سوق الديرة
نورة أم الحش - صوت نورة
أنا نورة…
من أولئك النسوة اللواتي يعرفن أخبار السوق قبل أن تقع، لا لأنني شريرة، بل لأن السوق إن سكتُّ عنه يختنق في صدري.
أحب الحكي، نعم، وأحب “الحش” أكثر مما ينبغي، لكنني أعرف متى يصمت اللسان احترامًا، ومتى يتكلم خوفًا.
ذلك اليوم لم يبدأ بضجة،بل بشيء في الهواء…
ارتجافة خفيفة جعلتني أرفع رأسي من فوق البضاعة.
الصمت كان غريبًا، ثقيلًا، كأن أحدهم كسر شيئًا لا يُسمع صوته.
رأيتها.
امرأة واقفة عند أحد الممرات، متيبسة، كأن قدميها نسيتا كيف تتحركان.
والرجل…
كان قريبًا منها أكثر مما يسمح به المكان، أو الذوق، أو الله.
أنا أعرف هذا المشهد، رأيته كثيرًا، لكن هذه المرة كان مختلفًا.
الخاتم في يدها كان واضحًا، ليس زينة، بل وعدًا.
وعينها… عينها كانت تقول: لا تقترب،
وهو كان يتجاهل كل شيء.
حين ارتفع صوتها، لم يكن صراخ فضيحة،
كان صوت امرأة خافتة تحاول ألا تنكسر.
تجمّع الناس، بعضهم يتفرج، وبعضهم لا يعرف ماذا يفعل،
وأنا…
كنت ألعن نفسي لأني تأخرت ثانية واحدة عن التدخل.
ثم جاءت أم محمد.
لا أعرف من أين خرجت بالضبط،
لكنها لم تمشِ نحونا…
اندفعت.
جسدها كان حاجزًا، وصوتها لم يحتج إلى صراخ.
دفعت الرجل بعيدًا، وقالت له ما يكفي ليجعله يتراجع،
لا بالكلام، بل بالهيبة.
تمزقت العباءة، وسقط القماش، وبقيت المرأة واقفة، لكن روحها…
كانت تهتز.
وهنا — وهنا فقط — فهمت شيئًا لم أفهمه من قبل:
التحرش لا ينتهي حين يهرب المعتدي، بل يبدأ بعدها.
جلست أم محمد المرأة قرب بسطتها،
وأنا وقفت قريبًا، أراقب، وأصمت — وهذا نادر عندي.
ألبستها عباءة نظيفة، ناولتها ماءً، ومسحت يدها المرتجفة كأنها تمسح خوفًا قديمًا.
كانت تقرأ قرآنًا بهدوء، لا لتسمعنا، بل لتعيد المرأة إلى نفسها.
سمعتها تقول بصوت مكسور:
«لو تأخرتِ… لانتهيت.»
ثم همست:
«زوجي قادم… وأنا لا أعرف كيف أنظر في عينيه.»
وقتها…
نسيت النميمة، ونسيت الحكي، ونسيت كل شيء أعرفه عن السوق.
أم محمد لم تعطِ خطبة،
ولم تقل كلامًا كبيرًا.
قالت ببساطة:
«غيّري ملابسك. أنتِ لم تخطئي. وأنا هنا.»
ذهبت المرأة معها نحو دورات المياه،
ومع كل خطوة كانت تستعيد جزءًا من نفسها.
أما الخوف، فبقي معلقًا في المكان،
كأنه شاهد لا يريد أن يرحل.
عدتُ إلى بسطتي، لكنني لم أعد نورة نفسها.
السوق الذي أعرفه منذ سنوات
كشف لي وجهًا آخر.
هنا يُباع كل شيء، إلا كرامة النساء…
إن وُجدت أم محمد.
وأنا؟
أنا نورة،سأبقى أحكي، لكن بعض القصص لا تُروى للنميمة،بل كي لا تتكرر.
وثقوا بي…في هذا السوق قصص كثيرة آن لها أن تُقال.
سوق الديرة – قصة أم محمد
أنا أم محمد.
بسطتي ليست مجرد قماش وحلوى وألعاب، هي ركن صغير في قلب سوق الديرة، حيث يعرفني الناس بالخير وبالكرم، ومن يعرفني يعرف أن يدي دائمًا ممدودة لمن يحتاج.
لكن في ذلك اليوم، لم يكن بيدي سوى القوة والهيبة، ولحظة واحدة كانت كافية لتثبت أن السوق ليس مجرد مكان للشراء والبيع… بل شاهد على ما يراه القلب قبل العين.
رأيتها… امرأة تكاد تصبح فريسة بين يدي ذئب بشري، شاب في عينيه رغبة تافهة في افتراس شبابها المتدفق، لا يعلم أن الشرف لا يُسرق ولا يختبئ. شعرت بالخطر ينبض في الهواء قبل أن تصل أصواتها إلى الناس، ارتجف قلبي… ثم استجمعت كل ما في جسدي من صلابة.
دخلت المشهد كالحاجز.
لا كلمات كثيرة، لا صراخ… فقط حضور يدافع عن الكرامة. دفعت الرجل بعيدًا، وضربته بكلتا يدي، وبصقت عليه كأنه مجرم لا يستحق الهواء الذي يتنفسه.
الرجال الذين كانوا قريبين — رجال الأمن من مقر إمارة الرياض — هرعوا وأمسكوا به، قبل أن يتحول السوق إلى فوضى.
أما المرأة… كانت تبكي، مخنوقة بالخوف، بعيون تقول ما لا يقدر اللسان على قوله.
وعندما جاء زوجها، أخبرته بما حدث، وأكدت له أنها لم يمسها أحد، وأنه لا شيء انتهكها… إلا أن دموعها كانت كافية لتقطع نياط فؤادي، وأيقنت أن ما رأته عيناي لن ينسى.
هنا ظهرت نورة السامح، تلك المرأة التي لا تكف عن الحش والفضول، لكن هذه المرة رأيتها مختلفة.
تمسكت بيد المرأة، أعطتها الماء، وجففت دموعها بصمت… بلطف يفوق ما يمكن للكلمات أن تصفه.
أدركت، وأنا أراقب المشهد، أن السوق قد كشف لي جانبًا غافلت عنه: الناس ليسوا دائمًا كما أتصور، بعضهم يحمل قلبًا نقيًا، حتى ولو اختبأ خلف الفضول أو الكلام الكثير.
جلست المرأة بجانب بسطتي، وبدأت أرتب العالم من حولها: عباءة نظيفة، ماء بارد، حضن هادئ…
وأعرف الآن أن بسطتي ليست مجرد مكان للشراء والبيع،
بل مكان لتثبيت معنى: أن الخير، مهما كان خفيًا، يظهر في اللحظة التي يحتاجها الآخرون أكثر من أي شيء.
سوق الديرة – شهادة عطّار
أنا ناصر اليماني، صاحب محل العطارة عند المنعطف الذي تفوح منه رائحة الحرمل والمسك، حيث يعرفني الناس بميزان دقيق، ولسان قليل، وعين لا تنام عمّا يدور حولها.
في ذلك اليوم، لم تكن الروائح عادية.
الهواء نفسه كان متوترًا، كأن السوق حبس أنفاسه فجأة.
رأيت الرجل قبل أن أرى الفعل،
نظرة خاطئة،
خطوة أطول مما يجب، وقربٌ لا يليق إلا بذئب يظن أن الزحام يغفر له الخطيئة.
وحين أدركت ما يحدث، لم أفكر.
لم أستشر الحكمة ولا العواقب.
قفزتُ من مكاني، أمسكت به من ياقة صدره،
وألقيت به أرضًا كما يُلقى الكذب حين يُكشف.
كنت أتمنى — والله — لو رششت في عينيه حرملًا،
لا ليعميه، بل لئلا يرى امرأة مرة أخرى بعين ملوثة.
قيّدت يديه خلف ظهره، وصرخت فيه لا من حنجرتي، بل من ضميري:
ألا تستحي من فعلك هذا؟!
كان السوق كله ينظر.
بعضهم مذهول، بعضهم خائف، وبعضهم وجد أخيرًا سببًا ليقول: هذا ما يجب أن يحدث.
ثم جاءت الشرطة.
أخذوه، شكروني،
لكنهم نهروني لأنني كنت “عنيفًا”.
ابتسمت في داخلي.
بعض الحق — قلت لنفسي —
لا يقف على قدميه إلا إذا أسندته بالقوة.
وهنا رأيت أم محمد…
تشق الصفوف، تقاتل كما لو أن المرأة أختها،
أو ابنتها، أو هي نفسها في مرآة الزمن.
وقتها فقط، فهمت أن الحق لا يكون حقًا كاملًا
إن لم يجد من يحميه بلا حساب.
ثم لمحت نورة السامح.
عرفتها من بعيد،
وقلت في سري:
هذه ستثرثر بالقصة ما بقي لها صوت.
لكن الغريب — أنها هذه المرة
لم تكن تثرثر.
كانت تمسك بيد المرأة، تسقيها الماء، وتجفف دموعها كما لو أنها تحفظ سرًا لا حكاية.
ابتسمت.
أخيرًا، صار لنورة قصة حقيقية…
لا سمعتها من خلف الجدران، بل عاشتْها.
عدت إلى دكاني، رتبت أكياس العطر،
وشممت الحرمل بعمق،
وقلت:
هذا السوق…
يبيع الروائح، لكنه أحيانًا يفضح النفوس.
وأنا ناصر اليماني، سأبقى عطّارًا، لكن إن عاد الذئب، فلن يشم غير التراب.
سوق الديرة – شهادة الشرطي بدر ماجد
أنا بدر ماجد.
شرطي اعتاد أن يقف بين الناس لا فوقهم، وأن يسمع أكثر مما يتكلم، لأن الحقيقة—كما تعلمت—نادراً ما تصرخ من المرة الأولى.
كان سوق الديرة في ذلك اليوم مضطربًا على غير عادته.
ليس ضجيج البيع هو ما شدّ انتباهي، بل ذاك الصمت المتشنج الذي يسبق الانفجار، كأن الهواء نفسه متهم، ينتظر دوره في التحقيق.
وقفتُ أمامه.
شاب في أواخر العشرينات، ملامحه عادية حدّ الاستفزاز، لا وحش في شكله، ولا ندم في عينيه.
سألته بهدوء المتعبين من تكرار الأسئلة:
— ماذا حصل؟
ابتسم ابتسامة خفيفة، ليست وقحة، لكنها واثقة… أكثر مما ينبغي.
قال:
«هي من أغرتني. كانت تهزّ جسدها، تلتفت، تبتسم. بدلتني الإعجاب. ثم حين رأت العيون تلتفت، صرخت. جمعت الناس حولها، وصنعت مني ذنبًا كاملاً. نحن شركاء… لا توجد نار بلا مثقاب.»
كنت أسمع كلماته، وأشعر بثقلها لا لأنها مقنعة، بل لأنها مألوفة.
هذا النوع من المنطق لا يُولد في السوق، بل يُربّى في العقول.
نظرت حولي.
الوجوه كلها ضده.
رجال، نساء، بائعون، عابرون—كأن السوق بأكمله اتفق، للمرة النادرة، على جهة واحدة.
قلت له: — لكن الكل يقف ضدك.
هزّ كتفيه، وقال بثبات غريب: «طبيعي. التعاطف دائمًا مع الأنثى. هي الحلقة الأضعف. الرجل فاعل، والمرأة مفعول به… هكذا يرون الأمور.»
توقفت لحظة.
ليس لأن كلامه صحيح، بل لأنني أدركت خطورته.
هذا ليس دفاعًا عن النفس…
هذا نظام فكري يحاول أن يغسل الجريمة بالفلسفة.
سألني بصوت أخف: «هل شاركت هي في ما حصل؟»
في تلك اللحظة، لم أكن أحقق مع متحرش فقط،
كنت أحقق مع فكرة.
قلت له، وأنا أثبت نظري فيه: — عليك أن تتحمل ما سيجري لك. القانون سيمضي. لكن إن كنت متمسكًا بأقوالك، فقلها كاملة.
