشبهها إلى حدّ السخرية، كأنهم تماثيل خرجت من متحف مزيّف، يحملون الكلاشينكوف وكأنهم يحملون المصحف،
وينادون بعضهم بأسماء مستعارة:
أبا الدرداء، أبا بلال، أبا حذيفة...
اختفت الأسماء الحقيقية، الأمهات التي سمّت، الوجوه، الأصوات، صار الكلّ نسخة من سلف منسي، أو خليفة مؤجل.

وما إن تقدّمتُ خطواتي الأولى داخل المدينة، حتى رأيت مشهدًا أشدّ قسوة من أشباح الرجال:

أطفالٌ، بعيون لا تعرف البراءة، يحملون أسلحة بدل الدُّمى.
واحدهم يجرّ رشاشًا أطول من ظله، وآخر يلوّح بيده كأنه قائدُ سرية، وألسنتهم تقرأ ما لا تعي:

> ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾
﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾



سألتُ أحد المرافقين:

> "ومن هم المشركون؟"



قال دون تردد، وكأنها الحقيقة الوحيدة في هذا العالم:

> "كل من خالفنا. كل من لم ينضمّ إلينا. كل من لا يرى أننا على الحق. حتى من قال لا إله إلا الله، إن لم يكن معنا، فهو ضدنا."



هكذا صار التفسير بندقية، والآية سكينًا.
فهمست:

> "يا ربّ... كيف صار القرآن قيدًا بدل أن يكون خلاصًا؟"



ثم التفتُ إلى أحدهم، وقلت:

> "هذه الآية نزلت في وقت حرب، في نقض عهدٍ بين النبي وقومه. لم تكن دعوة مطلقة للقتل، بل ضُبطت بظروف وسياقات،
والدليل أن الله ختمها بالرحمة: فَإِنْ تَابُوا... فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ.
الدين لم يُنزَل ليملأ المقابر، بل ليُنير القلوب."



ثم تمتمت لنفسي:

> "الدين جاء من أجل الإنسان... من أجل راحته في الدنيا، وسكينته في الآخرة،
لا ليُستعمل كحبل يلتفّ على عنقه."



نظرتُ من حولي، فلم أشمّ رائحة النساء،
هذه مدينة لا تعرف العطر، ولا الدمعة، ولا الزينة.
مدينة يكره ساكنوها الرحمة.

لكنني رأيت طابورًا... لا، قافلةً من النساء، يمشين ببطء، أجسادهن ملفوفة بالسواد، كأنهن خارجات للتوّ من قبر.
كأنني في سوق نُخاسة لا في زمن ٢٠٢٥.
هذا عهدهم بالمرأة — لا كأمّ، ولا كحبيبة، بل كـ "عورة تمشي على الأرض."

سألت عن قائدهم، فقيل لي:

> "ذاك ابن ملاعن... أميرهم، وآمرهم، وآكل تمرهم."



اسمٌ فاجر، لا يُنطق إلا كشتيمة.
لكني أردت مقابلته.
ادعيت أني صحفي من قناة "الجريرة" – وهي بالمناسبة، قناة لا أحد يثق بها هنا، لكنها تمرّ.

رافقني اثنان من الملثّمين، لا ترى منهما إلا بياض عيون يفضح رعبهما.
وصلنا إلى كهفٍ، كهف حقيقي، تنفذ منه رائحة العرق، والرصاص، والنَذر القديم.

كان جالسًا في زاوية مظلمة، كأنه حجر أُعيد إليه الوعي،
يأكل سبع تمرات، بعدد ما أوصى به حديث نبوي،
ويمتنع عن شرب القهوة،
لأن القهوة — على حد قوله — خمر العرب.

قال لي دون أن يرفع نظره:

> "هنا كما ترى... عندنا ابن قطب، وابن مودودي، هم النبض، والنبراس، والمصباح الذي نهتدي به."



