بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 10 نوفمبر 2022

ناكور

 


 

ناكور

في غابة مجهولة من بلاد الوقاق
كان هناك طيرٌ يُدعى ناکور، يتعالى على باقي الطيور ذات الأصل المنحط، ويطلق عليهم "العصافير الحقيرة". كان يتباهى بنفسه ويزهو، فارداً جناحيه في الهواء الطلق، يحكي تاريخ أجداده الذين نازعوا النسور، وغلبوا الصقور، وتراشقوا مع البوم. دوماً يعتز بفصيلته الأصيلة وكريم محتده.

لكن ضاق بقية الطيور ذرعًا به، وهجرته مليًا، فأصبح وحيدًا بلا صاحبٍ ولا مؤنس. قرر عندئذٍ الهجرة، قائلاً: "طيور لا تعرف مقام الكبير والعظيم وصاحب السؤود، بينها طيور تافهة، وحتى الحشرات التي تلتهمها أعرق وأصالة منها!"

حلق بعيدًا نحو المجهول، شاقًّا صدر السماء، عابرًا البحار والقفار، حتى بلغ مدينة كبيرة، بل عاصمة مكتظة بالحركة، تعجُّ بالناس وأصوات أبواق السيارات يكاد يُصمُّ الآذان، ودخان المصانع يكاد يفسد الجو والأبدان. كانت الرياح عاتية، لذا لم يجد ناقور مناصًا من البقاء في المدينة برهة من الزمن.

أبصر نافذة خشبية مفتوحة على مصرعيها، مكانًا يُنفع لنوم عميق بعد سفر طويل. وما إن حطت قدماه الحقيرتان على حافة النافذة حتى شاهد بداخل الغرفة قفصًا ذهبيًا، وبداخله طائرٌ من نوع الشحرور الأسود، مطأطأ الرأس يسبح الواحد القهار.

قال ناكور في نفسه: "ما هي قصة هذا الطائر المسجون؟ كل الطيور طليقة، لماذا هذا الطائر أسير؟"

طار نحو القفص الذهبي اللامع، بينما كانت الغرفة متوهجة من ضوئه البراق. لكن داخل القفص، كان الطائر بين الحياة والموت، ولم يجذبه القفص الذهبي، إذ كانت الحرية أغلى من كنوز الدنيا، هذا ما يدور في خلد الشحرور.

تقدم ناكور، وراح يقول بلغة الطيور: "أيها الشحرور الأسود، ما الذي جعلك حبيس القفص؟ ماذا جنيت حتى توضع هنا؟"

رد الشحرور: "منذ نعومة أظفاري لم أسبح في الفضاء بجناحي. هل ترى الجناحين الأسودين؟ ليست لهما فائدة أبدًا. لكني تعلمت من بقائي الصبر والتجلد، ويحدوني الأمل أني سأخرج من هنا."

هنا قال له ناكور هازئًا به وبكبرياء: "لا أعتقد ذلك. من هم على شاكلتك ليسوا أهلاً للخلاص، بل هنا مكانهم وراء القضبان."

أخذ يستعرض أمام الشحرور قائلًا: "انظر كيف هي الحرية للأسياد الذين من منبت ومرجع. فالحرية ليست لك أهلاً!"

رد الشحرور بوقار ونبرة إيمانية: "اتقِ الله! واخرج من هنا! قد تأتيك مصيبة لا تدري عن وجهتها!"

راح ناكور يستعرض غير آبه بكلامه. وعلى حين غرة، هبت رياح عاتية شديدة، فتقفلت مصاريع النافذة بشدة، وأصبح الاثنان في الغرفة. جعل ناقور يتخبط في سماء الغرفة، ليس له مهرب، بينما ظل الشحرور رزينًا في قفصه الذي تحرك قليلًا بفعل الرياح. ومن شدة انغلاق النافذة، استيقظ صاحب المنزل، صائد الطيور، الذي رأى ناقور وتعجب لطائر غريب من بلاد الوقاق، حيث لا يصل إليها إنسان، وطيرها غريب ونادر.

جلب الصياد شباكه، واصطاد ناقور الذي استسلم له بسهولة. عندئذٍ، فتح باب القفص الذهبي، مما جعل الشحرور يطير بعيدًا، وأحلَّ مكانه ناقور، الذي أصبح حبيس القفص الذهبي!


---

الحواشي:

1. ناكور: اسم الطائر، يُعبر عن الكبرياء والتعالي.


2. الشحرور: طائر معروف بصوته الجميل وألوانه الداكنة.


3. بلاد الوقاق: مكان خيالي يُستخدم في القصة.


4. القفص الذهبي: رمز للحرية المفقودة.




 
 


في غابة مجهولة من بلاد الوقاق واق عاش طير يدعى ناقور الذي كان يترفع عن العصافير ذات الاصل المنحط و يطلق عليهم العصافير الحقيرة يتباهى بنفسه و يزهو طائرا فارد جناحيه في الهواء الطلق يحكي تاريخ اجداده الذين ناجزوا النسور ,و غلبوا الصقور ,و تراشقوا مع البوم .دوما يعتز بفصيلته الاصيلة و كريم محتده!!

 انه ناقور الذي ضاقت به الطيور ذرعا و هجرته مليا و امسى وحيدا بلا صاحب ولا مؤنس فقرر عندئذ الهجرة قائلا:

طيور لا تعرف مقام الكبير و العظيم و صاحب السؤود بينها طيور تافه و حتى الحشرات التي تلتهمها أعرق و اكثر أصالة منها ...

حلق بعيدا نحو المجهول شاق صدر السماء عابرا البحار و القفار حتى بلغ مدينة كبيرة بل هي عاصمة مكتظة بالحركة تعج بالناس و اصوات ابواق السيارات يكاد يصم الاذان و دخان المصانع يكاد يفسد الجو و الابدان و كانت الرياح عاتية لذا لم يجد ناقور مناص من البقاء في المدينة برهة من الزمن!!
ابصر شباك خشبي مفتوح على مصرعيه مكان ينفع لنوم عميق بعد سفر طويل .

و ما أن حطت قدماه الحقيرتان على حافة الشباك حتى شاهد بداخل الغرفة قفص ذهبي و بداخله طير من نوع الشحرور اسود اللون مطأطأ الرأس يسبح الواحد القهار.

قال ناقور في نفسه:
ماهي قصة هذا الطائر المسجون ؟ كل الطيور طليقة لما هذا الطائر اسير؟

طار نحو القفص الذهبي الامع تبدو الغرفة متوهجة من ضوئه البراق مع ذلك كان داخل القفص طائر بين الحياة و الموت لم يجذبه القفص الذهبي ولا لمعانه الحرية اغلى من كنوز الدينا هذا ما يدور في خلد الشحرور .

تقدم ناقور وراح قائلا بلغة الطيور:
ايها الشحرور الاسود ما الذي جعلك حبيس القفص ؟ماذا جنيت حتى توضع هنا؟

قال الشحرور:
منذ نعومة اظفاري لم اسبح في الفضاء بجناحي هل ترى الجناحان الاسودان ليست لهما فائدة ابدا؟ لكني تعلمت من بقائي الصبر و التجلد و يحدوني الامل أني سوف اخرج من هنا.

هنا قال له ناقور هازئا به و بكبرياء:
لا اعتقد ذلك من هم على شاكلتك ليسوا اهلا للخلاص بل هنا مكانهم وراء قبضان.

اخذ يستعرض امام الشحرور قائلا :
انظر كيف هي الحرية للاسياد الذين من منبت و مرجع فالحرية لست لها اهلا ؟
قال الشحرور بوقار و نبرة ايمانية:
اتقي الله! و اخرج من هنا ! قد تاتيك مصيبة لا تدري عن وجهتها!
راح ناقور يستعرض غير ابائه لكلامه.على حين غرة هبت رياح عاتية شديدة من جرائها تقفلت مصارع الشباك بشدة و اصبح الاثنان في الغرفة جعل ناقور يتخبط في سماء الغرفة ليس له مهرب و الشحرور رزين في قفصه الذي تحرك قليلا من الرياح و كان من شدة انغلاق الشباك ان استقيظ صاحب المنزل صائد الطيور الذي رأى ناقور و تعجب طائر غريب من بلاد الوقاق التي لا يصل اليها انسان طيورها غريبة نادرة جلب الصياد شباكه و اصطاد ناقور الذي استلم له بسهولة و عندئذ فتح باب القفص الذهبي جاعلا الشحرور يطير بعيدا و أحل مكانه ناقور اصبح ناقور حبيس القفص الذهبي!!!



مرايا الضمير




                          **مرايا الضمير**

أخذت الأفكار تدور في رأسه مثل الزوابع. لقد خالجته أحاسيسٌ وأعاصيرٌ اجتاحت كل كيانه، وراح يذرع حجرته ذهابًا وإيابًا، والأفكار تنهمر على رأسه مثل شلالٍ هادر. قال في نفسه: "إن السيد طريد ينتظرني على أحر من الجمر..."

تأفف، ثم أردف قائلًا بصوتٍ عالٍ: "لكن الذي بين جوانحي يعذبني كأن به أشواكًا مغروسةً تقض مضجعي. هل أتبع عقلي أم أتراجع إلى راحة البال وسكون الضمير؟"

دقت الساعة مشيرةً إلى التاسعة صباحًا. استيقظ من هذا الصراع الداخلي، أخذ يرتدي ملابسه، لقد نسي أن يفرش أسنانه وأن يسرح شعره كالعادة. ما الذي يشغل قلب مجبور؟ وعندما تأهب للخروج من شقته الصغيرة، وقف قبالة الباب ينظر إلى الوراء، يفكر: هل يعود أم يتقدم؟ عادت له دوامة الصراع. في آخر المطاف، مضى قدمًا وفتح الباب، وما إن خرج حتى رجع إلى داخل الشقة وأغلق الباب خلفه بقوة غريبة جعلت الجيران يفزعون ويهرعون للخروج، لكنه لما دخل وجد كتابًا قديمًا، أوراقه ممزقة وقد طلاه الغبار والتلف في جوانبه. كان عنوانه "الضمير" واسم المؤلف "حي بن أمين آل صادق". أخذه وخرج، وعيون الجيران ترقبه. هذه هي المرة الأولى التي يفعل فيها ذلك. حتى جاره تقدم لكي يتكلم معه، لكن مجبور كان مندفعًا مثل الصاروخ.

استقلّ مجبور الحافلة، والغريب في الأمر أن الركاب كانوا قلةً على غير المعتاد. جلس في مقعدٍ بمحاذاة الزجاج، ينظر والكتاب بين يديه. لما حمله معه لا يدري، لكن صوتًا ما جذب انتباهه. كان صوت أنثى بصحبة ابنها الذي يجلس بجانبها وراء مجبور، وراحت المرأة قائلة: "استمعت لكلام الطبيب، ولابد أن تطبق كلامه، وتذكر لمن قال: كن مثل النخلة ترمى بالحجارة وتنزل الثمر الطيب."

قال الولد مستفهمًا: "وكيف ذلك يا أمي؟"

قالت الأم: "لا تتصارع مع أقرانك من الأولاد فقط لأنك مختلف عنهم. صمّ أذنك عن كلامهم، أنت تعلم يا بني أن أباك قد وُرى الثرى، وأنا امرأة فقيرة أعمل من أجلك!"

قال الابن: "أنت أغلى ما عندي في الدنيا يا أمي."

استمر دوران إطارات الحافلة تلف الطرقات المعبدة، وتقف عند محطات متنوعة كي يصعد ركابٌ أو ينزل ركابٌ، الحافلة مثل الدنيا، تصعدها ناسٌ وتنزل منها آخرون. وعند حي البائسين نزلت الأم وابنها ممسكًا بيدها، وهي تعطيه قطعة حلوى كانت جوزًا من العيون، تتبع خطاهما، إنها بؤبؤ عيني مجبور الذي فتح الكتاب على الفهرس وقرأ:

1. أهمية الضمير في المجتمع البشري.
2. كيف ترضي ضميرك؟
3. ما هو الضمير؟
4. متى يموت الضمير؟
5. هل صاحب الضمير الحي بسيط وساذج؟

وضع يده على صفحة "متى يموت ضميرك؟" وما إن أخذ يبحث عنها حتى صادف الحافلة مطبًا جعل الكتاب يقفز من بين يده ويختل توازنه، سقط الكتاب على أرضية الحافلة. وعندما هدأت الحافلة، تعالت أصوات الركاب على السائق بأن يقود الحافلة بصورة أكثر هدوءًا. وقعت عينه وهو يحمل الكتاب على فتاة يبدو أنها ما زالت تدرس، كانت تتحدث نفسها باكية: "سيقتلني أهلي إن علموا أني لم أذهب إلى المدرسة!! وأني خرجت بصحبة ابن الجيران الذي سلبني شرفي. أصبحت كذبيحةٍ لم يُكمل جزها، تضطرب بلا فائدة! يا ليتني لم أفعل. كيف أواجه أبي وأمي؟!!"

أخذت تنشج ومن آماقي عينيها تذرف العبرات الساخنة. ومجبور ظل على الأرض، مع أنه حمل الكتاب، لكنه قام وجلس في المقعد الذي خلف الفتاة، فلقد كان فارغًا، لكن الفتاة كانت في حالةٍ يرثى لها، حقيبتها ما زالت برفقتها. تابعت تحدث نفسها: "الطبيب أكد لي أني حبلى؟! أه، أه حبلى بمصيبة بين أحشائي، وابن الجيران قد ولّى هاربًا، أبلغ أباه بأنه يريد أن يكمل دراسته في الخارج. ما هو ذنب هذا الطفل؟ ذنبه أني سلمت نفسي؟!"

أخذت تضرب وجهها بكلتا يديها حتى طلبت من الحافلة أن تقف وأن تنزل عند حي الشرفاء، وعينا مجبور تتبعان خطاها وهي طفقت تجري باكية.

توارت الحافلة التي تحمل على متنها أطيافًا وفسيفساء من البشر، وعلى مقاعدها قصصٌ ثرى، بعضها رُوي وبعضها لم يُروَ بعد. فالإنسان هو الكائن الحي الذي لا تسبر غوره ولا تعرف ما الذي يسكن بداخله من أفكار، لأنه يخرجها إما أفعالًا أو أقوالًا، وها هو مجبور يصطحبنا معه في رحلته التي نجهل أمرها ونبتغي معرفة سرها المكنون.

بدأ يقرأ الكتاب، وقاطع التذاكر في الحافلة يجول ويصول. وبما أن مسافة رحلة مجبور بعيدة، فضل أن يأخذ منه الأجرة مبكرًا. وقف عنده قائلًا: "ادفع الأجرة.. أدفع.. أدفع.."

كانت عينا مجبور في سطور الكتاب عند فقرات معينة يقرأ: "لا تدفع بضميرك لأحد من الناس وكأنه سلعة تباع وتُشترى..." ولما سمع كلمة "ادفع" من قاطع التذاكر، بادر مجبور الرجل قائلاً: "لن أدفع لك بضميري.. لن أدفع... لن أدفع..."

مسك المحصل بخناق مجبور قائلاً: "مخادع كذاب في حافلتي.." نادى بصوته الأجش على السائق أن يقف عند أقرب مركز الشرطة.

قاطعه مجبور قائلاً: "المعذرة!! اترك ملابسي، لقد أخطأت الظن بي. كنت أقرأ فقط، وتستطيع أن تقرأ الفقرات، وسرحت في الأفكار، ولم أسمعك جيدًا." أخرج مجبور النقود ونقدها المحصل الذي قال: "لا ترني السطور لأني لست من أرباب المدارس. وما الذي ستجنيه من الكتاب؟ قضيت جل عمري أكدح في تربية أولادي وأعلمهم، والآن هم لم يجدوا العمل، وأنا الذي بلا شهادات ولا مؤهلات أصرف وأجمع الدراهم حتى ألم شتاتهم؟ دعني من الكتب والمطابع، في وطني خاسرة من دون شك، لأن ما من أحد يقرأ، وأنا أمامك خير مثال."

جلس مجبور على مقعده وقد أغلق الكتاب، لقد كانت قبضة يد المحصل شديدة كأنه كان أرنبًا بين مخالب صقر جارح، كاد يختنق، أخذ يسعل حتى توقفت الحافلة فجأة. كف عن السعال، لقد كان المحصل يمسك بخناق صبي رث اللباس، كان المحصل يجره بقوة حتى رمى به من باب الحافلة على بقعة ماء في وسط الشارع قائلاً: "اغرب عن وجهي أيها المتسول الكريه!! ليست الحافلة جمعية خيرية حتى تتسول فيها، ألم تجد في الطرقات أحدًا يعطيك حتى تصعد حافلتي؟"

قال المتسول: "إخوتي بلا طعام، تركتهم في الدار، وأمي امرأة مريضة طريحة الفراش. لم أجد عملًا، ساعدني لوجه الله."

أردف المحصل بنبرة حانقة: "انصرف قبل أن أستدعي الشرطة!!!"

مضت الحافلة مسرعةً والمتسول الصغير يحاول أن يجفف ملابسه الرثة المبللة بالماء، وعينا مجبور تلاحقانه. كان حاله يقطع نياط القلب. وقرأ مجبور لوحة معلقة على حائط بيت عتيق مكتوب عليها: "حي المتسولين".

وعند المحكمة، توقفت الحافلة وهي آخر محطة تقف عندها الحافلات. نزل مجبور مثقل الخطى، أنفاسه تتطارد كأنه كان يجري في سباق الماراثون. يبدو على ملامحه التعب والإعياء، ما الذي جرى له مجددًا؟ وكان المحصل خلفه يسير بخطى حثيثة، توقف عنده قائلاً: "يا أخ!! خذ كتابك، لقد نسيته!!"

تأبط الكتاب وراح يمشي

، فإذا به ينظر إلى ملامح المواطنين الذين يتجولون أمامه، انشغل بمراقبتهم، فتأمل تلك المرأة التي تتوسل في الشارع، وذاك العجوز الذي عجز عن الصراخ من شدة الألم، وأيضًا تلك الطفلة الصغيرة التي تحمل على عاتقها كيسًا ثقيلًا، مما يجرح أنفاسه.

كلما نظر في الوجوه، يتذكر أولئك الذين ضحوا من أجله ومن أجل عائلته، وما زال في أعماقه القلق العميق حول مصير أولئك الذين يُعدّون أخوة له. لقد شعر وكأن النار تشتعل في قلبه، لأنه لم يكن بمقدوره مساعدتهم. أخذ يفتش في جيوبه عله يجد فلسًا ينقذ به أحدهم، وإذا به يفاجأ برجلٍ يحاول سرقة حقيبة امرأة مسنّة. اندفع نحوهم قائلًا: "لا تفعل، لا تفعل!" وركل السارق ركلةً جعلته يسقط على الأرض.

لكنه شعر بشيء غريب ينمو في صدره، كيف نُحيل هذا الخوف والفزع إلى فعلٍ يتجاوزنا، ويغمرنا بحس إنساني صادق؟ ماذا لو تجرأت يومًا على مواجهة ما يجري حولي؟ ماذا لو أقمت بعملي هذا؟!

تسائلت: كيف يُغفل الناس واقعًا واضحًا من الألم والمعاناة في بلدي؟ وكيف يكون الجبن والخوف عنوان حياتهم؟ أليس من الأجدر أن نعيش معًا في حقيقية محضة بدل الهروب إلى أحلام لا تنتهي؟ فكر كثيرًا حتى أدرك أن سطوة الضمير إذا تحررت ستعبر بالمجتمع برمته إلى بر الأمان.

ودفعت حواسه إلى أن يُعيد قراءة الكتاب بعد أن أشعلت أفكاره. حينها أدرك أنه مهما كان الشك والكلام المخادع يُدور حوله، فلا بد من تحريك الضمير.

حينها قفز من فكره: "ألا يكفي؟" وأخذ يسير نحو الباب الذي يبدو كأنه أبواب الجحيم. أخرج جملة من جوف صدره: "سأكون ما يريده قلبي، سأبحث عن سبيلي، سأجعل من الضمير رفيق دربي..."

استدار نحو حشود الناس التي تجري إلى اليمين واليسار وكأنهم يهربون من شيء مرعب. لكن لم يكن ذلك ما يثنيه، بل زاد من عزيمته. ولم يكن يدري أن بداية انتفاضة ضميره ستكون انطلاقة جديدة لرؤية الحياة من منظورٍ مغاير، وما إن نظر إلى عينيه على الحائط عندما استدارت عليه شمس الأصيل، فكانت تشع طاقتها ليقول بصوتٍ مسموع: "يا أيها الضمير، هيا بنا نبدأ من جديد."

---

**حواشي:**
1. يتحدث النص عن عمق الصراع الداخلي الذي يعيشه البطل، مما يبرز أهمية الضمير والقيم الإنسانية.
2. استخدم الوصف الحي ليعكس مشاعر الشخصيات ويجعل القارئ يتعاطف معها.
3. يسلط الضوء على موضوعات مثل الفقر والعدالة الاجتماعية وأهمية الضمير.



الأحد، 9 أكتوبر 2022

العندليب و الوقواق

 

 العندليب و الوقواق


 




تحت ظلال شجرة كثيفة الأوراق، كان العندليب يشدو بأعذب الألحان، صوته ينزلق بين الأغصان كجدول رقراق، يتراقص معه الهواء ويتهامس حوله النسيم. لكن في لحظة خاطفة، اخترق صوته الحنون صوت مدوٍّ لطلقة نارية، تردد صداها بين الأغصان، مزّق السكون، وأعقبه سقوط مفاجئ. تهاوى العندليب كوريقة يابسة في مهب الريح، سقط على الأرض متألماً، جناحه يرتجف وساقه تنزف، لكن الطلقة لم تصبه في مقتل، لقد مسته بجانب ساقه فقط، غير أنها كانت كافية لإسقاطه أرضًا، عاجزًا عن الطيران، فريسة سهلة للقدر القادم.

أخذ العندليب يتلوى على الأرض، عينيه الواسعتين تجوبان الأفق بحثًا عن منقذ، عن معجزة قد تأتي من الغيب. لم يكن وحده، فهناك، فوق الغصن ذاته الذي سقط عنه، وقف طائر الوقواق يرمقه بنظرة باردة، لا مشاعر فيها، كأنما يرى حجراً لا كائناً حيًا ينزف. كان الوقواق متكئًا على الغصن، ينظر بتعالٍ، كأن المشهد لم يثر فيه شفقة ولا اكتراثًا.

بصوت متحشرج، قال العندليب مستغيثًا:
"أيها الوقواق! ألم ترَ ما حدث؟ ألا تمد لي يد العون؟ أرجوك، لا وقت لدينا، الصياد يقترب!"

ابتسم الوقواق بسخرية وقال بصوت خفيض، كمن يتلذذ بالموقف:
"لكن، ألم تخبرني منذ أيام أنك رأيت في منامك أنك تأكل الملح؟"

تجمّد العندليب لوهلة، عيناه تومضان بدهشة بين ألمه. قال بتوجع:
"بلى… لكن، ما علاقة هذا بما يحدث الآن؟ هذا ليس وقته، الصياد قادم!"

ضحك الوقواق بخفة وهز جناحيه وكأنه يهمّ بالطيران، ثم قال بتشفٍّ:
"إن تفسير حلمك واضح، يا مسكين، فأنت محسود ستنفق ميتًا ميتة لا يحسدك عليها أحد! أما علمتَ أن طيور الوقواق لا تساعد أحدًا؟ نحن لا نساعد إلا أنفسنا."