صمت لحظة، ثم قال فجأة: «أنت أفضل من تعامل معي من رجال الأمن.»
لم أشكره.
ولم أبتسم.
لأنني أعرف هذا النوع من الثناء.
هو لا يُمنح احترامًا، بل محاولة لخلق منطقة رمادية، حيث يظن الجاني أن العدل قابل للتفاوض.
قيّدناه، ومشى بين الناس.
لم يُضرب.
لم يُهان.
لكن السوق كله كان يراقبه…
كمن يودع فكرة قديمة، لا شخصًا.
رفعت رأسي، وشممت الهواء.
عاد الضجيج، عادت المساومات، عادت الحياة.
لكنني كنت أعرف—وأنا أدوّن إفادتي—
أن أخطر ما في هذه القصة
ليس ما فعله سامي…
بل ما كان يظن، ببرود، أنه يملك حق قوله.
سوق الديرة – بصوت فتحية
أنا فتحية.
لم أفعل شيئًا يستحق المتابعة.
كنت أجلس على الأرض، على حجرٍ مغبرّ،
وحين نهضت، نفضت عباءتي من الخلف
كما تفعل أي امرأة لا تريد أن تحمل السوق معها إلى بيتها.
لا رقصة، لا التفاتة، لا وعدًا مخفيًا في الحركة.
لكن يبدو أن بعض الرجال يقرؤون الجسد كما تُقرأ اللافتات الخطأ.
نعم…
جسدي واضح.
نهداي بارزان، مشدودان كأنهما لا يعرفان الخجل، وخصري نحيف، وردفاي…
أعرف شكلهما في المرآة قبل أن يعرفه الناس.
لكن الجسد — حتى لو كان جميلاً — ليس إعلانًا.
وليس فاكهة في سلة مفتوحة.
وليس لحمةً بلا اسم.
مشيت.
ومشى خلفي.
شعرت به قبل أن أراه.
تلك الخطوات التي لا تتعجل، ولا تتراجع، كأنها تقول: أنا هنا، وأنا أختارك.
دخلنا ممرًا ضيقًا.
المكان خانني.
الجدران اقتربت.
والهواء صار أثقل من صدري.
توقف.
اقترب.
رأيت في عينيه شيئًا لا يشبه البشر، شيئًا جائعًا يحسب أن الجسد حق مكتسب إذا صمت. مدّ يده. قاومت.
لكن ذراعه كانت أقسى من خوفي، وأقوى من صوتي الذي لم يولد بعد.
صرخت. ليس صراخ فضيحة، بل صراخ أنثى
تريد فقط أن تبقى واقفة.
ثم — كأن السماء فتحت بابًا في السوق — دخلت امرأة لا أعرفها.
لم تسأل.
لم تتردد.
لم تحسب العواقب.
أم محمد.
لا أعرف من أين جاءت، لكنها دخلت كأنها تعرفني منذ زمن،
كأن جسدي جسدها، وخوفي خوفها.
دفعت الرجل.
لا بقوة عضلات، بل بقوة لا تُقاوَم.
الهيبة حين تتحول إلى جسد.
سقطت العباءة. تمزق القماش.
وبقيت أنا عارية من الطمأنينة. جلست.
جسدي كان هنا، لكن روحي كانت ترتجف في مكان آخر.
جاءت امرأة أخرى.
قالوا إن اسمها نورة. كانت تمسك يدي
كما لو أنها تخشى أن أضيع منها.
طلبت مني أن أحكي.
كنت أحكي، لا لأتذكر، بل لأقنع نفسي أن ما حدث
لم يكن حلمًا سيئًا.
في الزاوية، رأيت رجالًا يتصارعون، و صاح محل العطارة
كان غاضبًا كأن الجريمة حدثت في قلبه لا أمام عينيه.
جاءت الشرطة.
كثيرة.
منظمة.
أخذوه.
لكنهم لم يأخذوا الخوف الذي بقي في صدري. ثم جاء زوجي.
حين دخل، لم ينظر إلى الرجل، بل نظر إليّ. نظرة حادة.
