بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 22 أكتوبر 2025

مشاوير ثقافية

 مشاوير ثقافية 

 

المجد لله في الاعالي!!

 
في القاهرة، قلتُ لأخي يزيد، الذي كانت خبرته بالمدينة كالعجين الطري لم تسخن بعد في فرن التجارب والرحلات:
– علينا أن نمضي إلى وسط البلد.

ابتسم وقال بحماس طفل يكتشف مدينة أسطورية:
– أريد أن أتعرف على القاهرة حقًا.

ركبنا سيارة تاكسي، وكان السائق نحيلًا، كأن جسده يشكو من قِلّة القوت وطول الطريق. بدا صغيرًا على مقعد القيادة، ومن فوق المرآة الداخلية تدلّى صليب صغير بجانبه تمثال لمريم العذراء. في المقابل، كانت داخل السيارة زينات ملونة وأضواء تومض كأننا في مدينة ألعاب لا ينقصها سوى قطع التذاكر.

فتحتُ معه باب الحديث وسألته:
– كيف ترى مصر بعد الثورة؟

أجاب وهو يحدّق في الطريق أمامه:
– مصر تغيّرت كثير... لم تعد هي مصر التي كانت.

كنا في تلك الأيام بعد الثورة ضد حكم الإخوان، لكن السائق سرعان ما انعطف في حديثه إلى ما يشغل باله أكثر، وقال بصوت مائل إلى الحكمة:
– الإخوان طيبين، لكنهم مش رجال سياسة. السياسة محتاجة مناورة ودهاء، وده ما كانش عندهم.

قلتُ له متسائلًا:
– لماذا ذكرت الإخوان؟

ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
– يمكن عشانك لاحظت الصليب وتمثال مريم وعرفت إني قبطي. أنا فعلًا مسيحي، وبقولها بفخر. لكن الصراحة؟ الإسلام دين جميل في التعامل، دين أخلاق ورحمة. بس دخول الدين في السياسة؟ دي كانت غلطة كبيرة... وده اللي أوقع الإخوان.

كانت السيارة تمضي تشق شوارع القاهرة من التجمع الخامس إلى حي الحسين، بينما الصليب الصغير يتأرجح مع هواء المكيف، كأنه يهمس:


«الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ"».

وما إن اقتربنا من الحسين حتى بدأت المآذن تعلو بالأذان، والناس تتقاطر من الأزقة لأداء صلاة العشاء.و كأن المآذن تردد الآيات القرآنية :

 

(ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون).

 
وقفنا هناك، بين صوت المؤذن وصلبان المرايا، بين نور المئذنة ولمعان العذراء، فشعرتُ أن القاهرة — هذه المدينة المتعبة الجميلة — لا تزال تعرف كيف تُصلّي بطريقتها الخاصة، وكيف تجمع المختلفين في قلبٍ واحدٍ نابضٍ بالحياة.

 

***

 

أوسخ شعب!!


ركبتُ سيارة أجرة في قلب القاهرة.
كان السائق رجلاً ممتلئ الجسد حتى إن الكرسي الذي يجلس عليه اختفى تحت وزنه. صوته أجشّ غليظ، لكنه يخفي خلف تلك الخشونة روحًا مصرية دافئة… تلك الروح التي تمزج النكتة بالمرارة في آنٍ واحد.

ركبتُ أنا وأخي، ويبدو أنه ظنّنا من السودان — فلون البشرة أحيانًا يكفي ليحكم الناس على غيرهم قبل أن يفهموهم.
انطلق يكيل المديح لأهل السودان، وأنا بدوري قلدتُ لهجتهم مازحًا:
ــ «إييييي يا زول!»
فضحك، وراح يثرثر في السياسة قليلًا، ثم ينتقل بين أحاديث الشعوب والثقافات، يتناولها بخفةٍ لا تخلو من الجهل، كما يفعل كثيرون حين يظنون أن العالم مجرد دردشة على مقود سيارة.

راودتني فكرة فجأة، فقلت له مبتسمًا:
ــ طيب يا معلم، هقول لك أسماء دول، وانت قول رأيك فيهم.

قال: تمام يا باشا.

قلت: السودان؟
قال: «السودانيين طيبين أوي، بس حكومة الإخوان وحشة، هما ولاد النيل زيّنا.»

قلت: الأردن؟
قال: «حكامها من الهاشميين، ناس كويسين.»

قلت: سوريا؟
قال: «شعب مش فاهم، بس بشار كان رئيس كويس!»

قلت: الكويت؟
ضحك وقال: «كلها مصريين، يعني بلد كويسة جدًا!»

قلت: قطر؟
قال: «شعب كويس، حكومة سيئة.»

ثم سألته بابتسامة خفيفة:
ــ والسعودية؟

تغيّر صوته فجأة، وقال جملة جعلتني ألتزم الصمت:
ــ «أوسخ شعب على أطهر بلد.»

نظرتُ إليه طويلًا، ثم قلت بهدوء:
ــ ليه مش العكس؟ ليه مش كلهم طاهرين زي بلدهم؟

ردّ قائلاً وهو يهز رأسه:
ــ «هما بييجوا هنا عشان الملاهي الليلية بس، يسكروا... ويعملوا اللي ما يتقالش.»

صمتُّ، وتركت السيارة تمضي في طريقها بين زحام القاهرة، حتى بلغنا وسط البلد، قرب كوبري قصر النيل — كوبري العشاق، كما يسميه المصريون.

لم أجد معي فكة، فذهبت إلى كشك صغير وصرفت ورقة نقدية. عدت إليه وقلت له:
ــ تعرف كم الحساب؟
قال: «عشرين جنيه.»

ناولته المال وقلت بابتسامة خفيفة:
ــ حسابك واحد وعشرين، والجنيه الزيادة من «أوسخ شعب في أطهر بلد.»

تجمّد لحظة، ثم انفجر ضاحكًا وقال بدهشة:
ــ إنت سعودي؟! يا حبيب قلبي، ما كنتش صادق في كلامي!

قلت له:
ــ وانت ما خلتش لا صدق ولا كذب!

ضحكنا معًا، ثم مضى كلٌّ منّا في طريقه.
تركني وهو يلوّح بيده من نافذة التاكسي، وتركتُ خلفي حكاية أخرى من حكايات القاهرة…
المدينة التي لا تكفّ عن امتحانك، ثم تبتسم لك كأنها تقول: ما تزعلش، كده إحنا المصريين.

 

***

 

الأعشى في القاهرة!! 


في قاهرة المعزّ، كنتُ عائداً من مدينة نصر بعد جولةٍ طويلة في سيتي ستارز مول.
الليل كان يهبط ببطءٍ على المدينة، والهواء مشبعٌ برائحة البنزين وموسيقى أم كلثوم التي تتسلّل من المقاهي القديمة.
مررتُ بالقرب من المنصّة التي اغتيل عندها السادات، فتوقّفت لحظةً وضربتُ له تحيّةَ تعظيمٍ وسلام.
ليس لأنّي أعيش في الماضي، بل لأنّ التاريخ في القاهرة لا يموت، بل يتسكّع معنا في الشوارع كشيخٍ يعرف أسرار الجميع.

لكن دعنا لا نضيع، يا قارئي العزيز، في دهاليز السياسة،
فكما قال أرسطو: الإنسان حيوانٌ سياسيّ...
وأنا في تلك اللحظة لم أكن سوى دابّةٍ تائهةٍ تبحث عن وسيلة نقل.

أوقفتُ تاكسيًا صدئًا يقوده رجلٌ تجاوز السبعين،
كان وجهه خريطةً نحتها الزمن بمسامير التعب،
وعيناه مطفأتين كشمعتين ذابتا في عتمة الحياة.
ابتسم لي، أو ظننتُ ذلك، وقال بصوتٍ مبحوح:

> "اتفضل يا بيه... على فين؟"



انطلقت السيارة تشقّ الزحام في استسلامٍ رتيب،
وكلّ شيء بدا طبيعيًا... حتى دخلنا طريقًا معتمًا،
طريقًا لا يُرى فيه حتى ظلّ المصباح.

وفجأةً، صمت السائق، ثم قال بارتباكٍ خافت:

> "يا بيه... بص حضرتك، أنا ما بشوفش كويس بالليل... قولّي الطريق إزاي!"



تجمّدتُ مكاني.
سائق لا يرى!
ونحن في قلب القاهرة!
لم أجرؤ أن أقول شيئًا؛ فالرجل في عمر أبي، ولا يليق أن أعاتبه.

وهكذا وجدتُ نفسي — وأنا أرتدي نظّارتي —
أتحوّل إلى مرشد طريق كليل العينين لأعشى البصر!
أصف له الشوارع، وأشير إلى المنعطفات، كأنّني دليلٌ يقود القدر.

يا للمفارقة...
أن ترى بعينين مثقلتين بالعدسات،
وتقود من لا يرى،
في مدينةٍ لا يعرف أحدٌ فيها إلى أين يذهب بالضبط.

 

****

الأحد، 5 أكتوبر 2025

اليوم الخامس


 اليوم الخامس

انغمس مسعود في محبرة أفكاره، يسحب النبض من قلبه كما يُستنزف الدم من جرحٍ مفتوح.
كان يكتب بعصبيةٍ تشبه الحمى.
هل كانت مذكّراته؟ أم وصيّته الأخيرة؟
سؤال ظلّ يتأرجح في ذهن صفية الواقفة خلف الباب، بعدما طلب منها ألّا تطرق وألّا تدخل.

لم يعتد مسعود هذا الجنون، رغم أنه كاتب. كتاباته كانت نادرة، متقطّعة، كأنها محاولات بائسة لمصالحة ذاته التي لا تهدأ.
أما صفية فكانت تشعر بجمرٍ يلسعها تحت جلدها، جمرٍ لا يُطفأ، كأن البيت نفسه يتنفس من صدرها.

رنين الهاتف لم يتوقف.
ورغم قلقها على مسعود، مضت نحوه في الممرّ القصير المفروش بسجادة حمراء باهتة.
على الرفّ المزدان بمزهرية ذابلة، رفعت السماعة بيدٍ مرتجفة.

– ألو…
جاءها صوت رجل بعيد، متقطع الأنفاس:
– ألو… هذا منزل مسعود فالح؟
– صوتك بعيد… من يتحدث؟
تلعثم الصوت كمن يختنق:
– لدينا… من أجله… هنا…
ثم انقطع الخط.

تجمّدت صفية، تحدّق في الهاتف الصامت.
رفعت عينيها نحو التقويم على الحائط: ٥ ديسمبر ١٩٨٥.
توقفت اللحظة عن التنفس.

تناهت أصوات خافتة من غرفة الكتب، وقع أشياء تتناثر، فركضت نحو الباب.
وجدت الكرسي فارغًا، الأوراق مكدسة، الحبر ما زال رطبًا.
الخط واضح، لكنه غريب، كأنه كتابة وحيٍ لا تخص البشر.

رن الهاتف مرة أخرى.
– لدينا… من أجله… هنا…
ثم صمتٌ ميت.

همست صفية في نفسها:

> هل يكتب ما سيحدث قبل أن يحدث؟



تقدّمت بين الغرف، تبحث عنه.
لم تجده.
لكنها وجدت على الأريكة ورقة، كأنها سقطت من السماء:

> "الغيب عن المرء محجوب… والحاضر بين يديه موهوب…"



ثم طَرْقٌ على الباب.
ظلّ ثقيل يبتلع الصالة.
لم تجرؤ على الحركة.
كان الطارق بلا ملامح، بلا صوت، بلا زمن.

لمعت في ذهنها كلمات قديمة، من زمنٍ بعيد، من فم خالتها منيرة — أم مسعود — حين قالت:

> "يا صفية… البيت هذا مشؤوم.
من يوم سكنّاه وهو يطرد الخير من عتباته.
يقول أبو مسعود: ساحرٌ سكنه قبلنا، وأنا أقول: ليس ساحرًا، بل قبيلة من الجنّ تسكن الأساس.
أتعرفين ما حدث حين بنوه؟ دفنوا خروفًا أسود عند أول لبنة، حسدًا أو نذرًا، ومن يومها وكل من يسكنه يُصاب بخمس لعنات لأن البيت اعيد ترميمه في الخامس من ديسمبر من عام 1985 !"



ارتجفت صفية.
خطت إلى المرآة، نظرت إلى وجهها الشاحب.
هل هذه هي؟
شعرها اختلط بالرماد، وجبينها أثقله الوقت.
هل تشيخ لأن البيت يشيخ؟

وفجأة، سمعته — صوت مسعود يأتي من عمق الجدران:

> "الداخل إلى الدار مفقود… والخارج منها مولود…"



ارتعش جسدها.
هل هو صوته فعلًا؟ أم أن البيت صار يتحدث بلغته؟

تقدّمت نحو المطبخ، بخطواتٍ تحاول النجاة من الهواء الثقيل.
على الطاولة، قرب آلة تقطيع اللحم، ورقة أخرى ملطخة بدمٍ داكن.
الدم لم يجف.
كتبت بخطٍ يشبه خط مسعود:

> "سمعتُ صوتًا هاتفا في السحر… نادى من الغيب غفاة البشر…"



وقفت صفية، لا تعرف إن كانت تقرأ أم تُستَحضَر.
كل ما حولها بدأ يتنفس ببطء، كأن الجدران تراقبها.
حتى صمت المكان صار له نبض.

عادت بخطواتٍ مرتجفة إلى طاولة الهاتف.
لم يكن الجهاز هناك.
فقط الأوراق والصور القديمة.

رفعت بصرها نحو الجدار.
تجمّدت عيناها عند صورةٍ مشطوبة:
سماح — عمة مسعود.

ملامحها مطموسة بخطٍ أسود، لكن نظرتها تخترق العتمة.
وفي تلك اللحظة، انسكب صوتٌ في أذنها من جهةٍ لا تُرى:

> "البيت هذا لن يهنأ من يعيش فيه...
لأن فالح — أخوي — بناه من مال أبي،
وأخذ ما ليس له،
وأنا دعوت عليه... دعوة المظلوم لا تُردّ."



ارتجف الهواء.
تذكّرت المشهد القديم:
سماح تبكي عند الباب، بناتها حولها، وفالح — والد مسعود — يقف كطاغيةٍ لا يرحم.

> "أغربي عن وجهي أنتِ وبناتك!"



مضت سماح تبكي وتدعو:

> "الله لا يوفّق من ظلم… ولا من بنى على وجعٍ بيتًا."



ومنذ ذلك اليوم — أو ربما قبله —
لم يعرف هذا البيت سكينةً قط.

 

ثمة صوت غليظ انبثق من العتمة يقول لصفية:

> "ما رأيكِ فيما قرأتِ يا صفية؟"



ارتجف قلبها.
تعرف هذا الصوت — تعرف رنينه العميق، نبرته التي تسكن الذاكرة.
لكن... من أين يأتي؟
اقترب الصوت منها أكثر، كأنه يخرج من بين الجدران لا من بين الشفاه:

> "كنتِ بطلة في القصة يا صفية…
الأقدار ليست بيدي، ولا بيدك…
إنها بيد من كتب الكون أول مرة."



شهقت صفية.
كان الصوت صوت مسعود فالح.
زوجها الذي ظنّت أنه ضاع بين الحبر والجنون.
التفتت، فرأته جالسًا خلفها، بهدوءٍ يشبه الظهور بعد الغياب.
أمامها على الطاولة مخطوطة مفتوحة، عنوانها: "اليوم الخامس".

كانت قد غطست فيها حتى أذنيها، تقرأها كما ينزل الغريق في قعر الماء.
وحين أنهت السطر الأخير، شعرت أنها تنهض من غيبوبةٍ طويلة.

قالت وهي تتنفس بصعوبة:

> "ظننتها واقعًا… عشت فيه أحداثًا جسامًا…
رأيتك تكتب دمك، وسمعتُ الجدران تناديني بأسماءٍ أعرفها ولا أعرفها..."



ابتسم مسعود، ابتسامةً هادئة فيها صفرة تعبٍ قديم:

> "القصة التي لا تعيشينها بكل جوارحك، ليست قصة يا صفية.
الكتابة ليست حبرًا، بل حياة أخرى نحترق فيها لنعرف من نكون."



تطلعت إليه بعينين لا تزالان معلقتين بين الحقيقة والوهم:

> "هل البيت مسحور؟
أم محسود؟
أم أن دعوة العمة سماح ما زالت تطاردنا؟"



خفض عينيه نحو الأوراق، كمن يسمع صوتًا من مكانٍ آخر.
قال بصوتٍ خافتٍ متردّد:

> "ربما... لست أدري."



صمتٌ ثقيل سقط بينهما.
الهواء صار باردًا، والبيت تنفّس ببطءٍ غريب.
على الجدار، ساعةٌ قديمة توقفت عقاربها عند الخامسة تمامًا.

رفعت صفية رأسها نحو مسعود… فلم تجده.
فقط الكرسي الفارغ، والمخطوطة المفتوحة على السطر الأخير:

> "الداخل إلى الدار مفقود، والخارج منها مولود..."



وبينما كانت عيناها تتسعان، سمعت صوته من جديد — هذه المرّة من داخل الجدار:

> "اليوم الخامس لم ينتهِ بعد يا صفية..."



النهاية

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...