أحسّ العندليب بمرارة الحقيقة تنهال عليه أكثر من الألم نفسه. تذكر ما سمعه عن أنانية الوقواق، لكنه رفض تصديقه من قبل. والآن، وهو هنا، مستلقٍ على التراب، عاجزًا، أدرك أنه كان مخطئًا. تنهد بألم وقال، كأنه يخاطب نفسه أكثر من الوقواق:

"وإني لا أستحق سوى اللعنات، لأني وثقت بك… كم حذرتني الطيور من أنانيتك، لكني كنت أردد قول الشاعر:
يكذب فيك كل الناس قلبي
وتسمع فيك كل الناس أذني
وكم طافت علي ظلال شك
أقضّت مضجعي واستعبدتني"

لكن الوقواق لم يهتم، بل طار بعيدًا، تاركًا العندليب يواجه مصيره وحده.

لم يكن أمام العندليب سوى الأمل، ذلك الأمل الهش الذي يتمسك به كل من ضاق عليه الخناق. كانت خطوات الصياد تقترب، الأرض تهتز تحت وقع قدميه، ظلّه بدأ يمتد على العشب، والبندقية تلمع تحت أشعة الشمس.

ثم، فجأة، حدث شيء لم يكن في الحسبان!

من العدم، ومن بين الأغصان الداكنة، انقض غراب أسود كالفحم، جناحاه واسعتان، كأنهما ستاران للظلام نفسه. اندفع بسرعة البرق، وبحركة خاطفة التقط العندليب بين مخالبه، ثم ارتفع في السماء، مخترقًا الريح بقوة.

رفع الصياد بندقيته محاولًا التصويب، لكن الغراب كان أسرع من أن يدركه. استدار مبتعدًا، محلقًا نحو الأفق، صوته العميق يخرق الصمت، وقبل أن يختفي، قال للعندليب بصوت هادئ، أشبه بالريح الهامسة:

"ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكنت أظنها لا تفرج."

أحس العندليب بالهواء يلفح جناحيه الجريحين، شعر بحرارة الحياة تتدفق في عروقه من جديد، لكنه لم يصدق بعد ما حدث. أخذ يحدّق في الغراب بدهشة، يراقب ريشه الأسود يلمع تحت أشعة الشمس المتسللة من بين السحب. تنفس الصعداء، وهو لا يزال بين مخالبه، ثم قال بصوت ضعيف لكنه ممتلئ بالذهول:

"من أين أتى هذا الغراب؟! كان قدري أن أموت هكذا، وتفسير الحلم قال ذلك!"

ابتسم الغراب ابتسامة غامضة، وقال وهو يحلق نحو الأفق البعيد:
"الأحلام، أيها العندليب، ليست إلا ظلالًا لما يمكن أن يكون… وليس لما يجب أن يكون."

اختفى الاثنان في الأفق، تاركين خلفهما شجرة غادرها صوت العندليب، ووقواقًا لم يبق له سوى الصمت

النهاية.

الجمعة، 19 أغسطس 2022

كش عليك

 

Mountza

كش عليك أو مالت عليك (يونانية)



تُعتبر الإيماءات الجسدية جزءًا مهمًا من تواصل الإنسان عبر الثقافات المختلفة، وقد تحمل معاني ودلالات متنوعة، بعضها إيجابي وبعضها سلبي. واحدة من هذه الإيماءات التي تحمل تاريخًا طويلًا ومعانٍ متعددة هي إيماءة "مونتز" أو "فسكلوما" (Mountza) التي استخدمها اليونانيون، وهي حركة تتمثل في فتح راحة اليد كاملة وإشارة إلى الشخص الآخر، إما بيد واحدة أو بكلتا اليدين، متبوعة بعبارات مثل "خذ هذه" أو "هذه لك". ورغم أن هذه الإيماءة قد تبدو عابرة، فإنها تحمل دلالات تهديدية واهانات قوية في العديد من الثقافات.

تعود هذه الإيماءة إلى العصور القديمة، حيث كانت تستخدم كاللعنة في طقوس "أسرار أليكسيس" الإلهية، وهي طقوس كانت تهدف إلى تجنب قوى الشر. في تلك الفترة، كانت تمثل نوعًا من التحذير أو اللعنة التي توضع على الشخص المعني. مع مرور الزمن، تطورت هذه الإيماءة وتحولت إلى أداة للتعبير عن العار في بعض الحضارات.

في العصر البيزنطي، أخذت الإيماءة اسم "مونتز" وكانت تُستخدم كعقوبة للمذنبين، حيث يُجلس الشخص المذنب فوق ظهر حمار بشكل مقلوب، ويُغطى وجهه بالرماد كعلامة على العار. وفي حضارة بلاد ما بين النهرين (العراق حاليًا)، كانت تستخدم للإشارة إلى أن الشخص يستحق العار والشَّر.

أما في منطقة الخليج، فإن هذه الإيماءة تستخدم بشكل خاص بين النساء كوسيلة للتعبير عن الإهانة. وفي السند (باكستان حاليًا)، تُعرف الإيماءة باسم "بنده"، وتُستخدم كطريقة لمنح اللعنة أو التهديد. وفي التسعينيات في أمريكا الشمالية، انتقلت الإيماءة لتصبح جزءًا من الثقافة الشعبية، حيث استخدمها الناس للدلالة على رفض الحديث مع شخص ما أو "آخرس"، وذلك من خلال العبارة الشهيرة "Talk to the hand" أو "تحدث إلى اليد".

تُظهر هذه الإيماءة كيف يمكن أن تكون الإشارات الجسدية عابرة للثقافات، وتحمل معانٍ مختلفة تؤثر على العلاقات بين الأفراد والمجتمعات عبر الزمن.

الثلاثاء، 19 أبريل 2022

عندما تزهر القاهرة

 عِندما كنت في القاهرة ؟!


في القاهرة الخديوية 


القاهرة الخديوية هي المنطقة التي شيدها الخديوي اسماعيل باشا لقد جلب المهندسيين الفرنسيين و الايطاليين و قد تولى التصميم الفرنسي (جورج أوجين هوسمان) مهندس و سياسي فرنسي خطط مدينة باريس و القاهرة الخديوية 

اختاره نابليون الثالث لمهمة تجديد مدينة باريس مع ان الانتقادات طالته مما اجبرته هذه الانتقادات اللاذاعة الى الاستقالة الا ان رؤيته في بصمته في تخطيط مدينة باريس لازالت واضحة المعالم بعد سرت فوق (كوبري النيل) حتى بلغت تماثيل الاسود الرابضة على مدخلي الجسر في مقابلة تمثال سعد باشا  لم ارهف مسمعي الا للاسود تزأر لكل من مشى فوق هذا المعبر الشامخ تذكره بتاريخ يمتد الى 134 عام انها مصنوعة من البرونز بطول (406 أمتار) وعرض (10,5 متر) منها (2,5 متر) للرصيفين الجانبيين وطريق بعرض (8 أمتار).


وقفت حيال تمثال سعد باشا  وهو يردد بصوت عال قائلا:

يجب أن ننقاد للقانون وأن لا نعتبر الانقياد إليه مهانة ومذلة بل عزًّا وشرفًا.

هكذا قال لي تمثال سعد زغلول باشا :

.“نحن نحب الحرية ، لكننا نحبها أكثر مما ينبغي أن تستخدم في مكانها”

هذا الرجل هو سياسي مخضرم و قائد مصري عظيم دخل في بوابة التاريخ منتصرا لحقوق الشعب المصري السياسة و حقق الاستقلال لمصر و كان علامة بارزة في التاريخ المصري الحديث 

الا اني نظرت اليه يجيل بصره نحو كوبري قصر النيل مشيرا بيده قائلا :


(إنني من أنصار تحرير المرأة، ومن المقتنعين بهذا الأمر، لأنه بغير تحرير المرأة لن نتوصل لبلوغ غايتنا في التحرر ).


ما ان نظرت خلفي حتى رأيت السواد قد تلحفت به النساء و انحسرت عن الأعين مصر  (قاسم أمين) في كتابه ( تحرير  المرأة ) لقد اختفت مصر (صفية زغلول) و (هدى شعراوي)

اكملت طريقي نحو مجمع التحرير حتى اخلص اوراق بقائي في مصر لقد مررنا في طريقنا بتمثال برونزي لرجل يقف شامخا و مكتوب عليه سيمون بوليفار الذي حرر أمريكا اللاتينية من نير الاستعمار و كان يقول:


(اذا كانت الحروب خلاصة كل الشرور ، فالاستبداد خلاصة كل الحروب)


يقع ميدانُ سيمون بوليفار في قلبِ القاهرة، عاصمة جمهورية مصر العربية، ويوجد تحديداً في الجاردن سيتي، وفي المسافة التي تَقَع ما بين ميدان التحرير وكورنيش النّيل، الذي يبدأ من جهة فندق سميراميس وفندق شبرد. 



كنت أقرأ أفراح القبة رواية نجيب محفوظ في جوف سيارة التاكسي الا اني سمعت صاحب التاكسي وهو يقول لي :


هنا حدائق القبة بالقرب من مسجد كشك قلت له :


الشيخ كشك...


قال لي صاحب التاكسي:

انه كان شيخ عظيم مع انه ضرير الا انه يدعى فارس المنابر...

ما ان اقتربنا من المسجد حتى تناهى الى مسامعي صوت اجش يقول :

«هل من الإسلام أن يتساءل عبدالوهاب مندهشا أو معترضا، جايين الدنيا ما نعرف ليه؟، ألا يعلم الجميع لماذا جئنا إلى الدنيا وأننا إلى الله ذاهبون؟».


انه صوت الشيخ كشك يهاجم موسيقار الاجيال محمد عبدالوهاب ثم انبرى يهاجم عبدالحليم حافظ قائلا:

«هذا رجل كاذب لأن عنده أولاد ويعلم كيف جاء بهم فإنه مثلهم جاء من نفس الطريق».


من أجل اغنية لست ادري التي لحنها الموسيقار محمد عبدالوهاب.


الا صوت ازداد صخبا منقضا على كوكب الشرق  الست ام كلثوم يهاجمها قائلا:

"امرأة فى الستين تقف على المسرح وتقول: خدنى فى حنانك خدنى، عن الوجود وأبعدنى...

****




في قاهرة المعز التقت بصديق حميم أنه حمادة الذي كانت لي معه مواقف منوعة تصل بنا الى الضحك و ربما الى حد البكاء قد يكون ضحك بطعم البكاء أو بكاء بمذاق الضحك...


موعد غرام ام موعد فراق!!


مضينا الى (سيتي ستار) في مدينة نصر و كانت حبيبتي تعمل في محل هدايا اتيت انا و هو حتى اراضيها ذهب حمادة و طلب هدية و قال لها ان اسم من سيهديها هاجر و هو نفس اسمها استغربت الاسم لكني كنت في الخارج اراسله و هو يكلمني ادخل هذا الفعل في قلبها الشك كانت تمتاز بالذكاء و لما خرج لي بعدما اشترى الهداية التي كنت سوف اقدمها لها اذا خرجت من المجمع التجاري العملاق و اشار لي بالابهام بمعنى نجحنا لكنها كانت تسير خلفه و تتبع خطاه حتى راتني و جاءت لي مغضبة و قالت لي: الا عملي يا محمد و انتهى الذي بيننا...

نظرت الى صاحبي صار يضحك و انا لا ادري هل ابكي دما ام اضحك ملء شدقي..





فين المكوة؟

اختلاف اللهجة قد يصبح معيق لتواصل بين الشعوب احيان هذا ما حصل عندما خرج سعد من الحمام و كان صاحب مغسلة الثياب واقف عند الباب يطلب ثياب حتى يكويها لاننا نتعامل معه كان يقول:


فين المكوة؟


قال حمادة لسعد :

سعد فين المكوة بتعتك؟

قال سعد وهو حانق لي :

ماذا يقول هذا؟

لم اتمالك نفسي من الضحك 

ثم قلت له هو يقصد الثياب حتى يكويها.. 


المكوة في لهجتنا هي مؤخرة الانسان....و عند المصريين الثياب التي تحتاج للكوي..





صبري عليك طال!!

حمادة مع انه مصري الا ان قلبه كان مغربي و اذا تحدث بالسعودي لا تتصوره مصري ابدا ينطق اللهجة كانه تربى في ربوع نجد تعلمها من الذين عاشرهم اتذكر اغنية كلما سمعتها اجد صورته امامي لأنه كان يسمعها طوال وقته...

 

صبري عليك طال لرجاء بلميح المغربية 


صبري عليك طال 

و احتار فيك امري 

جفا و لا دلال 

خليت دمعي سال 

على الخد صار يجري


سعد و السنجاب!


التقيت بمحمد سعد مثقف مصري يحب التكنولوجيا هو خبير في عالم الحواسيب مع انه علم نفسه و لم يدرسها في المعاهد او المدارس و صار خبير عاش في تركيا فترة من عمره و زار بلدان كثيرة و جرب قهوة قهوة الكوبي لواك الاندونسية التي  تعد اغلى قهوة في العالم و ما هي الا روث السناجب كانت المرة الاولى التي اعرفها فيها....


سائق تاكسي ام برفيسور!!


ركبت مع صاحب سيارة اجرة مصري الذي خضت معه بحار العلوم حتى انه كان يغوص بي في الايات القرانية و يدقق في التفاسير و يظهر مثالب من يفسر القرآن من ظاهره فقط دونما النظر في خفاياه و تاريخ التنزيل يفسرون بلا تمعن لقد ركبت معه خفيف الاحمال من حقائب الثقافة لكني نزلت ثقيل الاحمال اتعثر في الفكر و اقع في التأمل...


أحبها لكنني قبطي!!


هذه حكاية لكنها ليست كالتي تروى في قصص الف ليلة و ليلة أو الالياذة انها ليست من القصص التي تنسجها عناكب النسيان لقد ظلت تعيش في معمعة فكري المضطرب لأنها قصة اخذت حيزا صغيرا من حياتي لم اطرق بابها ولم اجتاز مفازتها بل أتت مقبلة تبحث عن من يرويها انها قصة سميرة الخادمة ذات التاسع عشر ربيعا التي كانت تحب فتى من اترابها لكن زواجها منه شبه محال أتت لي تسترشدني قالت :  

كلمه يا استاذ محمد!

 عساه ان يسلم على يديك حتى اتزوجه لان امي تقول يجب ان يسلم!!


اسهبت معه في الحديث لكني رجعت اليها بخفي حنين و وجهي مكفهر فلم ألبي لها طلبها لانه قال: 

بودي لو أسلم لكن ابي يرفض هذا ايما الرفض!

 و قد يطردني من البيت..

و اما الفتاة نظرت إلي مشتت الذهن ثم قالت: 

الدين يعلو الحب... و الحب مصيره أن يموت...




 يتبع

 

 

في قاهرة المعز!!

في قاهرة المعز التقت بصديق حميم أنه حمادة الذي كانت لي معه مواقف منوعة تصل بنا الى الضحك و ربما الى حد البكاء قد يكون ضحك بطعم البكاء أو بكاء بمذاق الضحك...

موعد غرام ام موعد فراق!!

مضينا الى (سيتي ستار) في مدينة نصر و كانت حبيبتي تعمل في محل هدايا اتيت انا و هو حتى اراضيها ذهب حمادة و طلب هدية و قال لها ان اسم من سيهديها هاجر و هو نفس اسمها استغربت الاسم لكني كنت في الخارج اراسله و هو يكلمني ادخل هذا الفعل في قلبها الشك كانت تمتاز بالذكاء و لما خرج لي بعدما اشترى الهداية التي كنت سوف اقدمها لها اذا خرجت من المجمع التجاري العملاق و اشار لي بالابهام بمعنى نجحنا لكنها كانت تسير خلفه و تتبع خطاه حتى راتني و جاءت لي مغضبة و قالت لي: الا عملي يا محمد و انتهى الذي بيننا...
نظرت الى صاحبي صار يضحك و انا لا ادري هل ابكي دما ام اضحك ملء شدقي..




فين المكوة؟
اختلاف اللهجة قد يصبح معيق لتواصل بين الشعوب احيان هذا ما حصل عندما خرج سعد من الحمام و كان صاحب مغسلة الثياب واقف عند الباب يطلب ثياب حتى يكويها لاننا نتعامل معه كان يقول:

فين المكوة؟

قال حمادة لسعد :
سعد فين المكوة بتعتك؟
قال سعد وهو حانق لي :
ماذا يقول هذا؟
لم اتمالك نفسي من الضحك
ثم قلت له هو يقصد الثياب حتى يكويها..

المكوة في لهجتنا هي مؤخرة الانسان....و عند المصريين الثياب التي تحتاج للكوي..




صبري عليك طال!!
حمادة مع انه مصري الا ان قلبه كان مغربي و اذا تحدث بالسعودي لا تتصوره مصري ابدا ينطق اللهجة كانه تربى في ربوع نجد تعلمها من الذين عاشرهم اتذكر اغنية كلما سمعتها اجد صورته امامي لأنه كان يسمعها طوال وقته...
 
صبري عليك طال لرجاء بلميح المغربية

صبري عليك طال
و احتار فيك امري
جفا و لا دلال
خليت دمعي سال
على الخد صار يجري

سعد و السنجاب!

التقيت بمحمد سعد مثقف مصري يحب التكنولوجيا هو خبير في عالم الحواسيب مع انه علم نفسه و لم يدرسها في المعاهد او المدارس و صار خبير عاش في تركيا فترة من عمره و زار بلدان كثيرة و جرب قهوة الكوبي لواك الاندونسية التي  تعد اغلى قهوة في العالم و ما هي الا روث السناجب كانت المرة الاولى التي اعرفها فيها....

سائق تاكسي ام برفيسور!!

ركبت مع صاحب سيارة اجرة مصري الذي خضت معه بحار العلوم حتى انه كان يغوص بي في الايات القرانية و يدقق في التفاسير و يظهر مثالب من يفسر القرآن من ظاهره فقط دونما النظر في خفاياه و تاريخ التنزيل يفسرون بلا تمعن لقد ركبت معه خفيف الاحمال من حقائب الثقافة لكني نزلت ثقيل الاحمال اتعثر في الفكر و اقع في التأمل...

أحبها لكنني قبطي!!

هذه حكاية لكنها ليست كالتي تروى في قصص الف ليلة و ليلة أو الالياذة انها ليست من القصص التي تنسجها عناكب النسيان لقد ظلت تعيش في معمعة فكري المضطرب لأنها قصة اخذت حيزا صغيرا من حياتي لم اطرق بابها ولم اجتاز مفازتها بل أتت مقبلة تبحث عن من يرويها انها قصة سميرة الخادمة ذات التاسع عشر ربيعا التي كانت تحب فتى من اترابها لكن زواجها منه شبه محال أتت لي تسترشدني قالت :  
كلمه يا استاذ محمد!
 عساه ان يسلم على يديك حتى اتزوجه لان امي تقول يجب ان يسلم!!

اسهبت معه في الحديث لكني رجعت اليها بخفي حنين و وجهي مكفهر فلم ألبي لها طلبها لانه قال:
بودي لو أسلم لكن ابي يرفض هذا ايما الرفض!
 و قد يطردني من البيت..
و اما الفتاة نظرت إلي مشتت الذهن ثم قالت:
الدين يعلو الحب... و الحب مصيره أن يموت...


في القاهرة !!

عندما ابحر في نهر موسيقى  عبدالحليم حافظ ذلك اليتيم الذي فقدت الاغنية العربية من بعده الاب و الام. و عندما تلامس موسيقاه أذناي اشعر ان عقارب الزمن تستريح و تهجع  و ليتها تستمر في غفوتها حتى أهنأ بهذه السويعات  العذبة وكأني على حين غرة  صعدت آلة الزمن حتى اعود ادراجي الى برهة من الزمان لم اعش بها اجد نفسي منطلقا غير ابه اشق شوارع حي المهندسين و جامعة الدول العربية و أركب النيل مبحرا نحو تاريخ شامخ يصعب رصده أو الوقوف على معالمه و اسراره
اقف مشدوها امام تمثال نجيب محفوظ اخاطبه قائلا:
اين الحرافيش و عاشور الناجي؟
و اين الجبلاوي و عرفة؟
و اين احمد افندي عاكف و خان الخليلي؟
و اين بين القصرين و السكرية و قصر الشوق و سي السيد الشرقي صاحب النزوات؟

يرد التمثال قائلاً :
تجدها بين بني البشر فما الإنسان الا مجموعة قصص تراكمت تبحث عن اقلام تكتبها فهناك القديس و ايضا هناك الداعر و قد يخرج من القديس داعر و قد يولد من الداعر قديس الحياة نهر جارف من لم يتشبث بحلم او فكرة سوف لن يستمر طويلا في الوجود سوف تدرسه الايام كما تدرس الرياح آثار الأقدام...

انتقلت من هذا التمثال الدي اجهدني فكرياً مشرأبا برأسي نحو عميد الأدب العربي فهو بمحاذاته ليس ببعيد وقف شامخ ينظر إلى عنان السماء و هو يقول بصوته العذب :

!!ابصر بقلبك تجد الحياة و اوقد ذهنك تنعم بها
الا انه طرق اذني قوله عن العشر الجاهلي انه منحول و انه شعر يعبر عن روح اسلامية ثم توقف عن الكلام مطرقا ثم قال:
(للتوارة ان تحدثنا عن ابراهيم واسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن ورود هذين الأسمين فى التوراة والقرآن لا يكفى لاثبات وجودهما التاريخى فضلا عن اثبات هذه القصة التى تحدثنا بهجرة اسماعيل بن ابراهيم الى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها).
قلت له مستغربا:
الا تخاف من ردة فعل الناس؟

قال لي طه حسين:
لقد ادخلوني المحكمة لاني خالفت في كتابي الشعر الجاهلي افكارهم


بين الاغنية و الشعر!
إسقني واشرب على أطـلاله
واروِى عني طالما الدمع روى
إسقني واشرب على أطـلاله
واروِى عني طالما الدمع روى
كيف ذاك الحب أمسى خبراً
وحديثا من أحاديث الجـوى

تهادى صوت الست الى مسامعي و ترقرقت ادمعي من احداقي
و انا استمع لصوت قادم من الماضي
كيف لفتاة تلبس العقال  و لباس بدوي
ان تصبح كوكب يضيء العالم العربي
و تذكرت ابي و انا اغني معه هذه الاغنية
 
رجعوا لي الماضي بنعيمه وهناوته
وبحلاوته وبعذابه وبقسوته
رجعوا لي الماضي بنعيمه وهناوته
وبحلاوته وبعذابه وبقسوته
وافتكرت فرحت وياك قد إيه
وافتكرت كمان يا روحي
بعدنا ليه، بعدنا ليه، بعدنا ليه
وافتكرت فرحت وياك قد إيه

وقفت حيال تمثالها الشامخ و منديلها الذي تبلل من الدموع
و راحت تقول
هذه ليلتي، هذه ليلتي وحلم حياتي
بين ماض من الزمان وآت
هذه ليلتي، هذه ليلتي وحلم حياتي
بين ماض من الزمان وآت
الهوى أنت كله والأماني
فاملأ الكأس بالغرام وهات
الهوى أنت كله والأماني
فاملأ الكأس بالغرام وهات
بعد حين يبدل الحب دارا
والعصافير تهجر الأوكار
بعد حين يبدل الحب دارا
والعصافير تهجر الأوكار
وجدت الحنين قد خلف في وجنتي احافير لا يمحوها علم الاثار
لان اثار الحب تبقى و ان حاولت محوها ظل صوت الست في داخلي الا ان تمثال احمد شوقي خطفني من ذكرياتي نحو السحر الحلال و الكلمة العذبة و الفصاحة التي اعتاد لساني عليها حتى ان من يخاطبني يحسب اني قادم من عصور سحيقة او اني خرجت لتو من استديوهات احد قنوات الاخبار ؟!

في القاهرة

في القاهرة، حيث تتعانق الأزقة مع الذكريات وتتداخل المشاعر كما تتداخل أنغام العود، وجدت نفسي في حي المهندسين، بالقرب من تمثال نجيب محفوظ. كان الجو يحمل لمسة من السحر، وكأن المدينة نفسها تحتفظ بأسرارها لتخبرني بها. هناك، وسط حركة الحياة وضجيج الشارع، قابلتها.

كانت الفتاة ذات الشعر الأسود الذي ينسدل بانسيابية على كتفيها، وعيونها الجميلة تحمل عمق الليل. كان صوتها ناعمًا، كنسيم رقيق يتسلل عبر النوافذ المفتوحة. شعرت أني أمام شخصية خرجت من صفحات روايات محفوظ، تلك الشخصيات التي اعتدت على قراءتها ليلاً تحت ضوء خافت، محاطًا بالذكريات والتأملات.

عندما اقترحت أن نجلس في مطعم أو مكان مغلق، رأيت في عينيها توترًا غريبًا. لم أكن أفهم في البداية، لكنها وضحت لي أن الأماكن المغلقة قد تحجبنا عن الهواء النقي الذي نحيا به، وكأنها تخشى أن يحدث ما لا يحمد عقباه. كان ذلك كفيلًا بأن يجعلني أحبها أكثر. تلك الحيرة في عينيها، وتلك الرغبة في البقاء حرين، جعلتني أشعر بعمق مشاعرها.

في يوم مميز، قدمت لي هدية غير متوقعة. كانت مجموعة من روايات نجيب محفوظ، كما لو أنها منحتني جزءًا من روحها. في كل رواية، كنت أكتشف عالماً جديدًا، يتشابك مع تفاصيل حياتي، وتلك الشخصيات التي تجسد آلام وآمال إنسانية مشتركة. شعرت وكأنني لست وحدي في هذه الرحلة؛ كانت كل كلمة في الروايات كفيلة بأن تربطنا بخيوط غير مرئية، تنسج حكايتنا المشتركة.

لم أستطع إلا أن أتأمل في مدى تأثيرها عليّ. لم تكن مجرد فتاة التقيتها صدفة؛ كانت تجسيدًا للذكريات والأحلام التي كنت أبحث عنها. ومع كل صفحة أقرأها، كنت أراها أمامي، تتحدث وتضحك، وكأنها تسكن تلك الصفحات. لم تكن تلك مجرد روايات، بل كانت قصصًا عن نفسي، عن مشاعري، عن كل ما كنت أعيشه.

والآن، وأنا أكتب هذه الكلمات، أشعر بأن القاهرة ليست مجرد مدينة بالنسبة لي. إنها تلك اللحظات التي تتجلى فيها العلاقات الإنسانية، تلك اللحظات التي تبني الجسور بين الأرواح. إنني مدين لها، ولتلك الهدايا التي كانت بمثابة دعوة لاستكشاف الذات والوجود.

في قاهرة المعز !!

في رحلتي إلى مصر، و تحديد القاهرة وجدتني أمام رجل تشابكت في عروقه خيوط التعصب، تتأجج داخله نار أفكار تجرّ لسانه إلى الزلل، وكأنها آيات مقدسة تحرّف لتناسب رؤيته الضيقة. كنت أرى في عينيه بريقًا قادمًا من زمن سحيق، من عصور دفنتها الأيام ولكنها ظلت تنبض داخل عقله، وكأنها نبضات قلب ماضٍ يعجز عن الانقطاع. كان يسير على حافة حلم ملتهب بخيال "الخلافة المفقودة"، ذلك المجد الذي يراه قابلاً للاستعادة، ولو على جثث العالم بأسره. ولأجل هذا الحلم، كان مستعدًا أن يمسك بلجام القوة، أن يرفض كل ما أنشأته الحضارة الحديثة من معاملات وعلاقات، راغبًا بالعودة إلى الدنانير والدراهم، وكأنّ الزمن يُمكنه أن يُلوي عنق الحداثة ليعود بنا إلى أعوام خلت.

كانت نبوءةً لم أرغب بصدقها، لكني رأيتها تتجلّى أمامي يومًا بعد يوم، كأني كنت أنظر إلى قنبلة زمنية تكتنز كلمات منمقة، عبارات معسولة، لكنها تسمم الأرواح وتقتل العقول. أدهشني حديثه العذب الذي كان يسلسله بإتقان عن الجماعات المتطرفة، وكأنهم أهله وخلانه، وجعل من كل دولة معاصرة خائنةً، مارقةً، ضالةً، تتلاعب بالمواثيق وتنتهك حدود "الكتاب والسنة"، كما يدّعي.

وأغرب ما صدمني، بل ما جعلني أكاد أختنق من ضيق الصدر، هو حين أفصح عن اعتقاده بأن "أصدق الناس وأخلصهم هم أولئك الذين ذاقوا طعم الدم ونسجوا من الخراب عروشهم". كان يُشيد بالجماعات التي أهلكت البلاد، واستهانت بحياة الأبرياء، وأهدروا سمعة الإسلام كأنهم نموذج للمثالية المنشودة.

بدا لي كمن يعيش خارج الزمن، خارج المكان، وخارج أي منطق. حبيسًا بين أسوار ماضٍ لم يُدرك أنه انتهى، كان هذا الرجل في نظري شخصًا خُلق ليعيش كأضغاث حلم لعقل لا يهدأ، عقل يتمنى أن يصبغ هذا العالم بتصورات ممزقة، أشبه بوهمٍ حزين يعتلي مشهد الدمار.



في تلك الأيام الغابرة، حين كان العالم مشغولًا بأنباء المعارك المدمرة والخراب الذي لا ينتهي، برز أشخاص كانوا يؤيدون ما تفعله داعش والجماعات المتشددة الأخرى من قتل وتشريد وتدمير. كانت أخبارهم تصلهم عبر "فلاش ميموري"، محملّة بتقنيات تصوير عالية تعكس معاركهم التي لا تعرف رحمة. كأنهم يظنون أن هذا الطريق هو الذي سيعيد لهم ما فقدوه أو ما يتخيلون أنهم فقدوه. لكنني كنت على يقين أنها لا تحمل غير الخراب، وأنها ستنتهي عاجلاً أم آجلاً.

كان النقاش يدور حول هذه الجماعات، الجماعات المتخلفة الرجعية التي تتبنى الفكر السلفي، كمن يعيش في الكهوف وتحت الأرض، يحاولون بناء دول في زمان لا يعرف سوى التقدم. لديهم حلم مزعوم بالخلافة، حلم لا يدركون أنه انتهى منذ زمن بعيد، وأنه لا يتناسب مع عصر تملؤه الأنظمة الحديثة والشعوب المتنوعة.

في كثير من الأحيان، كنت أجد نفسي أتحداهم في النقاش، أشرح لهم أن هذا الفكر لا يمكن أن يستمر، وأنه سيتفكك في النهاية، لأن معاركه لا تقوم على أية قاعدة عقلية أو إنسانية، بل على العنف والدمار. وكان عجبي أكبر من هؤلاء الذين يحتفلون بكل دماء تُسفك وكل روح تُزهق بسبب اختلاف في العقيدة أو العرق أو اللون. هل حقًا يُستحق الإنسان القتل لمجرد أنه يختلف عنك؟

كنت أسعى بجهد أن أرفعهم إلى مستوى فكري رفيع، أريدهم أن يروا في دينهم شيئًا أسمى من ذلك. أريدهم أن يروا صورة من الإسلام التي نشرت العلم والحكمة والسلام، لا تلك التي تسوّغ القتل وتدمير المجتمعات. لكنهم كانوا يصرّون على التمسك بعالمهم الضيق، عاقدين العزم على إصرارهم، غير قابلين لأي محاكمة عقلية.

وأنا هنا، أتمنى أن أتمكن من أن أجعلهم يرون الأمل في العالم، أن يدركوا أن الحياة تستحق أن تُعيش بسلام، وأن الاختلاف ليس سببًا للقتل، بل هو سبب للتفاهم والتعايش.

درزي قي القاهرة !!

في قاهرة المعز، كانت عيناي تلتقطان أنماطًا مختلفة من البشر، وأشكالًا متنوعة، وكل شخص كان يحمل تجربة فريدة وثقافة لا تشبه الأخرى. كان من بين هؤلاء الأشخاص راغب، اللبناني من طائفة الدروز العريقة في لبنان. لم يكن من السهل على المرء أن يلتقي بشخص من هذه الطائفة في تلك الأيام، لذلك كنت أشعر دومًا بنوع من الفضول تجاهه.

في أحد الأيام، اصطففنا للصلاة، كما هو المعتاد، لكن راغب بقي جالسًا على مقعده، يتصفح هاتفه الجوال، غير مبالٍ بما حوله. بعد أن انتهت الصلاة، لاحظت أن بعض الأشخاص من حولنا، الذين كانوا يبدون متعصبين دينيًا، تجاهلوا الأمر تمامًا. لكنني لم أكن من هؤلاء المتعصبين، وكان فضولي يدفعني لطرح سؤال لم يسأله أحد غيري.

سألته بابتسامة: "لماذا لم تصلي معنا؟" كنت أرغب في معرفة ما إذا كانت هناك أسباب دينية وراء تصرفه هذا. أجابني ببساطة، لكن إجابته كانت صاعقة بالنسبة لي. قال: "الصلاة عندنا، نحن الدروز، مخصصة لكبار السن، وهي تعقد بسرية بالغة. لدينا طريقة مختلفة في الصلاة عنكم."

اندهشت لكلماته. لم أكن قد سمعت شيئًا كهذا من قبل. استمعت إليه وهو يوضح لي أن مفهوم الدين لديهم يختلف تمامًا عما هو سائد بين المسلمين. فالصلاة، في تصورهم، ليست محصورة في الحركات والطقوس المعروفة، بل هي دعاء وتأمل يعبر عن الروحانية الداخلية، وليس شيئًا يُعلن للآخرين.

بعد أن تركني في صمتٍ عميق، نظرت من حولي وفكرت مليًا فيما قاله. تذكرت وقتها فكرة قرأتها ذات يوم: "الإنسان كائن متدين بطبعه، مهما كانت جهاته أو معتقداته، يظل يبحث عن دين أو طقس أو عبادة تشغل حيزًا من حياته الروحية." كانت هذه الكلمات تتردد في ذهني وأنا أراقب تفاعل الناس من حولي. وفي تلك اللحظة، أدركت أن الدين ليس فقط طقوسًا أو شعائر خارجية، بل هو حاجة روحية داخلية، يسعى كل إنسان لإشباعها بطريقته الخاصة، بعيدًا عن الأشكال والتصورات التي قد تبدو للآخرين غريبة أو غير مفهومة.

عندما هممت بالرحيل، شعرت بشيء من الهدوء الداخلي. ربما كانت تلك اللحظات هي بداية فهم أعمق للروحانية، وللتنوع الذي يجمعنا كبشر في سعي دائم وراء المعنى والروح.

في القاهرة، حيث تتناثر العجائب وتتنوع الثقافات، قابلت صعيدياً كان يحاول أن يخرج من ثيابه وثقافته المحدودة، يتعرى فكرياً، ربما ظنّ أنه في قلب مصر يعني أنه فوق كل شيء. كان يعتقد أن كونه هنا يمنحه شيئاً عظيمًا، لكنه في الحقيقة كان مثل من يحفر في الصخر بلا جدوى، محاولات لا تنتهي لكنها تظل دون نتيجة.

في إحدى المرات، سألته عن مراحل التقدم في الدول العربية. ظنّ، عن قناعة تامة، أن دول الخليج تحتل أسفل القائمة. كان يعتقد أن الدول التي قامت فيها الجمهوريات كانت أفضل حالًا من حيث الفكر والثقافة. لكنه لم يدرك أن ممالك الخليج، التي ارتقت وازدهرت بفضل تركيزها على التقدم الاقتصادي والفكري، تجاوزت كثيراً من تلك الدول التي تبنت الاشتراكية والقومية، والتي لم تخرج من دائرة الفشل بل كانت تلتف حول نفسها.

كنت أراقب بتمعن كيف يفاخر بعبد الناصر، ولم يخطر بباله أن عبد الناصر نفسه قد سار في طريقٍ عكسي. كان يعتقد أن هذه الإيديولوجيات العظيمة، رغم فشلها الواضح، تملك الحلول التي انتظرتها شعوبنا، لكنه لم يكن يدرك أن تلك الأفكار ماتت في المخاض ولم تنتج فكراً مستقيمًا.

وكانت المفاجأة، وهو يُسمّي نفسه "أبو خالد". نفس اللقب الذي كان يفاخر به عبد الناصر! لم أستطع إلا أن أبتسم، فالرجل الذي لم يدرك أن التقدم ليس مجرد شعارات يتنقل بها من حقبة إلى أخرى، قد وقع في فخ التسمية، تمامًا كما وقع في فخ الأيديولوجيا.

ظل يروي لي أراءه، متخيلًا نفسه كمن في قمة الجبل، وهو في الحقيقة لم يكن يجرؤ على النزول إلى أرض الواقع.

ناصري صعيدي!!

في القاهرة، حيث تتناثر العجائب وتتنوع الثقافات، قابلت صعيدياً كان يحاول أن يخرج من ثيابه وثقافته المحدودة، يتعرى فكرياً، ربما ظنّ أنه في قلب مصر يعني أنه فوق كل شيء. كان يعتقد أن كونه هنا يمنحه شيئاً عظيمًا، لكنه في الحقيقة كان مثل من يحفر في الصخر بلا جدوى، محاولات لا تنتهي لكنها تظل دون نتيجة.

في إحدى المرات، سألته عن مراحل التقدم في الدول العربية. ظنّ، عن قناعة تامة، أن دول الخليج تحتل أسفل القائمة. كان يعتقد أن الدول التي قامت فيها الجمهوريات كانت أفضل حالًا من حيث الفكر والثقافة. لكنه لم يدرك أن ممالك الخليج، التي ارتقت وازدهرت بفضل تركيزها على التقدم الاقتصادي والفكري، تجاوزت كثيراً من تلك الدول التي تبنت الاشتراكية والقومية، والتي لم تخرج من دائرة الفشل بل كانت تلتف حول نفسها.

كنت أراقب بتمعن كيف يفاخر بعبد الناصر، ولم يخطر بباله أن عبد الناصر نفسه قد سار في طريقٍ عكسي. كان يعتقد أن هذه الإيديولوجيات العظيمة، رغم فشلها الواضح، تملك الحلول التي انتظرتها شعوبنا، لكنه لم يكن يدرك أن تلك الأفكار ماتت في المخاض ولم تنتج فكراً مستقيمًا.

وكانت المفاجأة، وهو يُسمّي نفسه "أبو خالد". نفس اللقب الذي كان يفاخر به عبد الناصر! لم أستطع إلا أن أبتسم، فالرجل الذي لم يدرك أن التقدم ليس مجرد شعارات يتنقل بها من حقبة إلى أخرى، قد وقع في فخ التسمية، تمامًا كما وقع في فخ الأيديولوجيا.

ظل يروي لي أراءه، متخيلًا نفسه كمن في قمة الجبل، وهو في الحقيقة لم يكن يجرؤ على النزول إلى أرض الواقع.

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...