ليست اتهامًا صريحًا، لكنها ليست براءة.
وفي تلك اللحظة فهمت:
التحرش لا يقف عند الجسد،
بل يذهب أبعد…
إلى البيت، إلى السرير، إلى الحب.
قلت في داخلي:
إذا دخل الشك من الباب
خرج الحب من الشباك.
كنت أريد أن أقول له:
لم أفعل شيئًا.
جسدي كان فقط…
جسدي.
لكن بعض الصمت أقسى من الاتهام.
اليوم، حين أمرّ بسوق الديرة، أعرف أن المكان ليس هو نفسه.
وأنا؟ أنا فتحية.
امرأة عادت إلى بيتها، لكنها تركت في الممر الضيق
جزءًا منها لم يتعلم بعد كيف يثق بنظرة رجل.
سوق الديرة – شهادة سفر المعروف
أنا سفر المعروف، صاحب محل بيع الملابس النسائية عند أحد الممرات الضيقة في سوق الديرة. أعرف السوق كما يعرف الناس أنوفهم، وأعرف نفسية المرأة كما اعرف أيضاً أفكارها الشيطانية. لكن ذلك اليوم… كان مختلفًا.
رأيت الحدث بأم عيني، ولم يكن كما تصوره الروايات ولا كما تدعي بعض الشهادات. المرأة التي تدّعي أن سامي تحرش بها لم تكن ضحية، بل كانت، في نظري، تحاول التقرب منه. لم يلمسها ولم يتجاوز حدود الاحترام، بل ابتعد عنها بسلاسة ونقاء. ومع ذلك، هي جرت خلفه في الممر الضيق، وصرخت كما لو كانت هي المعتدى عليها.
حين دخلت أم محمد المشهد، لم يكن حمايتها للمرأة فعلًا بريئًا فقط، بل كان تجسيدًا لغضبها الشخصي تجاه الرجال. المطلقة التي تحمل في قلبها جرحًا قديمًا، ترى في كل رجل تهديدًا، ربما أصبحت نسوية من شدة غضبها. قوة جسدها وصوتها أطاحت بالهدوء، لكنني رأيت ما وراء ذلك: ليس دفاعًا عن المرأة فقط، بل تصفية حسابات مع عالم تكرهه.
أما نورة السامح، فكانت تتلصص على الحدث بعين الباحث عن القصة، تتشبث بالبطولة كما لو كانت قصة تُروى لها وحدها. ثرثرتها وحبها للحكي يطمس الحقيقة في كثير من الأحيان، لكنني رأيتها هذه المرة وهي مجرد مراقب.
ناصر العطار أيضًا لم يكن بريئًا كما يُرى. كلما ارتبط الحدث بامرأة، يبدو أنه يشتاق إليها، وإذا ما لم يصل إليها، يدّعي البطولة والدفاع عنها ليظهر كشهم أمام الآخرين.
أما سامي… فبرئ. لم يفعل شيئًا. لكن تكالب عليه الجميع، و سلبت منه فرصته لكي يوضح الحقيقة، لتلوث سمعته بغبار الفضيحة. المشهد كله كان حقيقيًا، لكن الفهم اختلط بالأهواء، ووقع القصد في قلب الظنون.
وقفت بعيدًا عن الصخب، أشاهد السوق يتوه بين الحقيقة والكذب، وأفكر:
كم من مرة يصبح الظاهر أضخم من الحقيقة؟
وكم من قصة تُحاك على ألسنة الناس قبل أن يُسأل من عاش الحدث نفسه؟
لقد أدركت في تلك اللحظة، وأنا أراقب، أن العدالة الحقيقية أحيانًا لا تكون بالقوة أو بالصراخ، بل بالنظر بعين صافية، حتى لو غاصت الأصوات جميعها في الضباب.
