يحكى أنّ فأرًا صغيرًا اتخذ له مأوى في بيتٍ من بيوت الخرائب، بيتٍ مهجورٍ تسكنه الريح ويؤنسه العنكبوت، وقد قاسمه العيشَ في ذلك المكان بومٌ أبيض اللون، غائر النظرات، يُدعى بصّار.
وفي ليلةٍ ساكنة، التفت البوم إلى جاره الفأر وقال بسخريةٍ لا تخلو من جوع:
– "أراك يا فرفور قد أثقلت جسمك وأصبحت سمينًا!"
ابتسم الفأر في اتزانٍ ظاهر، وأجابه:
– "لعلّك تجهل قصتي يا بصّار. إن طمعت في أكلي فلن تنال إلا عظماً يابسًا على جلدٍ رقيق، لا يُسمن ولا يُغني من جوع."
فاندهش البوم وقال وقد سال لعابه:
– "أول مرة أرى فريسةً ممتلئة، تتحدث بلسانٍ منمّق وثقافةٍ غريبة! أيُّ فأرٍ أنتَ يا فرفور؟ إنك لفأرٌ يثير شهيتي أكثر مما يثير فضولي!"
قال الفأر بنبرةٍ جادّة:
– "لستُ هنا لأُطرب أذنك، يا سيدي بصّار، بل لأحكي لك ما جرى."
فمال البوم برأسه وقال:
– "هات ما عندك!"
تنحنح الفأر وقال:
– "في بلادي البعيدة، في الهند، حيث العجائب والغرائب، حيث الحكايات تفوق خيال أليس في بلاد العجائب… كنتُ على متن سفينةٍ تسبح في لجّة البحر، أترقب حبيبتي بقلقٍ وولهٍ. غير أنها لم تأتِ… وعُدتُ أبحث عنها حتى قيل لي إنها غابت عند مطلع القمر، حيث تنفتح المغارة العجيبة."
حينها لحس البوم لسانه، وصاح ضاحكًا:
– "فأرٌ عاشق! ليتك جئت بحبيبتك معك، فأشبع بها بطني، ثم تكملا حكاية حبكما بين مخالبي. بل ليتكما تُرزقان صغارًا، فيزدحم مسكني بأشهى الولائم!"
قطب الفأر جبينه وقال في حزم:
– "ما كنتُ فأرًا منذ البداية… بل كنتُ آدميًّا من بني البشر."
فارتجف البوم وقال في دهشة:
– "آدميّ؟! الويل لي! ما أقسى البشر! لم أرَهم يومًا إلا وهم ينعتونني بنذير الشؤم، ورسول الفناء!"
قال الفأر:
– "بلى، نحن قساةُ القلوب يا بصّار. كنتُ تاجرًا ذا سفنٍ و موانئ، يضيق صدور الناس بثرائي، و أثار الحسد فؤاد أخي. دبّر لي خيانةً مُحكَمة، وأشاع أن حبيبتي ابتلعتها المغارة عند مطلع القمر. وما علمتُ إلا متأخرًا أنّه أراد هلاكي، كي يحول بيني وبينها."
أطرق البوم مليًّا وقال:
– "أكان أخاك أم عدوك؟ عجيبٌ أمر البشر!"
واصل الفأر حديثه:
– "في تلك الليلة، وأنا أمام المغارة، والقمر يتكبّد السماء، والنجوم تبعثر فضتها في العلوّ، هبّت من الظلام عجوز شمطاء. حدّقت فيّ وقالت بلهجةٍ صارمة: اختر، إمّا أن تُمسخ قطًّا مدللًا في بلادٍ بعيدة، أو فأرًا محبوبًا في الهند.
فسألتها: ولماذا هذا الخيار العجيب؟
قالت: لأنك بلغت مطلع القمر، ومن يبلغه يُمسخ حتمًا.
فأجبتها: اجعليني فأرًا! فالفئران في الهند أرحم حالًا من البشر. لكنها أسرّت إليَّ نبوءة غريبة: ستعود بشرًا يومًا إذا رويتَ حكايتك لبومٍ يُدعى بصّار، صغير الأذنين، أبيض الريش، قليل الشعر في صدره، يسكن في الخرائب."
رفع البوم حاجبه في اندهاش، وقال بصوتٍ متهدّج:
– "ذلك أنا… أنا بعيني!"
ابتسم الفأر وقال:
– "الآن أتركك في حال سبيلك. لا تمسّني ولا أمسكك. فإذا عُدتُ آدميًّا فلن أدع أحدًا من بني البشر يطالك بأذى."
تأثر البوم وقال وهو يشيّعه بنظراتٍ حائرة:
– "امضِ أيها الغريب… فأنت من أكرم من عرفت من البشر."
وانطلق الفأر مسرعًا ينجو بحيلته، تاركًا البوم غارقًا في حيرةٍ بين تصديقٍ وتكذيب، يردد في نفسه:
– "يا للبشر! ما أقساهم قلوبًا وما أغرب حيلهم! الحمد لله الذي خلقني بومًا."
النهاية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق