عِندما كنت في القاهرة ؟!
في القاهرة الخديوية
القاهرة الخديوية هي المنطقة التي شيدها الخديوي اسماعيل باشا لقد جلب المهندسيين الفرنسيين و الايطاليين و قد تولى التصميم الفرنسي (جورج أوجين هوسمان) مهندس و سياسي فرنسي خطط مدينة باريس و القاهرة الخديوية
اختاره نابليون الثالث لمهمة تجديد مدينة باريس مع ان الانتقادات طالته مما اجبرته هذه الانتقادات اللاذاعة الى الاستقالة الا ان رؤيته في بصمته في تخطيط مدينة باريس لازالت واضحة المعالم بعد سرت فوق (كوبري النيل) حتى بلغت تماثيل الاسود الرابضة على مدخلي الجسر في مقابلة تمثال سعد باشا لم ارهف مسمعي الا للاسود تزأر لكل من مشى فوق هذا المعبر الشامخ تذكره بتاريخ يمتد الى 134 عام انها مصنوعة من البرونز بطول (406 أمتار) وعرض (10,5 متر) منها (2,5 متر) للرصيفين الجانبيين وطريق بعرض (8 أمتار).
وقفت حيال تمثال سعد باشا وهو يردد بصوت عال قائلا:
يجب أن ننقاد للقانون وأن لا نعتبر الانقياد إليه مهانة ومذلة بل عزًّا وشرفًا.
هكذا قال لي تمثال سعد زغلول باشا :
.“نحن نحب الحرية ، لكننا نحبها أكثر مما ينبغي أن تستخدم في مكانها”
هذا الرجل هو سياسي مخضرم و قائد مصري عظيم دخل في بوابة التاريخ منتصرا لحقوق الشعب المصري السياسة و حقق الاستقلال لمصر و كان علامة بارزة في التاريخ المصري الحديث
الا اني نظرت اليه يجيل بصره نحو كوبري قصر النيل مشيرا بيده قائلا :
(إنني من أنصار تحرير المرأة، ومن المقتنعين بهذا الأمر، لأنه بغير تحرير المرأة لن نتوصل لبلوغ غايتنا في التحرر ).
ما ان نظرت خلفي حتى رأيت السواد قد تلحفت به النساء و انحسرت عن الأعين مصر (قاسم أمين) في كتابه ( تحرير المرأة ) لقد اختفت مصر (صفية زغلول) و (هدى شعراوي)
اكملت طريقي نحو مجمع التحرير حتى اخلص اوراق بقائي في مصر لقد مررنا في طريقنا بتمثال برونزي لرجل يقف شامخا و مكتوب عليه سيمون بوليفار الذي حرر أمريكا اللاتينية من نير الاستعمار و كان يقول:
(اذا كانت الحروب خلاصة كل الشرور ، فالاستبداد خلاصة كل الحروب)
يقع ميدانُ سيمون بوليفار في قلبِ القاهرة، عاصمة جمهورية مصر العربية، ويوجد تحديداً في الجاردن سيتي، وفي المسافة التي تَقَع ما بين ميدان التحرير وكورنيش النّيل، الذي يبدأ من جهة فندق سميراميس وفندق شبرد.
كنت أقرأ أفراح القبة رواية نجيب محفوظ في جوف سيارة التاكسي الا اني سمعت صاحب التاكسي وهو يقول لي :
هنا حدائق القبة بالقرب من مسجد كشك قلت له :
الشيخ كشك...
قال لي صاحب التاكسي:
انه كان شيخ عظيم مع انه ضرير الا انه يدعى فارس المنابر...
ما ان اقتربنا من المسجد حتى تناهى الى مسامعي صوت اجش يقول :
«هل من الإسلام أن يتساءل عبدالوهاب مندهشا أو معترضا، جايين الدنيا ما نعرف ليه؟، ألا يعلم الجميع لماذا جئنا إلى الدنيا وأننا إلى الله ذاهبون؟».
انه صوت الشيخ كشك يهاجم موسيقار الاجيال محمد عبدالوهاب ثم انبرى يهاجم عبدالحليم حافظ قائلا:
«هذا رجل كاذب لأن عنده أولاد ويعلم كيف جاء بهم فإنه مثلهم جاء من نفس الطريق».
من أجل اغنية لست ادري التي لحنها الموسيقار محمد عبدالوهاب.
الا صوت ازداد صخبا منقضا على كوكب الشرق الست ام كلثوم يهاجمها قائلا:
"امرأة فى الستين تقف على المسرح وتقول: خدنى فى حنانك خدنى، عن الوجود وأبعدنى...
****
في قاهرة المعز التقت بصديق حميم أنه حمادة الذي كانت لي معه مواقف منوعة تصل بنا الى الضحك و ربما الى حد البكاء قد يكون ضحك بطعم البكاء أو بكاء بمذاق الضحك...
موعد غرام ام موعد فراق!!
مضينا الى (سيتي ستار) في مدينة نصر و كانت حبيبتي تعمل في محل هدايا اتيت انا و هو حتى اراضيها ذهب حمادة و طلب هدية و قال لها ان اسم من سيهديها هاجر و هو نفس اسمها استغربت الاسم لكني كنت في الخارج اراسله و هو يكلمني ادخل هذا الفعل في قلبها الشك كانت تمتاز بالذكاء و لما خرج لي بعدما اشترى الهداية التي كنت سوف اقدمها لها اذا خرجت من المجمع التجاري العملاق و اشار لي بالابهام بمعنى نجحنا لكنها كانت تسير خلفه و تتبع خطاه حتى راتني و جاءت لي مغضبة و قالت لي: الا عملي يا محمد و انتهى الذي بيننا...
نظرت الى صاحبي صار يضحك و انا لا ادري هل ابكي دما ام اضحك ملء شدقي..
فين المكوة؟
اختلاف اللهجة قد يصبح معيق لتواصل بين الشعوب احيان هذا ما حصل عندما خرج سعد من الحمام و كان صاحب مغسلة الثياب واقف عند الباب يطلب ثياب حتى يكويها لاننا نتعامل معه كان يقول:
فين المكوة؟
قال حمادة لسعد :
سعد فين المكوة بتعتك؟
قال سعد وهو حانق لي :
ماذا يقول هذا؟
لم اتمالك نفسي من الضحك
ثم قلت له هو يقصد الثياب حتى يكويها..
المكوة في لهجتنا هي مؤخرة الانسان....و عند المصريين الثياب التي تحتاج للكوي..
صبري عليك طال!!
حمادة مع انه مصري الا ان قلبه كان مغربي و اذا تحدث بالسعودي لا تتصوره مصري ابدا ينطق اللهجة كانه تربى في ربوع نجد تعلمها من الذين عاشرهم اتذكر اغنية كلما سمعتها اجد صورته امامي لأنه كان يسمعها طوال وقته...
صبري عليك طال لرجاء بلميح المغربية
صبري عليك طال
و احتار فيك امري
جفا و لا دلال
خليت دمعي سال
على الخد صار يجري
سعد و السنجاب!
التقيت بمحمد سعد مثقف مصري يحب التكنولوجيا هو خبير في عالم الحواسيب مع انه علم نفسه و لم يدرسها في المعاهد او المدارس و صار خبير عاش في تركيا فترة من عمره و زار بلدان كثيرة و جرب قهوة قهوة الكوبي لواك الاندونسية التي تعد اغلى قهوة في العالم و ما هي الا روث السناجب كانت المرة الاولى التي اعرفها فيها....
سائق تاكسي ام برفيسور!!
ركبت مع صاحب سيارة اجرة مصري الذي خضت معه بحار العلوم حتى انه كان يغوص بي في الايات القرانية و يدقق في التفاسير و يظهر مثالب من يفسر القرآن من ظاهره فقط دونما النظر في خفاياه و تاريخ التنزيل يفسرون بلا تمعن لقد ركبت معه خفيف الاحمال من حقائب الثقافة لكني نزلت ثقيل الاحمال اتعثر في الفكر و اقع في التأمل...
أحبها لكنني قبطي!!
هذه حكاية لكنها ليست كالتي تروى في قصص الف ليلة و ليلة أو الالياذة انها ليست من القصص التي تنسجها عناكب النسيان لقد ظلت تعيش في معمعة فكري المضطرب لأنها قصة اخذت حيزا صغيرا من حياتي لم اطرق بابها ولم اجتاز مفازتها بل أتت مقبلة تبحث عن من يرويها انها قصة سميرة الخادمة ذات التاسع عشر ربيعا التي كانت تحب فتى من اترابها لكن زواجها منه شبه محال أتت لي تسترشدني قالت :
كلمه يا استاذ محمد!
عساه ان يسلم على يديك حتى اتزوجه لان امي تقول يجب ان يسلم!!
اسهبت معه في الحديث لكني رجعت اليها بخفي حنين و وجهي مكفهر فلم ألبي لها طلبها لانه قال:
بودي لو أسلم لكن ابي يرفض هذا ايما الرفض!
و قد يطردني من البيت..
و اما الفتاة نظرت إلي مشتت الذهن ثم قالت:
الدين يعلو الحب... و الحب مصيره أن يموت...
يتبع
في قاهرة المعز!!
في
قاهرة المعز التقت بصديق حميم أنه حمادة الذي كانت لي معه مواقف منوعة تصل
بنا الى الضحك و ربما الى حد البكاء قد يكون ضحك بطعم البكاء أو بكاء بمذاق
الضحك...
موعد غرام ام موعد فراق!!
مضينا الى (سيتي ستار)
في مدينة نصر و كانت حبيبتي تعمل في محل هدايا اتيت انا و هو حتى اراضيها
ذهب حمادة و طلب هدية و قال لها ان اسم من سيهديها هاجر و هو نفس اسمها
استغربت الاسم لكني كنت في الخارج اراسله و هو يكلمني ادخل هذا الفعل في
قلبها الشك كانت تمتاز بالذكاء و لما خرج لي بعدما اشترى الهداية التي كنت
سوف اقدمها لها اذا خرجت من المجمع التجاري العملاق و اشار لي بالابهام
بمعنى نجحنا لكنها كانت تسير خلفه و تتبع خطاه حتى راتني و جاءت لي مغضبة و
قالت لي: الا عملي يا محمد و انتهى الذي بيننا...
نظرت الى صاحبي صار يضحك و انا لا ادري هل ابكي دما ام اضحك ملء شدقي..
فين المكوة؟
اختلاف
اللهجة قد يصبح معيق لتواصل بين الشعوب احيان هذا ما حصل عندما خرج سعد من
الحمام و كان صاحب مغسلة الثياب واقف عند الباب يطلب ثياب حتى يكويها
لاننا نتعامل معه كان يقول:
فين المكوة؟
قال حمادة لسعد :
سعد فين المكوة بتعتك؟
قال سعد وهو حانق لي :
ماذا يقول هذا؟
لم اتمالك نفسي من الضحك
ثم قلت له هو يقصد الثياب حتى يكويها..
المكوة في لهجتنا هي مؤخرة الانسان....و عند المصريين الثياب التي تحتاج للكوي..
صبري عليك طال!!
حمادة
مع انه مصري الا ان قلبه كان مغربي و اذا تحدث بالسعودي لا تتصوره مصري
ابدا ينطق اللهجة كانه تربى في ربوع نجد تعلمها من الذين عاشرهم اتذكر
اغنية كلما سمعتها اجد صورته امامي لأنه كان يسمعها طوال وقته...
صبري عليك طال لرجاء بلميح المغربية
صبري عليك طال
و احتار فيك امري
جفا و لا دلال
خليت دمعي سال
على الخد صار يجري
سعد و السنجاب!
التقيت
بمحمد سعد مثقف مصري يحب التكنولوجيا هو خبير في عالم الحواسيب مع انه علم
نفسه و لم يدرسها في المعاهد او المدارس و صار خبير عاش في تركيا فترة من
عمره و زار بلدان كثيرة و جرب قهوة الكوبي لواك الاندونسية التي تعد اغلى
قهوة في العالم و ما هي الا روث السناجب كانت المرة الاولى التي اعرفها
فيها....
سائق تاكسي ام برفيسور!!
ركبت مع صاحب سيارة اجرة
مصري الذي خضت معه بحار العلوم حتى انه كان يغوص بي في الايات القرانية و
يدقق في التفاسير و يظهر مثالب من يفسر القرآن من ظاهره فقط دونما النظر في
خفاياه و تاريخ التنزيل يفسرون بلا تمعن لقد ركبت معه خفيف الاحمال من
حقائب الثقافة لكني نزلت ثقيل الاحمال اتعثر في الفكر و اقع في التأمل...
أحبها لكنني قبطي!!
هذه
حكاية لكنها ليست كالتي تروى في قصص الف ليلة و ليلة أو الالياذة انها
ليست من القصص التي تنسجها عناكب النسيان لقد ظلت تعيش في معمعة فكري
المضطرب لأنها قصة اخذت حيزا صغيرا من حياتي لم اطرق بابها ولم اجتاز
مفازتها بل أتت مقبلة تبحث عن من يرويها انها قصة سميرة الخادمة ذات التاسع
عشر ربيعا التي كانت تحب فتى من اترابها لكن زواجها منه شبه محال أتت لي
تسترشدني قالت :
كلمه يا استاذ محمد!
عساه ان يسلم على يديك حتى اتزوجه لان امي تقول يجب ان يسلم!!
اسهبت معه في الحديث لكني رجعت اليها بخفي حنين و وجهي مكفهر فلم ألبي لها طلبها لانه قال:
بودي لو أسلم لكن ابي يرفض هذا ايما الرفض!
و قد يطردني من البيت..
و اما الفتاة نظرت إلي مشتت الذهن ثم قالت:
الدين يعلو الحب... و الحب مصيره أن يموت...
في القاهرة !!
عندما
ابحر في نهر موسيقى عبدالحليم حافظ ذلك اليتيم الذي فقدت الاغنية العربية
من بعده الاب و الام. و عندما تلامس موسيقاه أذناي اشعر ان عقارب الزمن
تستريح و تهجع و ليتها تستمر في غفوتها حتى أهنأ بهذه السويعات العذبة
وكأني على حين غرة صعدت آلة الزمن حتى اعود ادراجي الى برهة من الزمان لم
اعش بها اجد نفسي منطلقا غير ابه اشق شوارع حي المهندسين و جامعة الدول
العربية و أركب النيل مبحرا نحو تاريخ شامخ يصعب رصده أو الوقوف على معالمه
و اسراره
اقف مشدوها امام تمثال نجيب محفوظ اخاطبه قائلا:
اين الحرافيش و عاشور الناجي؟
و اين الجبلاوي و عرفة؟
و اين احمد افندي عاكف و خان الخليلي؟
و اين بين القصرين و السكرية و قصر الشوق و سي السيد الشرقي صاحب النزوات؟
يرد التمثال قائلاً :
تجدها
بين بني البشر فما الإنسان الا مجموعة قصص تراكمت تبحث عن اقلام تكتبها
فهناك القديس و ايضا هناك الداعر و قد يخرج من القديس داعر و قد يولد من
الداعر قديس الحياة نهر جارف من لم يتشبث بحلم او فكرة سوف لن يستمر طويلا
في الوجود سوف تدرسه الايام كما تدرس الرياح آثار الأقدام...
انتقلت
من هذا التمثال الدي اجهدني فكرياً مشرأبا برأسي نحو عميد الأدب العربي
فهو بمحاذاته ليس ببعيد وقف شامخ ينظر إلى عنان السماء و هو يقول بصوته
العذب :
!!ابصر بقلبك تجد الحياة و اوقد ذهنك تنعم بها
الا انه طرق اذني قوله عن العشر الجاهلي انه منحول و انه شعر يعبر عن روح اسلامية ثم توقف عن الكلام مطرقا ثم قال:
(للتوارة
ان تحدثنا عن ابراهيم واسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن ورود
هذين الأسمين فى التوراة والقرآن لا يكفى لاثبات وجودهما التاريخى فضلا عن
اثبات هذه القصة التى تحدثنا بهجرة اسماعيل بن ابراهيم الى مكة ونشأة العرب
المستعربة فيها).
قلت له مستغربا:
الا تخاف من ردة فعل الناس؟
قال لي طه حسين:
لقد ادخلوني المحكمة لاني خالفت في كتابي الشعر الجاهلي افكارهم
بين الاغنية و الشعر!
إسقني واشرب على أطـلاله
واروِى عني طالما الدمع روى
إسقني واشرب على أطـلاله
واروِى عني طالما الدمع روى
كيف ذاك الحب أمسى خبراً
وحديثا من أحاديث الجـوى
تهادى صوت الست الى مسامعي و ترقرقت ادمعي من احداقي
و انا استمع لصوت قادم من الماضي
كيف لفتاة تلبس العقال و لباس بدوي
ان تصبح كوكب يضيء العالم العربي
و تذكرت ابي و انا اغني معه هذه الاغنية
رجعوا لي الماضي بنعيمه وهناوته
وبحلاوته وبعذابه وبقسوته
رجعوا لي الماضي بنعيمه وهناوته
وبحلاوته وبعذابه وبقسوته
وافتكرت فرحت وياك قد إيه
وافتكرت كمان يا روحي
بعدنا ليه، بعدنا ليه، بعدنا ليه
وافتكرت فرحت وياك قد إيه
وقفت حيال تمثالها الشامخ و منديلها الذي تبلل من الدموع
و راحت تقول
هذه ليلتي، هذه ليلتي وحلم حياتي
بين ماض من الزمان وآت
هذه ليلتي، هذه ليلتي وحلم حياتي
بين ماض من الزمان وآت
الهوى أنت كله والأماني
فاملأ الكأس بالغرام وهات
الهوى أنت كله والأماني
فاملأ الكأس بالغرام وهات
بعد حين يبدل الحب دارا
والعصافير تهجر الأوكار
بعد حين يبدل الحب دارا
والعصافير تهجر الأوكار
وجدت الحنين قد خلف في وجنتي احافير لا يمحوها علم الاثار
لان
اثار الحب تبقى و ان حاولت محوها ظل صوت الست في داخلي الا ان تمثال احمد
شوقي خطفني من ذكرياتي نحو السحر الحلال و الكلمة العذبة و الفصاحة التي
اعتاد لساني عليها حتى ان من يخاطبني يحسب اني قادم من عصور سحيقة او اني
خرجت لتو من استديوهات احد قنوات الاخبار ؟!
في القاهرة
في القاهرة، حيث تتعانق الأزقة مع الذكريات وتتداخل المشاعر كما تتداخل أنغام العود، وجدت نفسي في حي المهندسين، بالقرب من تمثال نجيب محفوظ. كان الجو يحمل لمسة من السحر، وكأن المدينة نفسها تحتفظ بأسرارها لتخبرني بها. هناك، وسط حركة الحياة وضجيج الشارع، قابلتها.
كانت الفتاة ذات الشعر الأسود الذي ينسدل بانسيابية على كتفيها، وعيونها الجميلة تحمل عمق الليل. كان صوتها ناعمًا، كنسيم رقيق يتسلل عبر النوافذ المفتوحة. شعرت أني أمام شخصية خرجت من صفحات روايات محفوظ، تلك الشخصيات التي اعتدت على قراءتها ليلاً تحت ضوء خافت، محاطًا بالذكريات والتأملات.
عندما اقترحت أن نجلس في مطعم أو مكان مغلق، رأيت في عينيها توترًا غريبًا. لم أكن أفهم في البداية، لكنها وضحت لي أن الأماكن المغلقة قد تحجبنا عن الهواء النقي الذي نحيا به، وكأنها تخشى أن يحدث ما لا يحمد عقباه. كان ذلك كفيلًا بأن يجعلني أحبها أكثر. تلك الحيرة في عينيها، وتلك الرغبة في البقاء حرين، جعلتني أشعر بعمق مشاعرها.
في يوم مميز، قدمت لي هدية غير متوقعة. كانت مجموعة من روايات نجيب محفوظ، كما لو أنها منحتني جزءًا من روحها. في كل رواية، كنت أكتشف عالماً جديدًا، يتشابك مع تفاصيل حياتي، وتلك الشخصيات التي تجسد آلام وآمال إنسانية مشتركة. شعرت وكأنني لست وحدي في هذه الرحلة؛ كانت كل كلمة في الروايات كفيلة بأن تربطنا بخيوط غير مرئية، تنسج حكايتنا المشتركة.
لم أستطع إلا أن أتأمل في مدى تأثيرها عليّ. لم تكن مجرد فتاة التقيتها صدفة؛ كانت تجسيدًا للذكريات والأحلام التي كنت أبحث عنها. ومع كل صفحة أقرأها، كنت أراها أمامي، تتحدث وتضحك، وكأنها تسكن تلك الصفحات. لم تكن تلك مجرد روايات، بل كانت قصصًا عن نفسي، عن مشاعري، عن كل ما كنت أعيشه.