سوق الديرة – بصوت بلال عامل النظافة
أنا بلال، عامل نظافة، جئت من بلادي في آسيا، أحمل عصا مكنستي معي في كل خطوة. أعمل في هذا السوق ليلاً ونهارًا، وأعرف كل حجر فيه، وكل زاوية يختبئ خلفها شيء من البشر وأسرارهم. ذلك اليوم، وتلك الساعة، لن أنساها ما حييت… ولأني أعجمي، أجد صعوبة في ترتيب الكلمات وربطها بخيوط الفكر، لكن سأحاول أن أحكي ما رأيت.
كنت أكنس السوق كما أفعل كل يوم، وأشم رائحة الحرمل والمسك ممتزجة بدخان القهوة وروائح الخضار والفواكه، وكل شيء يختلط بروائح البشر والفضول. فجأة، لمحت سامي، يجلس على مقعد حجري، هادئًا، عينيه تتأملان المكان كما لو كان يعرف كل شيء عن من حوله. على مقعد آخر، كانت فتحية، جسدها صامت لكنه ينبض بالحياة، تنفض الغبار عن عباءتها برفق، وكأنها تحاول أن تنفض عن نفسها شيئًا من الخوف والارتباك قبل أن تتقدم نحو سامي.
اقتربت منه بخطوات ناعمة، كلامها لم يكن قاسيًا، بل رقيقًا، يحمل شيء من الحذر والفضول معًا. سامي التفت إليها، ابتسامة هادئة على وجهه، كما لو أن الكلمات بينهما لغز صغير يفهمه هو فقط، ثم التفت يمينًا وشمالًا، وكأنه يزن المكان والعيون، قبل أن يخطو خلفها في الممر الضيق.
تحركت أنا خلفهما، فضولي يتقد، أراقب المشهد كما يراقب الليل النجوم. لم تمض لحظة طويلة حتى لاحظت فتحية وجودي، صرخت، صوتها لم يكن غضبًا فقط، بل تحذيرًا، خوفٌ مختلط بالارتباك. سامي لم يهتم، كان في ذروة تركيزه على ما بينهما، على شعور لا يمكن للآخرين فهمه، كأن العقل يضيع عندما يلتقي الجسد بالرغبة والفضول.
كنت أكنس وأتنفس، وأعرف الآن شيئًا واحدًا: السوق لا ينسى، والعيون التي شاهدت، والأقدام التي تحركت، والكلمات التي لم تُقال، كلها تحفظ الذكريات، وتروي ما لا يجرؤ الكثير على قوله بصوت عالٍ.
وينبغي عليّ الآن الانصراف، فالعمل كثير، والمكنسة تنتظرني. ومع ذلك، لا أستطيع تجاهل شيء آخر: سامي أعطاني بعض المال، لست أدري إن كان يريد أن أسكت، أو ربما لم يكن يريد شيئًا. وفتحية، بطريقة ما، فعلت ذات الشيء… شيء غامض يجعل القلب يثقل قليلاً، شيء بين الامتنان والارتباك، لا أستطيع تسميته.
سوق الديرة – بصوت الصحفي فهد المرصوص
اعذروني أيها القراء… أعلم أنكم تبحثون عن شهادة سامي، عن وجهه، عن كلماته التي قد تشرح أو تبرر، أو على الأقل تمنحكم توازنًا في الحدث. لكن شهادته اختفت. تم تغيبها، ذرتها الرياح، أو ضاعت بين الملفات، وحتى بين الناس لم أجدها، رغم أنني اجتزت السوق من أقصاه إلى أقاه. السبب؟ لا أعلمه جيدًا… لكن هناك لحظات في الحياة تشبه الدخان: لا تلمسه، ولا تمسكه، لكنه يترك أثره في العيون والأنوف.
هنا يأتي دوري، وأنا فهد المرصوص، الصحفي الذي اقتحم سوق الديرة، والذي أخذ كل الشهادات، واجتمع مع كل الحكاة، وصاغها في كلمات. أنا لم أستطع الوصول إلى سامي، لكنني وصلت إلى الحقيقة الأخرى: الحقيقة التي يرويها من هم حوله.
بلال، عامل النظافة، كان أول من وضع النقاط على الحروف. قال لي بصوت متحفظ، لكن حاد:
"كنت أكنس السوق كما أفعل كل يوم، ورأيت كل شيء… سامي لم يلمسها، لكن الكلمات واللمحات تحركت كما لو أن السوق نفسه يروي الحكاية. ربما سامي أراد أن يترك أثرًا، أو ربما لم يكن هناك شيء، لكن بعض الناس فهموا ما لم يُقصد."
كنت أستمع إليه، وأتأمل في كلامه. ربما بلال أراد أن ينال نصيبه من الأحداث، ربما كانت هذه فرصته ليكون جزءًا من القصة، لكنه سرعان ما تم زجره، ولفق لهما هذه الحكاية، ليبدو كما لو أنه شاهد على فضيحة، بينما كان مجرد عامل صامت يعرف تفاصيل السوق وحده.
سوق الديرة… نفس الزحام، نفس الروائح، نفس الأصوات التي تعرفها نورة وفتحية وأم محمد وناصر. لكنني كنت أرى الخطوط الخفية بين الناس، بين الظاهر والباطن، بين الحقيقة والانطباع.
سامي… كل من عرفه شتمه، أتهمه، ظنه مذنبًا قبل أن يُسأل. إلا واحدًا: صاحب محل الملابس النسائية، الذي قال ببساطة وهدوء، بينما بقيت أنا أراقب:
"ربما لم يفعل شيئًا، وربما كل شيء كان سوء فهم."
وهنا توقفت. نظرت حولي… الجميع قدّم حكمه، الجميع قرر الحقيقة بناءً على ما رأى، سمع، أو شعر به. وسألت نفسي: هل رأي الأغلبية هو الصواب؟ أم أن الحقيقة أصعب من كل ذلك؟ الحقيقة، في سوق الديرة، لا أعرف من المذنب ومن الضحية… ربما كلنا ضحايا لاكذوبة كبرى، صُغت لتبدو واضحة، لكنها في الواقع ضبابية، تتحرك مع كل خطوة وكل كلمة.
الجواب لم يكن سهلاً. في سوق الديرة، كما علمت من كل الشهادات، الظاهر أقوى من الحقيقة أحيانًا، والصوت الأعلى يطغى على الصامتين.
لكن هناك تفاصيل صغيرة… لم تُلاحظها الغالبية: النظرة الحذرة لسامي، الخطوات البطيئة، عدم تجاوز الحدود المادية، الصمت الذي يحاول أن يقول: «أنا هنا، لكنني لم أفعل».
تسلسلت أمامي الأحداث كما لو كانت لوحة كبيرة، كل شخص فيها فرشاة بلونه، بظلاله، بأهوائه ومعتقداته. نورة كانت المراقبة الفضولية، فتحية كانت الضحية المباشرة، أم محمد كانت الدرع الحامي، ناصر العطار كان القوة الغاضبة، بدر الشرطي كان القانون، سفر المعروف كان المشكك، وبلال كان العين الصامتة، الذي شهد كل شيء لكنه لم يكن طرفًا في النزاع.
وأنا… كنت المسجل، الراوي، العين التي تحاول رؤية الحقيقة خلف الضجيج.
الدرس الأكبر الذي تعلمته في تلك اللحظة؟
الحقيقة ليست دائمًا في من صرخ، ولا في من بكى، ولا حتى في من تدخّل.
الحقيقة أحيانًا تختبئ في صمت الشخص الغائب، في المكان الذي لم يصل إليه أحد، في الكلمات التي لم تُكتب، وفي الشهادة التي اختفت… وربما، أحيانًا، في إدراكنا أننا جميعًا جزء من كذبة أكبر، لا نعرف حدودها، ولا نعرف من فيها المذنب، ومن فيها الضحية.
وهكذا، أيها القراء، أترك لكم السوق، أصواته، روائعه، ومخاطره، وأترك لكم فرصة أن تنظروا بعينكم. سامي لم يظهر، لكنه حاضر بين السطور، بين الأرصفة الضيقة، بين عباءات النساء، وبين دموعهن الصامتة. وأنا، فهد المرصوص، أخبرتكم بما رأيت… وما لم أرَ، تركته لكم لتكتشفوه بأنفسكم.
النهاية

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق