بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 16 يناير 2026

حين لا تعترف الغابة بأبنائها


 

«حين لا تعترف الغابة بأبنائها»

 

كنغر في سيبيريا!!

 



تسير سيارة حديقة الحيوان في صحراء سيبيريا، الثلوج تغطي كل شيء والطريق متعرج. فجأة، يندفع كنغر أسترالي خارجها، مذهولًا من البرد القارس الذي يلسع جلده. الأرض هنا ليست كما في أستراليا، والرمال الذهبية التي اعتادها تبدو حلمًا بعيدًا. همس لنفسه:
«ما هذا المكان؟ ما من أحد مثلي هنا… أرض لا تعرف جنسي… ولا مأوى…»
مر أمامه النمر السيبيري، عينيه تتلألأان بالجوع والتهديد، وقال بصوت مهيب وشرس:
«أهلاً بك في موطني، أيها الغريب… لن تخرج من هنا حيًا!»
لكن الكنغر لم يخف، قبضته المشدودة تعكس ثقة غريبة، ورد بعزم:
«أنا أقاتل من أجل حياتي… جرب أن تمسكني وستعرف قوة قبضتي!»
اندفع النمر، لكن الكنغر، بملاكمة فطرية، سدد له لكمة خطافية قوية جعلته يصرخ ويقع بعيدًا على الثلج. تنهد الكنغر ولجأ إلى ظل شجرة كبيرة، يراقب الببر يئن ويصيح بغضب:
«لن أنساك! سأعود… سأهشم عظامك وألتهمك، أيها الغريب ذو القبضة القوية!»
قال في نفسه بصوت خافت، مليء بالندم والحذر:
«أردت الحرية… لكن الحرية بلا أمان لا تفيد. المرء إذا عاش بلا جماعة، بلا عشيرة تحميه وتعاونه… لا يعيش أبدًا. من يخرج عن عشيرته وأصله، تأكله النمور والذئاب. النجاة تحتاج لأحد يعرفك، لحمه من لحمك، دمه من دمك… بدون ذلك كل خطوة قد تكون الأخيرة.»
نظر إلى ساقه، حيث كانت بطاقة مكتوب عليها اسمه وبلاده ونوعه النادر، وقال لنفسه:
«لو صبرت، لوجدت الراحة عند بني البشر، المأوى والطعام، الحماية… العدو العاقل خير من الصديق الجاهل…»
الببر كان يتحين الفرصة، وعيناه تتلمسان أي لحظة ضعف، بينما طير عملاق يحوم فوقهما، يترقب النهاية ليأخذ نصيبه من بقايا الصراع. الليل بدأ يهبط، والنوم يزحف إلى عيني الكنغر، فتصبح كل ثانية فاصلة بين الحياة والموت.
وفجأة، جاء صوت محرك السيارة كالموسيقى المنقذة. صرخت روح الكنغر:
«النجاة هنا… آخر فرصة!»
اندفع الكنغر نحو السيارة بسرعة مذهلة، لكن قدميه انزلقت على الثلج، وخرج أمامها… دهسته العجلات ومات على الفور.
نزل السائق والراكب من السيارة، مذهولين. قال السائق بدهشة وحزن:
«هذا هو الكنغر الذي كنا نبحث عنه طوال اليوم… لقد فقدناه للتو!».

 

النمر الذي اختنق بالدفء

 
وُضِعتُ في قفصٍ فسيح، تتراقص حوله الظلال وتغشاه الشمس من كل صوب، وأنا النمر السيبيري، ابنُ البلاد التي لا تعرف غير الصقيع، حيث الهواء سكاكين، والثلج وطن، والبرد رفيق لا يخون.
هناك، كنت أتنفّس الألم وأفهمه، أما هنا… فهذا الدفء الخانق كان أشد فتكًا من الجليد.
حرارةٌ تثقل الصدر، وتُرخي الأطراف، وتقتل الرغبة في الحركة.
كنت أستلقي في مكمني الضيق من الظل، أراقب الكائنات من حولي، تمضي وتجيء، تركض وتلهو، كأن الشمس خُلِقت لهم وحدهم، وكأن العرق زينة لا عبء.
كنت أتعجب:
كيف لهم أن يتحركوا تحت هذا القيظ وكأنهم لم يُخلقوا للزمهرير مثلي؟
الخروج من الظل مغامرة،
والحركة مغالبة للنفس،
والجسد يأبى الطاعة.
مرّت بالقرب مني أنثى كوالا، ممتلئة الجسد، تمضي بخطى سريعة، يتعلّق بصدرها صغارها، تتجه بهم نحو موضع الطعام. رفعتُ رأسي بصعوبة، وصحت بها بصوتٍ أنهكه العطش والجوع:
— يا جميلة القوام، ما بالك مستعجلة مفزوعة؟ أما تشعرين بما أشعر به من لهيب؟
توقفت لحظة، التفتت إليّ بعينين هادئتين، وقالت بلا تردد، وكأن الأمر بديهي لا يُناقش:
— هكذا حياتنا هنا… وقد اعتدناها.
تسللت عيناي إلى فضاء القفص، فرأيت كائنًا يقفز بعيدًا، جسده مشدود، حركته سريعة، تشبه ذكرى لم تبرح ذهني. همست في نفسي، وقد عاد الألم دفعة واحدة:
— يشبه ذاك الحيوان الذي سدد لي لكمة في سيبيريا… نعم، إنه الكنغر، أو صورة منه.
عدت ببصري إلى الكوالا، وقد أطبق الجوع على أحشائي، فقلت لها بنبرة امتزج فيها الرجاء بالتهكم:
— يا أيتها الكوالا السمينة، ألا تعطينني أحد صغارك طعامًا؟ أكون لك من الشاكرين… فإني أتضوّر من الجوع.
تصلّبت ملامحها، وضمت صغارها إلى صدرها كمن يحتمي باليقين، وقالت بحزمٍ لا لين فيه:
— لم أنجبهم لأهديهم لأحد. الابن غالٍ، حتى إن عقّ وتاه عن دروب الصواب.
اهتزّ شيء في داخلي، شيء بدائي، قديم، أقرب إلى النار منه إلى العقل. زأرتُ:
— والجوع كافر!
ألا تؤمنين أن للكائن حقًا في أن يعيش؟
لم تُجب.
مضت مسرعة، تاركة خلفها صمتًا أثقل من الحر.
حينها، انقلب ما في صدري إعصارًا.
لم أعد نمر الثلج المتربص، بل وحشًا حُبس طويلًا حتى نسي حدوده. قفزت، ضربت القضبان، هاجمت ذات اليمين وذات الشمال، كأن القفص ضاق علي أكثر.
وفجأة…
دوّى صوت معدني حاد،
وانفتح الباب.
اتّسعت عيناي، لا دهشةً بل فطرة.
هذا هو الخلاص.
اندفعتُ خارج القفص، لا ألتفت خلفي، أجري كما كنت أجري في سيبيريا، وكأن الهواء عاد باردًا في صدري، وكأن الأرض تذكّرتني أخيرًا.
ابتعدت… ابتعدت كثيرًا، حتى خُيّل إليّ أن القيظ انكسر، وأن الشمس لم تعد سيفًا مسلطًا على ظهري.
هناك، رأيتهم.
نمورًا… مثلي.
أجساد مخططة، عضلات متحفزة، وعيون تعرف الرائحة قبل الصوت.
تقدّمت خطوة، ثم أخرى.
لكنهم تراجعوا.
فرّوا.
نظروا إليّ كما يُنظر إلى شيء مألوف في الاسم، منكر في الشكل.
زأرتُ، لا تهديدًا بل تعريفًا:
— أنا منكم وفيكم.
كلّنا من سلفٍ واحد،
لكنّي خُلِقتُ في أرضٍ باردة،
في بلادٍ لا تعرف هذا اللهيب.
لم يسمعوا المعنى…
أو لعلهم سمعوه ورفضوه.
أحاطوا بي، عيونهم نار، وأنيابهم لا تعرف المجاز.
الغضب يسبق السؤال،
والاختلاف تهمة لا تُناقش.
فهمتُها حينها.
الغربة لا تزول بالهروب،
والانتماء لا يُستعاد بالصراخ.
تراجعت.
خطوة… ثم أخرى.
عدتُ أدراجي، لا هزيمةً بل وعيًا متأخرًا.
دخلتُ القفص من حيث خرجت، وأُغلق الباب خلفي هذه المرة بلا صوت.
لاحقًا فقط، حين هدأ النفس وخفّ الوهم، أدركت الحقيقة كاملة:
لم أهرب من شيء.
ولم أصل إلى شيء.
كل الأرض التي ظننتها حرية…
كانت تابعة للحديقة.
والقَفَص، مهما اتّسع،
يبقى قفصًا
حين لا تكون البيئة بيئتك،
ولا الجماعة جماعتك،
ولا الأرض تعرف اسمك.

 

الكوالا الظالمة  

حين انبلج الصباح على الغابةٍ الأسترالية بنصف يقِظة، أدركت أنثى الكوالا أن الجراب صار أخفّ مما ينبغي.
مدّت رأسها ببطء، كأنها تخشى أن يوقظ الاعترافُ المصيبة، ثم أدخلت أنفها الأسود الكبير في الفراغ، تشمّ الهواء، تحاكمه، وتستنطقه.
بصرُها لم يكن حليفها، لكنه لم يكن خذلانها الأكبر؛ فالروائح كانت تتكلم بوضوحٍ جارح، تخبرها أن الصغير خرج، تاه، وربما… ابتلعته الغابة.
كانت تمشي ببطءٍ يناقض الفزع الذي يعصف بها، وكل خطوةٍ منها تشبه اعترافًا متأخرًا.
قالت في سرّها، والندم يتسلّل كظلٍّ بارد:
كيف خرج من الجراب؟ كيف لم أشعر؟ أكنتُ في نومٍ سحيقٍ إلى هذا الحد؟
ثم لمحت القفص القابع عند أطراف المكان، حيث يرقد النمر السيبيري، غريب الهيئة، غريب المناخ، كأن البرد الذي جاء منه ما زال عالقًا في عينيه.
لا عدوّ هنا سوى هذا القادم من الثلج…
هكذا قرّرت، لأن الخوف يحتاج دائمًا إلى اسم.
اقتربت منه، وكان الحزن قد استقرّ فيه كما يستقرّ الصدأ في الحديد، وقالت بصوتٍ مشحونٍ بالاتهام:
— يا سفّاح، يا قاتل… هل ابتلعت الصغير الغضّ؟
رفع النمر رأسه، حاول أن يفتح فمه، أن يدافع عن نفسه، أن يقول شيئًا يشبه الحقيقة، لكنها لم تمنحه الزمن اللازم للكلام.
اندفعت كلماتها كحجارة:
— إن لم يخرج، فسوف أُنهيك.
أنت وحيد هنا، حتى النمور لا تريدك، ولن يتجرّأ أحد على حمايتك.
ستموت وحيدًا… كما تعيش.
ثم استدارت ومضت، تفتّش بين الأشجار، بين الأغصان، بين رائحة الأمس واليوم، بينما بقي النمر خلف القضبان، ينظر إلى أثرها المتلاشي، ويتمتم بصوتٍ لم يسمعه أحد:
— لو أكلته لما استشرتك… لكنني غريب، والغريب متّهمٌ دائمًا.
ومع أن النوم قرينُ الكوالا الأبدي، إلا أن هذه الأنثى كسرت عادتها، وسهرت حيث لا يُسهر، وفتّشت حيث لا يُفتّش.
حتى إذا أنهكها البحث، رفعت رأسها أخيرًا…
فرأت الصغير.
كان فوق شجرةٍ عالية، متكوّرًا على نفسه، وقد أكل من أوراقها حتى شبع، ثم استسلم للنوم كأن شيئًا لم يكن.
حينها سقطت الكوالا في يدها.
الحقيقة كانت بسيطة إلى حدّ الإهانة.
لم يكن هناك قاتل، ولا سفّاح، ولا دم… كان هناك إهمال فقط.
عرفت أن عليها أن تعتذر.
غير أن نمرًا أستراليًا، عريض الصدر، ضيّق القلب، وقف في طريقها وقال ببرود:
— لا تفعلي.
دعيه في عزلته.
إنه غريب عنّا، ولا شأن لنا به.
قالت وهي تشدّ على نفسها:
— ما من مجتمع يقوم دون تضافر.
والاعتذار لا يُنقص من صاحبه شيئًا، بل يكشفه على حقيقته.
ابتسم النمر الأسترالي ابتسامة من يعرف ميزان القوة وقال:
— إن فعلتِ ذلك، سننبذكِ.
أنتِ محميّة هنا، وصغارك في أمان، لأنك منّا، ولأن هذه الأرض لنا… أستراليا.
مضت الكوالا، ولم تعتذر.
لم يكن ذلك لأنها لم تُرِد،
بل لأن الواقع كان أثقل من الضمير.
سارت، والصغير آمنٌ في جرابها،
لكن قلبها ظلّ خارج صدرها،
عالِقًا عند قفص نمرٍ لم يُؤذِ أحدًا،
ودُفع ثمن ذنبه… لأنه لم يكن من هنا.
وهكذا تعلّمت أن الحياة لا تُقاس ببراءتها،
بل بقدرتها على كسر من يحاول أن يكون عادلًا.

 

الدنغو تغزو 

 

 في صباحٍ يعلوه توهج الشمس الحارقة، هاجت كوكبة من الذئاب الأسترالية، المعروفة بالدنغو، على صغار النمور، واختطفت منهم عددًا لا يُستهان به، تاركة الفزع في عيون الصغار وقلوب الأمهات.

اشتكت الأمهات للنمور الذكور، الذين وقعوا في حيص بيص، عاجزين عن معرفة سبيل إنقاذ فلذات أكبادهم.

فقال أحدهم وقد ارتسم على وجهه القلق والعزم:
«لن تفلح مساعينا ما لم نجد طريقة ناجعة نفوز بها على هذه الذئاب المتشردة…»

لكن من بين الجموع الغفيرة، كان نمر متوارٍ، يراقب الأحداث بصمت، ثم قال بهدوء:
«ثمة نمر من أرض بعيدة تُدعى سيبيريا نبذناه، وهو حبيس قفصه لا يخرج أبدًا، وقد اتهمناه في أخلاقه وشرفه… ومع هذا، لا أرى الحل إلا بيده.»

ارتج المجلس بأكمله، وارتفعت الأصوات بين معارض ومؤيد، حتى أجمع الأغلبية على الرأي.

لكن أحدهم تساءل بقلق:
«كيف نبلغه بالأمر ونحن الذين دفعناه عنا ولم نقربه زلفى؟»

قال نمر أسترالي، يذرع الصحراء الملتهبة ذهابًا وإيابًا:
«الحل عند الكوالا، فهي أقرب الكائنات له…»

ذهبوا إلى الكوالا واشتكوا أمرهم، إلا أنها ردّت بحدة:
«لقد اتهمته أنه أكل أحد صغاري، ولن يرضى أن يستمع إلي…»

قالوا لها:
«السيل بلغ الزبى، ولم يعد في الأمر سهم. يجب أن تكلمه، ولن ننسى معروفك حيالنا…»

وأضاف أحدهم، وهو عصبي المزاج:
«وإلا نقضنا العهد الذي بيننا، و التهمنا صغارك!!»

قام أحد التمور بإسكاتهم، مدركًا أن الأمر ليس من صالحهم.

رضيت الكوالا في النهاية، لأنها خشيت على صغارها وأرادت الاعتذار عما بدر منها، فمضت نحو النمر القابع في القفص، وقد أصابه الضجر، وعندما اقتربت قالت:
«أيها الملك غير المتوَّج، صاحب السلطان والصولجان، لم أعرف قدرك وقوتك إلا لما غبت عنك، وقد ندمت لأنني اتهمتك، وقد جئت إليك لأقدم فروض الطاعة، أنا وصغاري رهن إشارتك، وأعلم أن قلبك أبيض، فمن غفر وسامح و تجاوز و نقى سريرته كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس كسب في الدنيا قبل الآخرة…»

هزت هذه الكلمات مشاعر النمر السبيري، الوحيد المعزول، الذي وجد في هذه الفرصة مدخلًا للعودة إلى مجتمعه. فقال لها:
«غفرت لك، لكن لا تكرري الأمر…»

توقفت الكوالا قليلاً، ثم استرسلت:
«ثمة ذئاب أسترالية تُدعى الدنغو تعيش هنا، وهي سارقة محترفة تختطف صغار الحيوانات… وقد اختطفت صغار من النمور، والنمور تطلب…»

قال النمر السبيري، وقد امتاز الغيظ على وجهه:
«أوجزي!»

متلعثمةً، أكملت:
«يطلبونك أن تتدخل، لأن شكلك غريب على الذئاب، وسوف تخاف منك، فهي لم ترَ أحدًا مثلك من قبل!»

نظر إليها النمر بتوجس وقال:
«أنت لم تأتي من أجل الاعتذار، لديك مأرب وغاية أبشع من أنفك الأسود… ومع ذلك، سأفعلها، ولن اقوم بهذا إلا من أجل الصغار الأبرياء…»

وبالفعل، أصبح النمر السبيري الحارس الحامي، وخافت الذئاب الأسترالية الدنغو من منظره الغريب، واستغربت مظهره، ففرّت هاربة من المكان كله…

شكرت النمور النمر السبيري، وكذلك أنثى الكوالا، إلا أن الأمور سرعان ما انتكست بعد فترة، وعادوا إلى سيرتهم الأولى. هكذا هو المرء: في وقت الحاجة يصبح رقيقًا، وفي وقت الرخاء يعود صلبًا، لا يثبت على شيء على طبيعته.

 

 الدنغو المثقف


في أعماق الغابة، حيث يتشابك الظل مع ضوء الشمس المتسلّل بين أغصان الأشجار، كانت ذئاب الدنغو تعيش على السطو والخطف، تمارس العنف كما لو كان إرثًا مقدّسًا لا يُمسّ. لكن بين هذه الكائنات المفترسة، برز ذئبٌ واحد مختلف، حمل في قلبه هموم الفكر وأصداء القراءة، صدى الفلسفة والأدب والشعر الذي تسلّل إلى وجدانه، فصار يرى ما لا يرونه، ويشعر بثقل ما اعتادوه خفيفًا.
قال لهم يومًا، وصوته يئنّ تحت وطأة الفكر: — ما تصنعونه يتنافى مع كل ما قرأته وتعلّمته، مع كل فكرة نوّرت عقلي…
ضحكوا بتهكّم، وقال أحدهم: — وما الذي يجعلك مختلفًا؟ عقلك المرهف؟ أفكارك؟ خططك الجهنمية؟ لهذا نتمسّك بك!
غمره حزنٌ ثقيل، فأجاب بصوتٍ منخفض: — لن أستمر في هذا الطريق… أشعر بثقلٍ يرهق كاهلي. سرقة الأرواح ونهب أثمن ما يملك الآخرون ليس تصرّفًا لائقًا.
قهقه أحدهم ساخرًا: — حتى لغتك تغيّرت! من كثرة انغماسك في الكتب… انتبه، لا يضيع عقلك برمّته!
ورغم التهديدات بالموت والمصير المحتوم، قرّر الانفصال عن القطيع، متجهًا نحو حياةٍ نقية، صافية، خالية من الشوائب. سار وحيدًا، يمشي على خطى الفلاسفة الرواقيين، يراقب نفسه قبل أن يراقب العالم، ويسائل روحه أكثر مما يسائل الطريق. وكان السؤال يطارده: هل سيظلّون يرونني ذئبًا سفّاحًا، رغم اختياري درب الفكر والرقي؟
حين بلغ بحيرةً صافية، كانت الغزلان ترتشف من مائها في هدوء. وما إن وقعت أعينها عليه حتى ارتجفت وفرّت مذعورة، تصرخ: — أقبل الذئب الأسترالي القاتل… دنغو! دنغو!
وفي كل أرضٍ حلّ بها، كانت الكلمة ذاتها تسبقه، حتى صادف بومةً عجوزًا، جاثية على غصن صفصافٍ عالٍ، تبتسم ابتسامة من عرف الألم قبل الحكمة.
قالت له بصوتٍ هادئ، لا قسوة فيه ولا شفقة: — لكلّ تغييرٍ ثمن، ولن يؤمن بك الآخرون حتى تثبت لهم عكس ما يظنّون.
ثم سكتت لحظة، وأردفت: — لن أطيل في الكلام… فقد مررتُ بمعاناةٍ قاسية. كنت أعيش في أرضٍ لا ترى فيّ إلا الفناء، ولم أرتح لنظراتهم، كانوا يرمونني بالطوب قبل أن يسمعوا صوتي، فتركتهم وارتحلت إلى أرضٍ أخرى، فإذا بهم هناك ينظرون إليّ بوصفـي دليلًا على الحكمة.
لا تتوقّع من الآخرين التقدير لأنك تغيّرت، افعل ما تؤمن به… وستنتصر.

 

النهاية 


 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...