والآن، وأنا أكتب هذه الكلمات، أشعر بأن القاهرة ليست مجرد مدينة بالنسبة لي. إنها تلك اللحظات التي تتجلى فيها العلاقات الإنسانية، تلك اللحظات التي تبني الجسور بين الأرواح. إنني مدين لها، ولتلك الهدايا التي كانت بمثابة دعوة لاستكشاف الذات والوجود.
في قاهرة المعز !!
في رحلتي إلى مصر، و تحديد القاهرة وجدتني أمام رجل تشابكت في عروقه خيوط التعصب، تتأجج داخله نار أفكار تجرّ لسانه إلى الزلل، وكأنها آيات مقدسة تحرّف لتناسب رؤيته الضيقة. كنت أرى في عينيه بريقًا قادمًا من زمن سحيق، من عصور دفنتها الأيام ولكنها ظلت تنبض داخل عقله، وكأنها نبضات قلب ماضٍ يعجز عن الانقطاع. كان يسير على حافة حلم ملتهب بخيال "الخلافة المفقودة"، ذلك المجد الذي يراه قابلاً للاستعادة، ولو على جثث العالم بأسره. ولأجل هذا الحلم، كان مستعدًا أن يمسك بلجام القوة، أن يرفض كل ما أنشأته الحضارة الحديثة من معاملات وعلاقات، راغبًا بالعودة إلى الدنانير والدراهم، وكأنّ الزمن يُمكنه أن يُلوي عنق الحداثة ليعود بنا إلى أعوام خلت.
كانت نبوءةً لم أرغب بصدقها، لكني رأيتها تتجلّى أمامي يومًا بعد يوم، كأني كنت أنظر إلى قنبلة زمنية تكتنز كلمات منمقة، عبارات معسولة، لكنها تسمم الأرواح وتقتل العقول. أدهشني حديثه العذب الذي كان يسلسله بإتقان عن الجماعات المتطرفة، وكأنهم أهله وخلانه، وجعل من كل دولة معاصرة خائنةً، مارقةً، ضالةً، تتلاعب بالمواثيق وتنتهك حدود "الكتاب والسنة"، كما يدّعي.
وأغرب ما صدمني، بل ما جعلني أكاد أختنق من ضيق الصدر، هو حين أفصح عن اعتقاده بأن "أصدق الناس وأخلصهم هم أولئك الذين ذاقوا طعم الدم ونسجوا من الخراب عروشهم". كان يُشيد بالجماعات التي أهلكت البلاد، واستهانت بحياة الأبرياء، وأهدروا سمعة الإسلام كأنهم نموذج للمثالية المنشودة.
بدا لي كمن يعيش خارج الزمن، خارج المكان، وخارج أي منطق. حبيسًا بين أسوار ماضٍ لم يُدرك أنه انتهى، كان هذا الرجل في نظري شخصًا خُلق ليعيش كأضغاث حلم لعقل لا يهدأ، عقل يتمنى أن يصبغ هذا العالم بتصورات ممزقة، أشبه بوهمٍ حزين يعتلي مشهد الدمار.
في تلك الأيام الغابرة، حين كان العالم مشغولًا بأنباء المعارك المدمرة والخراب الذي لا ينتهي، برز أشخاص كانوا يؤيدون ما تفعله داعش والجماعات المتشددة الأخرى من قتل وتشريد وتدمير. كانت أخبارهم تصلهم عبر "فلاش ميموري"، محملّة بتقنيات تصوير عالية تعكس معاركهم التي لا تعرف رحمة. كأنهم يظنون أن هذا الطريق هو الذي سيعيد لهم ما فقدوه أو ما يتخيلون أنهم فقدوه. لكنني كنت على يقين أنها لا تحمل غير الخراب، وأنها ستنتهي عاجلاً أم آجلاً.
كان النقاش يدور حول هذه الجماعات، الجماعات المتخلفة الرجعية التي تتبنى الفكر السلفي، كمن يعيش في الكهوف وتحت الأرض، يحاولون بناء دول في زمان لا يعرف سوى التقدم. لديهم حلم مزعوم بالخلافة، حلم لا يدركون أنه انتهى منذ زمن بعيد، وأنه لا يتناسب مع عصر تملؤه الأنظمة الحديثة والشعوب المتنوعة.
في كثير من الأحيان، كنت أجد نفسي أتحداهم في النقاش، أشرح لهم أن هذا الفكر لا يمكن أن يستمر، وأنه سيتفكك في النهاية، لأن معاركه لا تقوم على أية قاعدة عقلية أو إنسانية، بل على العنف والدمار. وكان عجبي أكبر من هؤلاء الذين يحتفلون بكل دماء تُسفك وكل روح تُزهق بسبب اختلاف في العقيدة أو العرق أو اللون. هل حقًا يُستحق الإنسان القتل لمجرد أنه يختلف عنك؟
كنت أسعى بجهد أن أرفعهم إلى مستوى فكري رفيع، أريدهم أن يروا في دينهم شيئًا أسمى من ذلك. أريدهم أن يروا صورة من الإسلام التي نشرت العلم والحكمة والسلام، لا تلك التي تسوّغ القتل وتدمير المجتمعات. لكنهم كانوا يصرّون على التمسك بعالمهم الضيق، عاقدين العزم على إصرارهم، غير قابلين لأي محاكمة عقلية.
وأنا هنا، أتمنى أن أتمكن من أن أجعلهم يرون الأمل في العالم، أن يدركوا أن الحياة تستحق أن تُعيش بسلام، وأن الاختلاف ليس سببًا للقتل، بل هو سبب للتفاهم والتعايش.
درزي قي القاهرة !!
في قاهرة المعز، كانت عيناي تلتقطان أنماطًا مختلفة من البشر، وأشكالًا متنوعة، وكل شخص كان يحمل تجربة فريدة وثقافة لا تشبه الأخرى. كان من بين هؤلاء الأشخاص راغب، اللبناني من طائفة الدروز العريقة في لبنان. لم يكن من السهل على المرء أن يلتقي بشخص من هذه الطائفة في تلك الأيام، لذلك كنت أشعر دومًا بنوع من الفضول تجاهه.
في أحد الأيام، اصطففنا للصلاة، كما هو المعتاد، لكن راغب بقي جالسًا على مقعده، يتصفح هاتفه الجوال، غير مبالٍ بما حوله. بعد أن انتهت الصلاة، لاحظت أن بعض الأشخاص من حولنا، الذين كانوا يبدون متعصبين دينيًا، تجاهلوا الأمر تمامًا. لكنني لم أكن من هؤلاء المتعصبين، وكان فضولي يدفعني لطرح سؤال لم يسأله أحد غيري.
سألته بابتسامة: "لماذا لم تصلي معنا؟" كنت أرغب في معرفة ما إذا كانت هناك أسباب دينية وراء تصرفه هذا. أجابني ببساطة، لكن إجابته كانت صاعقة بالنسبة لي. قال: "الصلاة عندنا، نحن الدروز، مخصصة لكبار السن، وهي تعقد بسرية بالغة. لدينا طريقة مختلفة في الصلاة عنكم."
اندهشت لكلماته. لم أكن قد سمعت شيئًا كهذا من قبل. استمعت إليه وهو يوضح لي أن مفهوم الدين لديهم يختلف تمامًا عما هو سائد بين المسلمين. فالصلاة، في تصورهم، ليست محصورة في الحركات والطقوس المعروفة، بل هي دعاء وتأمل يعبر عن الروحانية الداخلية، وليس شيئًا يُعلن للآخرين.
بعد أن تركني في صمتٍ عميق، نظرت من حولي وفكرت مليًا فيما قاله. تذكرت وقتها فكرة قرأتها ذات يوم: "الإنسان كائن متدين بطبعه، مهما كانت جهاته أو معتقداته، يظل يبحث عن دين أو طقس أو عبادة تشغل حيزًا من حياته الروحية." كانت هذه الكلمات تتردد في ذهني وأنا أراقب تفاعل الناس من حولي. وفي تلك اللحظة، أدركت أن الدين ليس فقط طقوسًا أو شعائر خارجية، بل هو حاجة روحية داخلية، يسعى كل إنسان لإشباعها بطريقته الخاصة، بعيدًا عن الأشكال والتصورات التي قد تبدو للآخرين غريبة أو غير مفهومة.
عندما هممت بالرحيل، شعرت بشيء من الهدوء الداخلي. ربما كانت تلك اللحظات هي بداية فهم أعمق للروحانية، وللتنوع الذي يجمعنا كبشر في سعي دائم وراء المعنى والروح.
في القاهرة، حيث تتناثر العجائب وتتنوع الثقافات، قابلت صعيدياً كان يحاول أن يخرج من ثيابه وثقافته المحدودة، يتعرى فكرياً، ربما ظنّ أنه في قلب مصر يعني أنه فوق كل شيء. كان يعتقد أن كونه هنا يمنحه شيئاً عظيمًا، لكنه في الحقيقة كان مثل من يحفر في الصخر بلا جدوى، محاولات لا تنتهي لكنها تظل دون نتيجة.
في إحدى المرات، سألته عن مراحل التقدم في الدول العربية. ظنّ، عن قناعة تامة، أن دول الخليج تحتل أسفل القائمة. كان يعتقد أن الدول التي قامت فيها الجمهوريات كانت أفضل حالًا من حيث الفكر والثقافة. لكنه لم يدرك أن ممالك الخليج، التي ارتقت وازدهرت بفضل تركيزها على التقدم الاقتصادي والفكري، تجاوزت كثيراً من تلك الدول التي تبنت الاشتراكية والقومية، والتي لم تخرج من دائرة الفشل بل كانت تلتف حول نفسها.
كنت أراقب بتمعن كيف يفاخر بعبد الناصر، ولم يخطر بباله أن عبد الناصر نفسه قد سار في طريقٍ عكسي. كان يعتقد أن هذه الإيديولوجيات العظيمة، رغم فشلها الواضح، تملك الحلول التي انتظرتها شعوبنا، لكنه لم يكن يدرك أن تلك الأفكار ماتت في المخاض ولم تنتج فكراً مستقيمًا.
وكانت المفاجأة، وهو يُسمّي نفسه "أبو خالد". نفس اللقب الذي كان يفاخر به عبد الناصر! لم أستطع إلا أن أبتسم، فالرجل الذي لم يدرك أن التقدم ليس مجرد شعارات يتنقل بها من حقبة إلى أخرى، قد وقع في فخ التسمية، تمامًا كما وقع في فخ الأيديولوجيا.
ظل يروي لي أراءه، متخيلًا نفسه كمن في قمة الجبل، وهو في الحقيقة لم يكن يجرؤ على النزول إلى أرض الواقع.
ناصري صعيدي!!
في القاهرة، حيث تتناثر العجائب وتتنوع الثقافات، قابلت صعيدياً كان يحاول أن يخرج من ثيابه وثقافته المحدودة، يتعرى فكرياً، ربما ظنّ أنه في قلب مصر يعني أنه فوق كل شيء. كان يعتقد أن كونه هنا يمنحه شيئاً عظيمًا، لكنه في الحقيقة كان مثل من يحفر في الصخر بلا جدوى، محاولات لا تنتهي لكنها تظل دون نتيجة.
في إحدى المرات، سألته عن مراحل التقدم في الدول العربية. ظنّ، عن قناعة تامة، أن دول الخليج تحتل أسفل القائمة. كان يعتقد أن الدول التي قامت فيها الجمهوريات كانت أفضل حالًا من حيث الفكر والثقافة. لكنه لم يدرك أن ممالك الخليج، التي ارتقت وازدهرت بفضل تركيزها على التقدم الاقتصادي والفكري، تجاوزت كثيراً من تلك الدول التي تبنت الاشتراكية والقومية، والتي لم تخرج من دائرة الفشل بل كانت تلتف حول نفسها.
كنت أراقب بتمعن كيف يفاخر بعبد الناصر، ولم يخطر بباله أن عبد الناصر نفسه قد سار في طريقٍ عكسي. كان يعتقد أن هذه الإيديولوجيات العظيمة، رغم فشلها الواضح، تملك الحلول التي انتظرتها شعوبنا، لكنه لم يكن يدرك أن تلك الأفكار ماتت في المخاض ولم تنتج فكراً مستقيمًا.
وكانت المفاجأة، وهو يُسمّي نفسه "أبو خالد". نفس اللقب الذي كان يفاخر به عبد الناصر! لم أستطع إلا أن أبتسم، فالرجل الذي لم يدرك أن التقدم ليس مجرد شعارات يتنقل بها من حقبة إلى أخرى، قد وقع في فخ التسمية، تمامًا كما وقع في فخ الأيديولوجيا.
ظل يروي لي أراءه، متخيلًا نفسه كمن في قمة الجبل، وهو في الحقيقة لم يكن يجرؤ على النزول إلى أرض الواقع.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق