بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 10 نوفمبر 2022

مرايا الضمير




                          **مرايا الضمير**

أخذت الأفكار تدور في رأسه مثل الزوابع. لقد خالجته أحاسيسٌ وأعاصيرٌ اجتاحت كل كيانه، وراح يذرع حجرته ذهابًا وإيابًا، والأفكار تنهمر على رأسه مثل شلالٍ هادر. قال في نفسه: "إن السيد طريد ينتظرني على أحر من الجمر..."

تأفف، ثم أردف قائلًا بصوتٍ عالٍ: "لكن الذي بين جوانحي يعذبني كأن به أشواكًا مغروسةً تقض مضجعي. هل أتبع عقلي أم أتراجع إلى راحة البال وسكون الضمير؟"

دقت الساعة مشيرةً إلى التاسعة صباحًا. استيقظ من هذا الصراع الداخلي، أخذ يرتدي ملابسه، لقد نسي أن يفرش أسنانه وأن يسرح شعره كالعادة. ما الذي يشغل قلب مجبور؟ وعندما تأهب للخروج من شقته الصغيرة، وقف قبالة الباب ينظر إلى الوراء، يفكر: هل يعود أم يتقدم؟ عادت له دوامة الصراع. في آخر المطاف، مضى قدمًا وفتح الباب، وما إن خرج حتى رجع إلى داخل الشقة وأغلق الباب خلفه بقوة غريبة جعلت الجيران يفزعون ويهرعون للخروج، لكنه لما دخل وجد كتابًا قديمًا، أوراقه ممزقة وقد طلاه الغبار والتلف في جوانبه. كان عنوانه "الضمير" واسم المؤلف "حي بن أمين آل صادق". أخذه وخرج، وعيون الجيران ترقبه. هذه هي المرة الأولى التي يفعل فيها ذلك. حتى جاره تقدم لكي يتكلم معه، لكن مجبور كان مندفعًا مثل الصاروخ.

استقلّ مجبور الحافلة، والغريب في الأمر أن الركاب كانوا قلةً على غير المعتاد. جلس في مقعدٍ بمحاذاة الزجاج، ينظر والكتاب بين يديه. لما حمله معه لا يدري، لكن صوتًا ما جذب انتباهه. كان صوت أنثى بصحبة ابنها الذي يجلس بجانبها وراء مجبور، وراحت المرأة قائلة: "استمعت لكلام الطبيب، ولابد أن تطبق كلامه، وتذكر لمن قال: كن مثل النخلة ترمى بالحجارة وتنزل الثمر الطيب."

قال الولد مستفهمًا: "وكيف ذلك يا أمي؟"

قالت الأم: "لا تتصارع مع أقرانك من الأولاد فقط لأنك مختلف عنهم. صمّ أذنك عن كلامهم، أنت تعلم يا بني أن أباك قد وُرى الثرى، وأنا امرأة فقيرة أعمل من أجلك!"

قال الابن: "أنت أغلى ما عندي في الدنيا يا أمي."

استمر دوران إطارات الحافلة تلف الطرقات المعبدة، وتقف عند محطات متنوعة كي يصعد ركابٌ أو ينزل ركابٌ، الحافلة مثل الدنيا، تصعدها ناسٌ وتنزل منها آخرون. وعند حي البائسين نزلت الأم وابنها ممسكًا بيدها، وهي تعطيه قطعة حلوى كانت جوزًا من العيون، تتبع خطاهما، إنها بؤبؤ عيني مجبور الذي فتح الكتاب على الفهرس وقرأ:

1. أهمية الضمير في المجتمع البشري.
2. كيف ترضي ضميرك؟
3. ما هو الضمير؟
4. متى يموت الضمير؟
5. هل صاحب الضمير الحي بسيط وساذج؟

وضع يده على صفحة "متى يموت ضميرك؟" وما إن أخذ يبحث عنها حتى صادف الحافلة مطبًا جعل الكتاب يقفز من بين يده ويختل توازنه، سقط الكتاب على أرضية الحافلة. وعندما هدأت الحافلة، تعالت أصوات الركاب على السائق بأن يقود الحافلة بصورة أكثر هدوءًا. وقعت عينه وهو يحمل الكتاب على فتاة يبدو أنها ما زالت تدرس، كانت تتحدث نفسها باكية: "سيقتلني أهلي إن علموا أني لم أذهب إلى المدرسة!! وأني خرجت بصحبة ابن الجيران الذي سلبني شرفي. أصبحت كذبيحةٍ لم يُكمل جزها، تضطرب بلا فائدة! يا ليتني لم أفعل. كيف أواجه أبي وأمي؟!!"

أخذت تنشج ومن آماقي عينيها تذرف العبرات الساخنة. ومجبور ظل على الأرض، مع أنه حمل الكتاب، لكنه قام وجلس في المقعد الذي خلف الفتاة، فلقد كان فارغًا، لكن الفتاة كانت في حالةٍ يرثى لها، حقيبتها ما زالت برفقتها. تابعت تحدث نفسها: "الطبيب أكد لي أني حبلى؟! أه، أه حبلى بمصيبة بين أحشائي، وابن الجيران قد ولّى هاربًا، أبلغ أباه بأنه يريد أن يكمل دراسته في الخارج. ما هو ذنب هذا الطفل؟ ذنبه أني سلمت نفسي؟!"

أخذت تضرب وجهها بكلتا يديها حتى طلبت من الحافلة أن تقف وأن تنزل عند حي الشرفاء، وعينا مجبور تتبعان خطاها وهي طفقت تجري باكية.

توارت الحافلة التي تحمل على متنها أطيافًا وفسيفساء من البشر، وعلى مقاعدها قصصٌ ثرى، بعضها رُوي وبعضها لم يُروَ بعد. فالإنسان هو الكائن الحي الذي لا تسبر غوره ولا تعرف ما الذي يسكن بداخله من أفكار، لأنه يخرجها إما أفعالًا أو أقوالًا، وها هو مجبور يصطحبنا معه في رحلته التي نجهل أمرها ونبتغي معرفة سرها المكنون.

بدأ يقرأ الكتاب، وقاطع التذاكر في الحافلة يجول ويصول. وبما أن مسافة رحلة مجبور بعيدة، فضل أن يأخذ منه الأجرة مبكرًا. وقف عنده قائلًا: "ادفع الأجرة.. أدفع.. أدفع.."

كانت عينا مجبور في سطور الكتاب عند فقرات معينة يقرأ: "لا تدفع بضميرك لأحد من الناس وكأنه سلعة تباع وتُشترى..." ولما سمع كلمة "ادفع" من قاطع التذاكر، بادر مجبور الرجل قائلاً: "لن أدفع لك بضميري.. لن أدفع... لن أدفع..."

مسك المحصل بخناق مجبور قائلاً: "مخادع كذاب في حافلتي.." نادى بصوته الأجش على السائق أن يقف عند أقرب مركز الشرطة.

قاطعه مجبور قائلاً: "المعذرة!! اترك ملابسي، لقد أخطأت الظن بي. كنت أقرأ فقط، وتستطيع أن تقرأ الفقرات، وسرحت في الأفكار، ولم أسمعك جيدًا." أخرج مجبور النقود ونقدها المحصل الذي قال: "لا ترني السطور لأني لست من أرباب المدارس. وما الذي ستجنيه من الكتاب؟ قضيت جل عمري أكدح في تربية أولادي وأعلمهم، والآن هم لم يجدوا العمل، وأنا الذي بلا شهادات ولا مؤهلات أصرف وأجمع الدراهم حتى ألم شتاتهم؟ دعني من الكتب والمطابع، في وطني خاسرة من دون شك، لأن ما من أحد يقرأ، وأنا أمامك خير مثال."

جلس مجبور على مقعده وقد أغلق الكتاب، لقد كانت قبضة يد المحصل شديدة كأنه كان أرنبًا بين مخالب صقر جارح، كاد يختنق، أخذ يسعل حتى توقفت الحافلة فجأة. كف عن السعال، لقد كان المحصل يمسك بخناق صبي رث اللباس، كان المحصل يجره بقوة حتى رمى به من باب الحافلة على بقعة ماء في وسط الشارع قائلاً: "اغرب عن وجهي أيها المتسول الكريه!! ليست الحافلة جمعية خيرية حتى تتسول فيها، ألم تجد في الطرقات أحدًا يعطيك حتى تصعد حافلتي؟"

قال المتسول: "إخوتي بلا طعام، تركتهم في الدار، وأمي امرأة مريضة طريحة الفراش. لم أجد عملًا، ساعدني لوجه الله."

أردف المحصل بنبرة حانقة: "انصرف قبل أن أستدعي الشرطة!!!"

مضت الحافلة مسرعةً والمتسول الصغير يحاول أن يجفف ملابسه الرثة المبللة بالماء، وعينا مجبور تلاحقانه. كان حاله يقطع نياط القلب. وقرأ مجبور لوحة معلقة على حائط بيت عتيق مكتوب عليها: "حي المتسولين".

وعند المحكمة، توقفت الحافلة وهي آخر محطة تقف عندها الحافلات. نزل مجبور مثقل الخطى، أنفاسه تتطارد كأنه كان يجري في سباق الماراثون. يبدو على ملامحه التعب والإعياء، ما الذي جرى له مجددًا؟ وكان المحصل خلفه يسير بخطى حثيثة، توقف عنده قائلاً: "يا أخ!! خذ كتابك، لقد نسيته!!"

تأبط الكتاب وراح يمشي

، فإذا به ينظر إلى ملامح المواطنين الذين يتجولون أمامه، انشغل بمراقبتهم، فتأمل تلك المرأة التي تتوسل في الشارع، وذاك العجوز الذي عجز عن الصراخ من شدة الألم، وأيضًا تلك الطفلة الصغيرة التي تحمل على عاتقها كيسًا ثقيلًا، مما يجرح أنفاسه.

كلما نظر في الوجوه، يتذكر أولئك الذين ضحوا من أجله ومن أجل عائلته، وما زال في أعماقه القلق العميق حول مصير أولئك الذين يُعدّون أخوة له. لقد شعر وكأن النار تشتعل في قلبه، لأنه لم يكن بمقدوره مساعدتهم. أخذ يفتش في جيوبه عله يجد فلسًا ينقذ به أحدهم، وإذا به يفاجأ برجلٍ يحاول سرقة حقيبة امرأة مسنّة. اندفع نحوهم قائلًا: "لا تفعل، لا تفعل!" وركل السارق ركلةً جعلته يسقط على الأرض.

لكنه شعر بشيء غريب ينمو في صدره، كيف نُحيل هذا الخوف والفزع إلى فعلٍ يتجاوزنا، ويغمرنا بحس إنساني صادق؟ ماذا لو تجرأت يومًا على مواجهة ما يجري حولي؟ ماذا لو أقمت بعملي هذا؟!

تسائلت: كيف يُغفل الناس واقعًا واضحًا من الألم والمعاناة في بلدي؟ وكيف يكون الجبن والخوف عنوان حياتهم؟ أليس من الأجدر أن نعيش معًا في حقيقية محضة بدل الهروب إلى أحلام لا تنتهي؟ فكر كثيرًا حتى أدرك أن سطوة الضمير إذا تحررت ستعبر بالمجتمع برمته إلى بر الأمان.

ودفعت حواسه إلى أن يُعيد قراءة الكتاب بعد أن أشعلت أفكاره. حينها أدرك أنه مهما كان الشك والكلام المخادع يُدور حوله، فلا بد من تحريك الضمير.

حينها قفز من فكره: "ألا يكفي؟" وأخذ يسير نحو الباب الذي يبدو كأنه أبواب الجحيم. أخرج جملة من جوف صدره: "سأكون ما يريده قلبي، سأبحث عن سبيلي، سأجعل من الضمير رفيق دربي..."

استدار نحو حشود الناس التي تجري إلى اليمين واليسار وكأنهم يهربون من شيء مرعب. لكن لم يكن ذلك ما يثنيه، بل زاد من عزيمته. ولم يكن يدري أن بداية انتفاضة ضميره ستكون انطلاقة جديدة لرؤية الحياة من منظورٍ مغاير، وما إن نظر إلى عينيه على الحائط عندما استدارت عليه شمس الأصيل، فكانت تشع طاقتها ليقول بصوتٍ مسموع: "يا أيها الضمير، هيا بنا نبدأ من جديد."

---

**حواشي:**
1. يتحدث النص عن عمق الصراع الداخلي الذي يعيشه البطل، مما يبرز أهمية الضمير والقيم الإنسانية.
2. استخدم الوصف الحي ليعكس مشاعر الشخصيات ويجعل القارئ يتعاطف معها.
3. يسلط الضوء على موضوعات مثل الفقر والعدالة الاجتماعية وأهمية الضمير.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...