ثم تابع، وكأن وحيًا ينزل عليه:

> "الحاكمية لله وحده، وكل حكم من دونه كفر، كفرٌ صراح لا لبس فيه. كل نظام علماني، كل ديمقراطية، هراء غربي نقيّ، نرمي به في جهنم."



قلت له — وكان لساني أثقل من الرصاص:

> "وهل قال أحد قبل قطب والمودودي بهذا القول؟ أهما من السلف؟ أم أنك تعيد إنتاج فكر لم نعرفه في القرون الثلاثة الأولى؟"



ضحك. ضحكة من لا يسمع إلا صدى نفسه.

قال باستخفاف:

> "تتحدث كما يتحدث أبناء التغريب، تستشهد بالكفار وتترك القرآن؟! ابن تيمية أولى بك، إن كنت تبحث عن علم."



قلت:

> "الخوارج أيضًا اتُّهموا بالكفر، لكن فيهم شعراء وفلاسفة، والنقاش يا ابن ملاعن لا يعني الردة.
حتى هنريك إبسن قال: رأي الأغلبية لا يعني الصواب."



عندها غضب.
نظر نحو سلاحه وقال:

> "هاتوا الكلاشنكوف!
هذا سلاحي الذي سننظّف به هذا الصحفي الذي يعظنا بأقوال الكفار!"



عجيب!
سلاح روسي الاسم والمنشأ، صار هو السيف المقدس الذي يُقيم به الحدّ؟
هذا فكرٌ لا يرى التناقض إلا إذا كان ضدّه، لا فيه.

قلت له بحذر:

> "أنا صحفي، لست مقاتلًا. جئت أكتب لا أحكم."



قال وهو يرفع سبّابته كأنها خنجر:

> "اخرج قبل أن أرميك حيًا للسباع، فالصحافة داء، والكلمة فتنة، ونحن لا نؤمن إلا بالحديد والنار."



خرجتُ،
ورجلاي ترتجفان من الفزع لا من البرد،
وسألت نفسي وأنا أغادر تلك المدينة المنكوبة بالعقيدة الممسوخة:

> "هل هذا هو الجهاد؟
جهاد الكلاشينكوف؟
جهاد التمر؟
جهاد السواد والكهف؟"



ثم قلتها في نفسي، كمن ينقذ نفسه من الغرق:

> "الجهاد الحقيقي...
ليس عند قطب، ولا المودودي، ولا ابن ملاعن،
بل هو جهاد النفس... النفس التي إن صلحت، صلح العالم كله."


*****

 

ابن مغمومة في مدينة المنتظر

لم أكن أقصد الوصول، ولم يكن في نيّتي أن أطرق بابًا.
كنتُ فقط أواصل فراري، أتسلل بين الظلال كمن يهرب من ظله... حتى وقفتُ، صدفةً أم قَدَرًا، عند بوابة مدينةٍ لم تحمل اسمًا كأي مدينة، بل كُتب على مدخلها بخط عريض محفورٍ على حجرٍ ضخم:

"المنتظر."

ترددتُ.
من الذي ينتظر؟ وماذا؟
لكن قبل أن تتشكّل الأسئلة في رأسي، اندفعت الأبواب، وخرج إليّ جمعٌ غفير من الناس، وجوههم مشتعلة بالتوق، وعيونهم تتقد كمن أبصر النور بعد دهرٍ من العمى.
ركضوا نحوي، ولم أنطق... رفعوني على الأكتاف، هتفوا باسمي الذي لا يعرفونه، وراحوا يرددون بصوتٍ واحد:

> "هو ذا مهديّنا... المنقذ المنتظَر... المخلّص جاء أخيرًا!"



كنتُ في ذهولٍ كمن سُحب إلى حلمٍ غريب لا يملك فيه أمره.
حملوني إلى الساحة الكبرى، والبسوني عباءة فاخرة مطرزة بخيوط الذهب، عباءة بدا ثقلها وكأنه من الحديد، لا من قماش.
وضعوني فوق منصةٍ مرتفعة، واصطفّت الجموع تحت قدمي، يتدافعون لتقبيل طرف العباءة، يتعهدون بالولاء والطاعة، في المنشط والمكره، كأنني نبيّ أُعيد بعثه، أو ملك خرج من باطن الأسطورة.

لكن داخلي لم يكن من ذهب، بل من خوف.
أنا ابن مغمومة، الهارب من مدينة العرّيف، الناجي بأعجوبة من قبضة الفتاوى والمشانق والعيون الذاهبة في المراقبة حدّ الهوس.
لم أكن مخلّصًا... بل مجرد ناجٍ.

رفعتُ يديّ وصرخت بأعلى صوتي، وقد تكسرت الكلمات في حنجرتي من رهبة اللحظة:

> "يا قوم!
يا من تنتظرون المخلّص والموعود والمنقذ الموهوم...
خلّصوا أنفسكم بإيمانكم بحاضركم،
آمنوا بما بين أيديكم، لا بما وعدتكم به النبوءات الغائمة!
لا خلاص في غدٍ مجهول، والخلاص الحق يبدأ منكم، لا منّي."



تجمدت الوجوه...
وتحوّلت الحشود من الفرح إلى الذهول، ومن الذهول إلى الاستهجان، ثم إلى الغضب.
حدّقتُ في عيونهم فرأيت نارًا تُوشك أن تشتعل، جموعًا تتهيأ للافتراس، وكأنني خذلت نبيًّا في قبره، أو مزقت نبوءة كادت تتحقق.

وفي اللحظة التي حسبتُ فيها أن النهاية قد بدأت، اقترب منّي رجلٌ نحيل، بثوبٍ مرقع، أعور العين، ولسانه ثقيل النطق كأنه لا يتقن الحروف.
أمسكني من يدي، وهمس بصعوبة:

> "اهرب...
لقد قلتُ مثلما قلتَ،
فسملوا عيني،
وقطعوا لساني."



كانوا يلقبونه بـ "مأفون المدينة".
ضحكوا عليه طويلاً، وها هو الآن يخلّصني.

فررتُ، هذه المرّة بكل ما أوتيتُ من قوة، سابقتُ الريح، لا ألوي على شيء...
أركض لأنجو من أن أصبح ابن مقطوع اللسان بعد أن كنتُ ابن مغمومة.


*****


 ابن مغمومة في مدينة خير الأمم


تركتُ مدينة المنتظر بعد أن خذلتني النبوءات، وسئمتُ التصفيق للسراب.
سرتُ طويلًا، كأن الأرض تطوى تحت قدميّ، حتى بلغت مدينة عظيمة ترتفع على كتف الأرض كأنها درة مصونة في تاج الزمان.
كانت تلمع من بعيد، يتوهج اسمها على صخرةٍ منصوبةٍ على مشارفها:
"مدينة خير الأمم".

بهرني الاسم. خلب لُبي كما تفعل الكلمات الرنانة بأصحاب القلوب العطشى.
قلت في نفسي: لعلها المدينة التي أنشدها الشعراء، وراودها الفلاسفة في أحلامهم.
لكن ما إن وطئتُ ترابها حتى ارتطم بصري بالمفارقة الصارخة:
فراغ مهيب،
سكون ثقيل،
وأنقاض متباهية ترفع هياكلها كما لو كانت قلاعًا من الكبرياء المهجور.
الخلاء يلبس الشموخ... كم هو مهيب أن ترى العظمة حين تفقد معناها!

وبينما كنتُ أتمعن في أطراف المدينة، وطأتُ دون قصد طرف ثوب رجلٍ كان واقفًا يتأمل الناس كأنه حارس بوابة القيامة.
التفت إليّ ببطء،
وحدجني بنظرة مشوبة بالريبة،
ثم قال بنبرة ناصعة بالتفوق:

> – من أي الأمم أتيت؟
هل أنت فارسي أم رومي؟
هندي أم صيني؟
أم من أهل الديانات القديمة؟
نصراني؟ يهودي؟ صابئي؟ ماني؟ بوذي؟



بقيت صامتًا برهة.
كان صوته يشبه سوطًا يُصنف الأرواح.
ثم تنفستُ ببطء، وقلت:

> – وإن كنتُ من إحدى هذه الأمم أو تلك الملل، هل ينزع عني هذا إنسانيتي؟
أليست كل الشعوب في أصلها سواء؟
أما قال نبيّ ذات يوم إن الناس كأسنان المشط؟
أم أنكم، كما اليهود، تدّعون أنكم شعبٌ مختار، وأن الله قد خصّكم بالفضل دون سائر البشر؟
إنها نزعة رأيتها تتكرر في كل مكان: كل أمة ترى ذاتها تاج الخليقة!



ما إن أنهيت كلماتي حتى اشتعلت ملامحه غضبًا،
وصاح كمن لدغته الحقيقة:

> – أنا ابن دمامة!
أتُساويني بأراذل البشر؟
يبدو أن لسانك لم يُقصّ بعد، ولم تتأدب!
كيف تجرؤ يا ابن المذمومة؟!
لأزجّنك في غيابة السجن... ولتُجلدنّ كما يُجلد الفاجر على فريته!



وهكذا وجدت نفسي، في لمح البصر، بين قضبانٍ لا يفصل بينها وبين الحرية إلا رمادُ كلمات.
مثلتُ أمام القاضي، قاضٍ في هيئة جدار لا يسمع إلا صدى السلطة،
فحُكم عليّ بتهمة "بذم خير الأمم، ومساواتها بأراذل الملل"،
ثمانون جلدة، وسجنٌ لا يعرف له سقف.

وها أنا أكتب هذا الفصل الأخير من قصتي،
من زنزانةٍ باردةٍ على هامش التاريخ،
أكتب لا لأشتكي، بل لأشهد.

فربما سيأتي يومٌ تُقرأ فيه كلماتي،
ويقال: "كان هنا رجل… اسمه ابن مغمومة… رأى ما لم يجرؤ أحدٌ على رؤيته، وقاله."
وإن كانوا قد جلدوا جلدي،
فلم يقدروا على مصادرة ما كُتب بالحبر الذي سال من قلبي.


*****

 

على تلّ الغياب... حيث لا تصل بسمة

 

وقفتُ على تلٍ عالٍ، تلّ يشبه حنجرتي حين تخنقها الذكرى.
أمام ناظري، تترامى المدن التي زرتها ذات قلق:
قرية الجدباء، مدينة بدعة، مدينة قندهار الجديدة، ومدنٌ أخرى كثيرة...
كلها مررت بها، تركتُ فيها شيئًا، وأخذت منها جرحًا.

لكن هناك، في الأفق البعيد،
كانت "مدينة بسمة" تلوّح كطيف حلمٍ خفت قبل أن يُولد.
لم أدخلها.
لم أجرؤ.

ربما لم أشأ زيارة "مدينة بسمة"،
لأني افتقدتُ البسمة،
وتبلّستُ ثوب الغمّ المطلق،
فكيف يعبر الغارقُ ضفّةً يابسة وهو لا يصدّق وجودها؟

لأن القلب لا يشفى من أول حبٍ،
بل يظل يحوم حوله كعصفورٍ لا يعرف غير نافذته الأولى.

وقفتُ هناك، وبكيت.
لا بصوت، بل بصمتٍ يعرفه العارفون.

وبينما كانت الريح تذرّ الغبار في عيني،
بدأت أتكلم بصوتٍ خافت... لنفسي، لظلي، للسماء.
مونولوغ الذات حين لا يبقى للبوح مأمنٌ إلا في الداخل:


---

> كنت أظنّ أنني رحّالةُ الحكمة...
فإذا بي، مجرّد متسكّع على أطلال "الأمل".



ظننت أنني أمتلك الخيط...
خيط الخلاص من الغفلة، من الكذب، من الجهل المقدّس،
فإذا بي في متاهة...
كل بابٍ يؤدي إلى باب،
وكل سؤالٍ يلد سؤالًا،
وكل طريقٍ ينتهي إلى مرآة،
تعكسني مشوّهًا، مكسورًا، بلا بوصلة.

حاولت أن أجلب "حلولًا" للناس...
أن أقدّم لهم الماء في صحراء،
والنور في الزحام...
لكنّي اكتشفت متأخرًا،
أنّي كنت أحمل سرابًا في كفّي،
ومصباحًا مكسورًا لا يضيء إلا داخلي... ويحرقني.

أنا محطّم.
صدقني... محطّم لأن بسمة غابت.

لم يعد الصواب صوابًا...
ولا الخطأ خطأ...

الضالّ صار هاديًا،
والعاقل صار مهرّجًا،
والمنطقي صار رجعيًا...

وأنا؟
مجرد جملة منسية في كتاب الحقيقة،
ورقة طارت من فصلٍ لم يُكتب بعد.

أُحببتُها...
يا الله، كيف أقولها بلا أن أبكي؟

أُحببت بسمة.
لا وجهًا، لا جسدًا، لا اسمًا في بطاقة.
بل أُحببت "بسمة" كما يُحبّ الغريق أول نَفَس،
وكما يحبّ السجين أول شعاع شمس.

كانت تضحك، فأسمع أصوات الناي في ضلوعي،
كانت تمشي، فأحسب الأرض تُزيّن نفسها تحت قدميها.

ثم رحلت...
كما ترحل الأحلام حين نستيقظ فجأة.
بلا مقدّمة، بلا وداع،
بلا حتى ارتعاشة ارتباك.

سلبت مني القدرة على الفرح...
بعد رحيلها، ضحك الناس كثيرًا...
ولم أضحك.

كنت قيسًا بلا ليلى،
وعنترًا يتيم العبلة،
وروميو شرب سمّه، ولم يمت...
بل عاش...
يعيش إلى الآن، لكنه ميت من الداخل.

أنا ابن مغمومة، لا لأني ابن مدينة...
بل لأني وُلدت من غمٍّ اسمه:
"بسمة ما عادت هنا."

أنا الذي ظنّ أنه نبيّ المعنى،
فإذا به تائهٌ في فراغ المعنى.

قل لي يا ظلّي، قل لي...

هل أخطأتُ لأني حلمت؟
هل ضعتُ لأني أحببتها؟
هل انكسرت لأني تمنّيت أن أكون نجاتها،
فكنت مجرد عابرٍ في ليلها؟

وبدل أن أبحث عنها...
وجدت نفسي أبحث عن الإنسان،
عن عاطفةٍ تشبه الإعصار،
تجتاح كياني ولا تعتذر.

بحثت عنها في المدن،
في المقاهي،
في العيون المرهقة،
في الكتب التي لم تُكتب بعد...

لكن لا أحد يشبهها.
ولا أحد يملك تلك الرِقّة
التي جعلتني أظنّ أن قلبي وطن،
ثم صار منفى.

الليل طويل،
والضوء وهم،
وقلبي خريطةٌ ممزّقة،
كل جهة فيها تكتب:

"بسمة... ليست هنا."

ولا أنا.


---

وهكذا، ظلّ ابن مغمومة على التل، لا يبرحه.
فمن عرف بسمة، لا يدخل بعدها مدينة.
ومن عرف الفقد، لا يعود كما كان.

 

 *****

 

نهاية الرحلة: 

"مدينة عَفْو... التي لم تكن"
الفصل الأخير من سِفري، أنا ابن مغمومة



ما أغرب قلبي… يهرب لا إلى بلاد، بل إلى خيالٍ في هيئة مدينة.
وما أغرب رأسي… يخترع المدن كأنما يداوي بها وجع مكانٍ واحد، مكان يسكنني ولا أسكنه.

كنتُ هناك، على عتبة منزلي الطيني، في مدينتي التي تُدعى "مغمومة"، أنظر إلى الزقاق نفسه، الوجوه نفسها، القطط ذاتها تموء عند العتمة، والمآذن ترفع صوتها لا لتوقظ الروح، بل لتُذكّرنا أن الزمان لا يتغير حين لا نغيّره.

ظننت أنني طُردت من هذه المدينة، وأنني سرت على قدميّ، مطرودًا كمنفى صغير يمشي، حتى بلغت مدينةً اسمها "عَفْو"...
لكني لم أتحرك شبرًا. كنتُ جالسًا هنا، كل هذا الوقت، فيما عقلي يرتّب فصول الخيال على هيئة رحلة.

رأيت "عَفْو" كأنها يوتوبيا تسرّبت من حكايات أفلاطون،
رأيت مدينةً لا تعرف الغلّ، لا يعلو فيها أحد على أحد، لا كبير قططٍ فيها ولا فقهاء يشدّون الناس إلى قبورٍ مفتوحة على الكتب الصفراء.
مدينة يتكلّم فيها العلماء بلسان الزمن، لا بلسان التراث المجفّف.
مدينة قيل لي فيها إنّ البدعة ليست لعنة، بل احتمال،
وإنّ الغناء ليس فاحشة، بل حالة إنسانية.

في "عَفْو" التقيت ابن مغماس… لم ألمسه، لكني سمعته، كأن صوته جاء من صفحةٍ لم تُكتَب بعد.
قال لي:

> "لا تفتي في حياة لم تعشها."
وهزّتني كلمته كأنها برقٌ في ليل طويل.



هناك، رأيت الأدباء يكتبون للشارع، للمقهى، للطفل الذي يبكي دون سبب، وللأم التي تحيك الصبر خيطًا خيطًا.
سمعت الناس يضحكون في مسرحية "في انتظار غودو" —
ضحكًا مرًّا، عميقًا، مثل مَن اكتشف متأخرًا أنه كان ينتظر سرابًا.
قال أحدهم ضاحكًا:

> "الانتظار؟ أخو الاحتضار."



وفي ساحة المدينة، وقف رجلٌ بسيط، لا على منبر، ولا يحمل راية، قال:

> "لسنا خير الأمم… نحن أمة من الأمم، نُخطئ، نُصلح، ونموت."
لم يكفّرْه أحد. لم يُشهِرْ عليه أحد سيفًا ولا حبرًا.



ورجل آخر أشار إلى صدره، لا إلى بندقية، وقال:

> "الجهاد؟ أن تُرمم ذاتك، لا أن تهدم الآخرين. أن تُصلح قلبك، لا أن تقيم حدًا على كل من اختلف عنك."



وآخر، رجلٌ تائب، لا لحيته طويلة ولا عمامته كبيرة،
قال بصوتٍ من حزنٍ:

> "تبتُ عن السرقة، عن النفاق، عن غضّ البصر عن فساد أعرفه… هذه توبتي، إن قبلتْ."



كل ذلك رأيته، سمعته، عشته… حتى أيقظني الهواء على وجهي.

فتحت عينيّ فوجدتني كما كنت:
على عتبة منزلي.
في "مغمومة".
لم أرحل.
لم أغادر.

الكل كما هو.
الوجوه نفسها.
الصمت نفسه.

فهمتُ، فجأة، أن المدينة التي زرتها لم تكن إلا في داخلي،
رحلة داخل عقلي المتعب…
لكنها لم تكن كذبة،
بل كانت خريطة.

نعم، خريطة لمكانٍ لم يُبْنَ بعد… لكن يمكننا أن نبنيه.
في هذا الشارع.
في هذا الحيّ.
في هذه البلاد التي نسينا كيف نحلم فيها.

وقفتُ، ومسحت عني غبار الأمل، وقلت لنفسي:

> "إن لم تكن ‘عَفْو’ موجودة…
فلنكن نحن أهلها."


النهاية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...