بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 17 فبراير 2025

داود في بلاد العدو


 داود في بلاد العدو



السماء بيني وبينها عهد، فكيف انتهى بي المطاف هنا؟

كنت أودّع النمسا، بلاد السحر والقمم البيضاء، حينما صعدتُ على متن الطائرة النمساوية عائدًا إلى دياري. كان الهواء في جبال الألب نقيًا كأنه لم يُمس، يهبّ على القمم المغطاة بالثلج كما لو أنه موسيقى تعزفها الطبيعة لنفسها. مشاهد الوديان الخضراء التي تقطعها الأنهار مثل أشرطة فضية، والمنازل الخشبية المتناثرة كأنها أحلام نائمة تحت الغيوم، كل هذا كان يطبع في ذاكرتي صورة لا تُنسى.

جلست في مقعدي قرب النافذة، أراقب النمسا تبتعد رويدًا رويدًا، وكأنني أفقد قطعة من روحي مع كل متر تبتعد فيه الطائرة. كنت أتخيل القهوة التي سأرتشفها عند عودتي، رائحتها التي تمتزج بدفء بيتي، ووجوه أحبتي التي اشتقت إليها، حتى انقطع هذا السيل من الأحلام بصوت الطيار معلنًا عن عطل مفاجئ في إحدى مراوح الطائرة.

"سنقوم بهبوط اضطراري في تل أبيب."

لم أصدق أذني. لم أفكر يومًا أنني سأسمع هذا الاسم مقرونًا بي، أنا داوود، السعودي الذي حفظ "رأفت الهجان" و"دموع في عيون وقحة" عن ظهر قلب، ونشأ على قصائد عمر أبو ريشة، و تجذرت في اعماقي اغنية اصبح عندي الان بندقية التي صدحت بها ام كلثوم  وصورة المسجد الأقصى محفورة في وجدانه كأنه قطعة من نفسه. كانت يداي ترتجفان قليلًا وأنا أشد حزام الأمان، ليس خوفًا من الهبوط، بل من المكان نفسه. ماذا أفعل في مطار بن غوريون؟ كيف سيكون موقفي؟

هبطت الطائرة، وبدأت الإجراءات. كان المطار واسعًا وحديثًا، بإضاءته البيضاء الحادة، والأصوات الممزوجة بلغات كثيرة، لكن كل شيء فيه كان باردًا، لا روح له في عيني. كان صديقي البريطاني، الذي تعرفت عليه أثناء رحلتي، يحمل جوازه بكل بساطة وخرج ليجوب شوارع المدينة. أما أنا، فقد وجدت نفسي سجينًا في هذا المكان، عالقًا بين جواز سفري الذي يمنعني من الدخول، ووطني الذي لا يعترف بهذه الأرض إلا كأرض محتلة.

جلست في قاعة الانتظار، أنظر من بعيد إلى الطائرات التي تقلع وتحط، وأنا مكبّل بلحظة لم أخترها. كان السؤال يحاصرني: ماذا لو رآني فلسطيني هنا؟ كيف سأواجه نظراته؟ هل سأكون في عينيه خائنًا، مجرد مسافر عابر لم يفعل شيئًا سوى الانتظار؟

"ألاسرائيل..... تعلو..... راية في حمى المهد وظل الحرم!؟"

هتفت الكلمات في رأسي، تعود بي إلى أيام المدرسة، حيث كنت أردد هذه الأبيات بصوت قوي، مؤمنًا أنني لن أجد نفسي يومًا في موقف كهذا. لكن ها أنا ذا، أجلس في مطار لم أكن أتخيل أن أراه حتى في أحلامي، أبحث عن مبرر أمام نفسي قبل أي شخص آخر.

لكني لم أختر هذا. أنا هنا مجبر، عالق في نقطة عبور لا تحمل اسمي ولا رايتي. كل ما أملكه هو الانتظار، والصبر حتى تعود الطائرة إلى السماء، حيث لا حدود ولا جوازات ولا اضطرار لمواجهة واقع لم أختره.

هناك، بين الغيوم، سأعود إلى مكاني الطبيعي، حيث لا شيء يلوّث الفكرة النقية التي حملتها في قلبي دومًا: أن هذه الأرض ليست لهم، ولن تكون.

كان المطار يعجّ بالوجوه العابرة، وأصوات الإعلانات المتكررة تتردد في الأرجاء كنبض متواصل لا ينقطع. جلست في مقعدي، منشغلاً بأفكاري، أحاول أن أستوعب وجودي في هذا المكان الذي لم يكن يومًا على خريطة احتمالاتي. كنت مثل سفينة تقاذفتها الأمواج إلى شاطئ معادٍ، لا تعرف إن كان عليها أن ترسو أم تظل تائهة في البحر.

وفجأة، سمعت صوتًا ناعمًا يقتحم خلوتي:

"شالوم اليخيم..."

رفعت رأسي، كانت فتاة ذات ملامح أوروبية، عيناها بلون البحر، وشعرها أشقر يتدلى على كتفيها، لكن نطقها كان عربيًا مشوبًا بلهجة أهل الشام. للحظة، لم أعرف كيف أرد. ابتسمت بخفة وكأنها تملك مفاتيح الحديث، وقالت مجددًا:

"هل أنت عربي؟"

أومأت برأسي، فهتفت بمرح:

"أهلًا بك في دولة إسرائيل!"

تقلصت ملامحي بلا وعي، كأن جسدي يرفض هذه العبارة قبل عقلي، وحاولت أن أصرف وجهي عنها، لكن شيئًا ما جعلني أتردد. هي حيّتني، وسبحان الله يقول في كتابه الكريم: "وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها".

أخذت نفسًا، ثم قلت بصوت هادئ:

"أنا عربي، واسمي داود."

بمجرد أن نطقت باسمي، تغيرت ملامحها. أشرق وجهها بحماسة لم أكن أتوقعها، وكأنني قلت كلمة سرّية كانت تنتظرها. ابتسمت وقالت بفرح طفولي:

"داود الملك! ملك اليهود الذي هزم جالوت! هل تعرف ذلك؟"

راقبت حماسها بصمت. كنت أتساءل: لماذا تهتم باسمي؟ لماذا تريد فتح نقاش معي؟ هل هي هنا لمحاولة تجنيدي لصالح دولة الكيان؟ هل هذه مصادفة، أم أن الأمر أعمق مما يبدو؟

قالت بفخر:

"اسمي غولدا بنيامين."[*]

لم أستطع منع نفسي من التفكير في غولدا مائير[1]، رئيسة وزراء إسرائيل السابقة. كان الاسم يحمل في طياته إرثًا سياسيًا لا يخفى على أحد.

وفجأة، رنّ هاتفها.

كانت النغمة مألوفة، لكنها غريبة في هذا السياق.

"هافا ناغيلا"[2]...

هذه الأغنية، التي تُغنّى في احتفالاتهم وأعراسهم، خرجت من هاتفها كأنها إعلان غير مقصود عن هويتها، أو ربما تأكيد على ما تريدني أن أسمعه.

نظرت إليها، إلى الهاتف، ثم إليها مجددًا.

هل كانت هذه اللحظة مجرد مصادفة؟ أم أن كل شيء كان محسوبًا؟

ضحكتُ في سرّي بسخرية وأنا أراقبها تروي لي قصصًا وكأنها تؤدي واجبًا وطنيًا مقدسًا. كانت تتحدث بلا توقف، كأنها تسير وفق نص مكتوب مسبقًا، وكأن كل كلمة تخرج منها محسوبة بعناية، مدروسة الأثر، مصممة لتغرس في رأسي فكرة معينة.

"أنت تشبه أخو زوج أختي..." قالتها وهي تحدق في ملامحي، ثم أضافت بسرعة قبل أن أتمكن من الرد: "إنه مزراحيم، يهودي عربي من اليمن."

أوه، رائع! الآن تحاول أن تضعني في قوالب جاهزة. يبدو أنها تريد أن تزرع في ذهني فكرة أني "قريب" بطريقة ما، أني جزء من شيء أكبر، من تاريخ "مشترك"!

لكن غولدا، وكعادتها، لم تفوت فرصة حتى تضيف شيئًا آخر من ذاكرتها التاريخية الثرية. يا له من تاريخ جبار! (تاريخ مليء بالنكبات… لكن ليس على حسابها طبعًا!) تحدثت عن هجرة اليهود العرب، عن الشتات، عن الحنين المزعوم، وكأنها تسرد ملحمة بطولية لا تقبل الجدل.

انتظرتُ، صابرًا، أراقبها تتحدث وكأنها مقتنعة تمامًا بأنها تستطيع أن تغرقني في بحر كلماتها، أن تسحرني بجمالها الخلاب، أن تجعلني، في لحظة ما، أتخلى عن مواقفي فقط لأن عينيها زرقاوان وشعرها ذهبي يتراقص مع الضوء.

أخيرًا، بعد انتظار بدا لي وكأنه دهر، نظرتُ إليها مباشرة، وقلت بصوت هادئ لكن حاد:

"ماذا تريدين أن تقولي لي؟ لما كل هذه القصص؟"

توقفت للحظة. بدت كمن لم يتوقع أن يواجهه أحد بالسؤال مباشرة. ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنها لم تكن خالية من التوتر. هنا، أدركت أن اللعب بدأ يأخذ منحى مختلفًا.

أخذتُ نفسًا عميقًا، كنت أعرف أن الأمور لم تكن مجرد صدفة، وها هي الآن تعترف، ولو بطريقة غير مباشرة.

"رأيت عليك التوتر وأتيت حتى أخفف عنك، أنا أعمل في المطار... نحن هنا لخدمة جميع المسافرين."

جملة منمقة، تبدو بريئة، لكنني لم أكن غافلًا عن نبرتها، عن الطريقة التي راقبتني بها منذ البداية، عن اهتمامها المبالغ به بي وحدي وسط هذا الحشد من العابرين.

نظرتُ إليها مباشرة، وقلت بصوت ثابت:

"الغريب أنكِ لم تذهبي لأي شخص سواي!!"

لمحتُ ارتباكًا طفيفًا في عينيها، ترددًا خفيفًا في وقفتها، ثم سمعْتُ صوتها يخرج متهدجًا:

"أنت تختلف عن الجميع هنا... اعتدنا عليهم..."

ثم صمتت للحظة، وكأنها تحاول أن تمنع الكلمات من الانفلات، لكنها في النهاية خرجت، ببطء، وكأنها وُلدت بصعوبة من فاها:

"أنت من مملكة السعودية!!"

هنا، لم يعد لديّ شك. ما كنت أفكر فيه منذ البداية يرتسم أمامي على أرض الواقع.

كل شيء كان مدروسًا، كل كلمة، كل نظرة، كل حركة. لم يكن الأمر مجرد حديث عابر في مطار مزدحم، بل كان لعبة، لعبة قديمة جديدة، حيث يحاولون أن يخلقوا الوهم بأنهم "لطيفون"، "ودودون"، "يريدون التعارف"، بينما في الحقيقة، الهدف أكبر من ذلك بكثير.

ابتسمتُ، لكن ليس ابتسامة ترحيب، بل ابتسامة شخص أدرك الخدعة قبل أن تنجح.

"والآن يا غولدا، ماذا بعد؟"

كنت هناك، في وسط الزحام الذي لا ينتهي، حيث لا تميز بين الوجوه ولا الأصوات، سوى بقايا ذكريات تلاحقك كأنها ظل لا يفارقك. في ذلك المطار الذي يعج بالضجيج، كنت جالسًا في زاوية صغيرة، أراقب الطائرات وهي تمر في السماء، محاولًا إيقاف الأفكار التي كانت تتناثر في عقلي. كل شيء كان يبدو عاديًا، لكن في داخلي كان هناك شيء ما ينمو ويتفجر كبركان خامد في انتظار اللحظة المناسبة.

غولدا بنيامين، تلك الفتاة التي سقطت فجأة في حياتي كحجر في مياه راكدة، كانت تقف أمامي الآن، وكأنها جزء من هذا العالم الذي يحاول أن يصف نفسه بالمؤسسات السامية بينما يختبئ في الزوايا الموت والدمار. كنت أسمع صوتها، لكن كلماتها كانت تبتعد عني كالسحب المتناثرة، لا تعني لي شيئًا. "إسرائيل دولة مضيافة"، قالتها بابتسامة عابرة، وكأنها تخبرني أن الشمس تشرق من الغرب.

ابتسمت في البداية، ثم أغشي على عيناي لفترة قصيرة. هل هي جادة فيما تقول؟ كيف لمثل هذا الكيان الذي يقوم على القتل والدماء أن يكون "دولة مضيافة"؟  لم أنشأ في قلب هذه الأرض المحتلة التي تزعم أنها بلد السلام،  الأرض التي سُرقت واغتصبت، وبقيت الأرض المحتلة على الرغم من كل شيء.

تذكرت حديث أستاذي عبد العزيز الفراج، ذلك الرجل الذي كان يرفع صوته في قاعات المدرسة، وهو يصرخ: "إسرائيل ليست دولة، بل هي كيان غاصب لا حق له في الأرض". كانت الكلمات التي نطق بها تتسرب في عقلي كما لو أنها خارطة مستقبل. وفي تلك اللحظات، كنت أشعر أنني جزء من أمّة لم تمت بعد، من شعب لا يقبل أن تُنتزع منه أرضه، من أرض تئن تحت الجراح ولكنها لن تظل صامتة أبدًا.

"إسرائيل من نهر دجلة إلى نهر النيل"، قالتها غولدا، وقد بدت الكلمات وكأنها رصاصات تخترق عقلي. كيف يمكن لأمة أن تحدد حدودها بهذا الشكل؟ كيف يمكن لهذه التصريحات أن تخرج دون أن تترك آثارًا عميقة في التاريخ؟ لم أستطع أن أترك هذه الكلمات تمر بسهولة. كانت سطورًا من الدم، تمتد بين نهرين تاريخيين، ولكنها تغفل عن الدماء التي سُفكت تحت راية الاحتلال.

أغمضت عيني مرة أخرى، ورحت أسترجع صور محمد الدرة، الطفل الذي سقط في فلسطين، ذلك الطفل الذي أصبح رمزًا لكل ما فقدناه وكل ما يجب أن نعيده. كنت أرى في صورته لمحة من حياتنا التي ضاعت، والألم الذي يعشش في قلوبنا. في تلك الأيام، كان الشعار يتردد في شوارع الوطن العربي : "لن ننسى محمد الدرة". وكان هذا هو وقودنا، كنا نرسم على الجدران ونكتب في الهواء عن مقاومتنا.و تردد في المدارس اسمه كأعلان عن رفض الظلم و الطغيان.

فجأة، انتشلني صوت غولدا من دوامة أفكاري، وأشعل في عقلي شرارة جديدة. كانت قد قالت شيئًا عن دراستها في بلاد عربية، وكيف أمضت سنوات فيها. ابتسمت وقالت بحماسٍ معتاد:
 
"هل تعلم أنني درست في مصر؟ نعم، في بلاد يوسف ويعقوب. هناك تعلمت الكثير عن الحضارات القديمة والتاريخ العريق لهذه الأرض."

كانت كلماتها تأتي بلهجة هادئة، وكأنها تسرد قصة قديمة لا تهز قلبها. ولكن في عقلي، كانت الكلمات تتسرب كالنار في الهشيم. "مصر؟ بلاد يوسف ويعقوب؟" قلتها في نفسي، وكأنني أسمعها تقول أن الأرض التي منحتها هويتها عبر التاريخ هي مجرد ماضٍ لا يعنيها اليوم.و كأنها ترى في مصر بلادها و هي الشقراء ذات العيون الزرقاوان.

كيف يمكن لامرأة مثل غولدا أن تخرج من هذا المكان، وتستذكر مصر بهذه الطريقة؟ هل هي ترى نفسها جزءًا من هذا التاريخ؟ هل هي تظن أن مجرد دراسة في "بلاد يوسف" يمكن أن تجعله حقيقة في عينيها؟

نظرت إليها بتمعن، وقلت في نفسي: "نعم، هذه هي عقليتها. تحاول أن تجد شيئًا مشتركًا بيننا، تحاول أن تلمس لحظة من الوهم لتربطنا بما هو أبعد من الحروب والدماء." لكنني كنت أعرف أن هذه الكلمات لا تعني لي شيئًا، وأن تاريخنا لا يمكن أن يُكتب إلا بدماء شهدائنا.

قلت بهدوء، في محاولة لاحتواء الغضب الذي يتسلل إليَّ:
"غولدا، تاريخنا لا يتغير بكلمات، ولا يمكن للواقع أن يكون مجرد محاكاة للتاريخ. نحن هنا في هذه الأرض، ولسنا فقط في هذا المكان، نحن في قلب المقاومة، وفي قلب الحق الذي لا يمكن لأي كلمة أن تخفيه."

ثم أضافت بصوت منخفض، وكأنها تلمس شيئًا غير مرئي في الجو:
"أنت مختلف... لكنكم في النهاية مثلنا، جئتم من نفس الأرض."

كانت الكلمات تخرج منها كالسكاكين التي لا تعرف الرحمة، تقطع في تاريخنا الحي بكل جمود، وكأنها تملك الحق في إعادة تشكيل ما كان مقدسًا لنا. كنت أعرف جيدًا ما كانت تحاول فعله؛ محاولة جذبي إلى فخها، محاولة إقحامي في صراع غريب يختلط فيه الماضي بالحاضر، تاريخ مليء بالجراح والدماء. كانت تدرك أنني جزء من هذا الوطن، لكنها كانت تظن أنني سأسكت أو أنني سأكون جزءًا من لعبة سياسية يتقاذفها الجميع.

ولكنني قررت أن أضع حداً لهذا. بينما كنت غارقًا في تفكيري، لاحظت شخصًا يقترب منا. رجل في منتصف العمر، يخطو خطوات واثقة، وابتسامة خفيفة على شفتيه، كما لو أنه قد اكتشف شيئًا. عندما وصل إلينا، ألقى نظرة سريعة على غولدا، ثم التفت إلي مبتسمًا، وقال بنبرة شبه هازئة، وهو يشير إليها:

"لقد أثقلتِ على هذا الشاب العربي!"

لحظة، وتنفس قلبي الصعداء، كأن عبئًا ثقيلًا سقط عن كاهلي. شعرت بنوع من الراحة، وكأن الجملة التي خرجت منه كانت هي الدرع الذي دفع عنها أفكارها البالية، والأكثر من ذلك، كأنها أخيرًا توقفت عن محاولة فرض واقع غير واقعي.

كنت أخشى أن تملأ الفراغ بمزيد من تلك الأفكار القاتلة، لكن لحسن الحظ، سكتت. كان العالم بيننا قد تغير فجأة. وتراجعت تلك الأحاديث حول تاريخها الهش، تلك المحاولات لتشويه معالم الزمان.

الحقيقة هي أن التاريخ، على الرغم من كونه ماضيًا، يظل يشكل الواقع الذي نعيشه، وهذه حقيقة يجب أن نعترف بها. كيف نعيش بلا إرث؟ كيف نعيش في أرض بلا هوية؟ الحقيقة أن هؤلاء الذين يظنون أن الماضي يمكن أن يُمحى هم في الأساس من يعيقون تطور العالم. هم يغفلون عن أن التاريخ ليس مجرد أوراق، بل هو أصلنا، حكاياتنا التي تربطنا بالماضي، وأملنا في المستقبل.

في النهاية، أياً كان ما يظنونه عن تاريخهم الهش، نحن نعرف الحقيقة. نحن نعيش على أراضٍ غنية بالذكريات، مرصعة بدماء الأبطال، ولن ندع أحدًا يدنسها مهما كان.

كانت واقفة حيالي، تنظر إليّ بنظرة غامضة قبل أن تستدير وترحل. غولدا بنيامين، بكل ثقلها وأسرارها، غادرت و اراحتني من أفكارها المتشابكة. بقيت في مكاني للحظات، أراقبها  هي تبتعد كأنها تسير نحو سراب متجهة نحو معمعمة المسافرين.

أخذتُ أتنقل ببصري في المكان، أبحث عن شيء يثبّت ذهني المتناثر. فوق الطاولة أمامي، تكدست كتب بعناوين لم أكن أتوقع أن أجدها هنا، في قلب هذا المطار المزدحم بالحركة والوجوه المجهولة. كتاب بعنوان "انهض واقتل أولًا: التاريخ السري للاغتيالات الإسرائيلية" كان في المقدمة، يليه "التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها" و*"اختراع أرض إسرائيل"*. مددتُ يدي إلى الأخير، قلّبتُ صفحاته بسرعة، وجدتُ فيه نقيضًا لما يروّجه اليهود عن "تاريخهم المجيد"، بل وجدت فيه تفكيكًا للأساطير التي صنعتها الصهيونية، تلك الأساطير التي تحوّلت إلى حقائق في أذهان كثيرين.

لم أستطع أن أمنع نفسي من متابعة الفيلم الوثائقي الذي تبثه قناة مكان 33، الموجهة للعالم العربي. كان يتحدث عن يهود السامرة، أولئك الذين لا يعترفون بالتوراة المتداولة عند بقية اليهود، بل يلتزمون بالتوراة السامرية التي يعتبرونها الأصل غير المحرف. والأكثر إثارة، أنهم يعارضون قيام الدولة الإسرائيلية، في تناقض صارخ مع الصورة النمطية التي نُلقَّنها عن "وحدة اليهود".

لكن ما استوقفني أكثر لم يكن ذلك، بل الكتب الأخرى التي تملأ الرفوف القريبة. كتب دينية يهودية لم نسمع بها كثيرًا في عالمنا العربي: مدراش، التلمود، المشناه، أغاداه… نصوص قديمة تشكّل العقل اليهودي، لكنها بقيت بعيدة عن أيدينا. بل حتى التناخ، الكتاب المقدس عند اليهود، لم يُترجم إلى العربية ترجمة كاملة. كنت أفكر: كيف نحارب من لا نعرف؟ كيف نردّ على عقيدة لم نقرأ نصوصها؟ لو أردنا أن نفهم عدونا، علينا أن نترجم كتاباته، أن نقرأه كما يقرأ نفسه، لا كما يُقدَّم لنا.

لكن، رغم كل ذلك، وجدت بين هذه الكتب كتابًا مألوفًا، مختلفًا عن البقية. المصحف الشريف، بترجمته إلى العبرية، كان موضوعًا على رف قريب. تأملته لبرهة، ثم خطر لي سؤال آخر: كم يهوديًا قرأ هذا النص بتمعن؟ كم منهم واجه معانيه، لا كمجادلٍ أو عدو، بل كإنسان يبحث عن الحقيقة؟

رنّ صوت إعلان الرحلات عبر مكبرات الصوت، فرفعت رأسي، وعادت عيناي إلى الواقع من جديد. كان المطار يعج بالحركة، المسافرون يمرون مسرعين، النداءات تتردد، والعجلات تنزلق فوق الأرضية المصقولة. وبين هذا الزحام، رأيته.

رجلٌ يسير بخطى واثقة، يلف رأسه بالحطة الفلسطينية، ذلك الغطاء الأبيض والأسود الذي لم يكن مجرد غطاء رأس، بل إعلانًا صامتًا عن هوية لا تنحني. نظرتُ إليه، تساءلت: ما الذي جاء به إلى هنا؟ هل هو عابر طريق، أم مقاتل في معركة أخرى، معركة الذاكرة والانتماء؟

أدركتُ حينها أن المعركة لم تكن فقط على الأرض، بل أيضًا على السطور، في الكتب، في العقول. والمعركة الحقيقية؟ لم تكن مع البنادق فقط، بل مع الكلمات، مع التاريخ، مع السرديات التي تُفرض علينا دون أن نجرؤ على مساءلتها.

أغمضت عينيّ للحظة، ثم فتحتها مجددًا. أراقب المارة بعينين نصف مغلقتين من التعب، حين اقترب مني ذلك الرجل قدّمت له التحية بودٍّ، فعرّفني بنفسه: "سامح." كان عربي الملامح، فانبسطت أساريري، لكن سرعان ما تبدل الحال.

"أنت سعودي؟!" قالها بحدة بعد أن عرف بلدي. ثم أكمل دون أن يمنحني فرصةً لالتقاط أنفاسي: "تأتون إلى هنا؟ هذا يكشف حقيقة تقاربكم مع هذا الكيان المغتصب! في العلن تدّعون وقوفكم معنا، وفي الخفاء تمدّون لهم الأيدي!"

حاولت أن أقول له إن الطائرة النمساوية تعطّلت فوق سماء تل أبيب، لكني ترددت... هل أقول تل أبيب أم يافا؟ لا فرق، فكلاهما مسلوب. لكن الرجل لم يمنحني فرصةً للتوضيح، ولم يكن في نيته الإصغاء.

قلت بهدوء، محاولًا أن أزيل الاحتقان الذي اشتعل بيننا فجأة: "أنا هنا لأن الطائرة تعطّلت..."

لم أُكمل جملتي، فقد استدار عني غاضبًا، كأنما شتمته. بقيتُ في مكاني متسائلًا: كيف سنبني أرضًا ودولة ونحن لا ننصت إلى بعضنا؟ كل فصيل يحكم كما يريد، دون مراعاة للآخر. كيف وحّد هؤلاء شتاتهم وصنعوا لهم كيانًا؟ كيف تفرّق أهل الأرض، حتى صاروا غرباء في أرضهم؟

وسط زحام الأفكار، انتبهتُ إلى عاملة النظافة اليهودية التي كانت تراقبني بطرف عينها، ترسم على وجهها ابتسامة مقتضبة، كأنها تحاول أن تقول شيئًا مسكوتًا عنه. فيما بعد عرفت أنها من اليهود المزراحيم، يهود الدول العربية الذين ظلّوا دومًا في المرتبة الثانية بعد يهود أوروبا، الأشكنازيم، الذين يعتلون سدة الحكم.

يا للمفارقة... حتى في الكيان الذي بنوه لأنفسهم، هم أيضًا درجات!
 
كنت  أجلس على مقعد و أشاهد المسافرين يتنقلون في أروقة مطار بن غوريون، محاطًا بضجيج لا ينتهي، أصوات المسافرين تتمازج مع أصوات الأجهزة الآلية، والعبارات العبرية تنساب بسرعة عبر مكبرات الصوت. هواءٌ ثقيلٌ يحمل رائحة المطار الجديدة الممزوجة برائحة القهوة المنتشرة في كل زاوية. على الرغم من الحركة السريعة في المكان، كان قلبي مثقلًا، كأنما الزمن نفسه قد أبطأ من حولي.

لحظةً تذكرت حديث الرجل الذي قابلته في النمسا، حين حاولت تجنب التواصل معه، لكن قدرًا غريبًا من الفضول دفعني للاستماع. كان يعتمر قبعةً سوداء ذات حوافٍ واسعة، وعيناه لا تبتعدان عن الحديث عن هرتزل، الذي رأى فيه مصدر إلهام يهودي خالص. تحدث عن هرتزل وكأنما هو بطلٌ عظيم، بل وكأنه أحد أبطال التاريخ الذين لا يمحى ذكرهم. ذكره وكأنما خرجت أفكار الصهيونية من ذهنه كأداة تغيير موجهة نحو هدف واحد: تأسيس وطن لليهود في فلسطين.

وتابع حديثه عن السلطان عبد الحميد الثاني، وقال بصوتٍ خافت: "إنها الحرب بين الشرق والغرب، لقد كانت كفة الحظ تغلبت لصالح اليهود على السلطان الأحمر". كان حديثه مليئًا بالتحليل والتفاصيل التي قد تبدو غريبة على الأذن، لكنه حمل معه نظرة حادة تجاه مواقف السلطة العثمانية في تلك الحقبة. أفكاره كانت تخلّف شعورًا مزعجًا في داخلي، وكأنما كانت تعبر عبر سياج الذاكرة لتلتقي بتاريخ طويل مليء بالتوترات والقرارات القاسية.
 
كنتُ غافيًا في مقعدي بالمطار، عيني تغلق على صور متباينة تتراكم في ذهني، وكأنني أغط في عالمٍ غير هذا. بدأ الصوت يتسلل إلى عقلي، صوتٌ غريب وكأنني أستمع إلى همسات بعيدًا عني، ومع الوقت أصبح ذلك الصوت حديثًا واضحًا في رأسي.

في خيالي، اجتمع عدد من الشخصيات التي لم أكن لأتصورها معًا. حاييم وايزمان، ليونيل والتر روتشيلد، الضابط البريطاني مارك ساكس، وألفرد ملنر. كانوا جميعًا جالسين حول طاولة مستديرة. وكنت أسمع الصوت نفسه، لكن هذه المرة كان يُتلى من خلف الطاولة، حيث كان يطغى جو من التوتر والانتظار.

وكان هناك، في رأس الطاولة، الرجل الذي كنت أعرفه جيدًا من الصور التاريخية؛ أرثر جيمس بلفور، وزير خارجية بريطانيا. رفع رأسه وقال، محاطًا بابتسامة يملؤها التؤدة: "أنا، أرثر جيمس بلفور، أكتب لكم هذا البيان كتعهد من مملكتنا لدعم قضيتكم، فمصالحنا تتوافق تمامًا مع مساعيكم."

كنت أتابع حديثه كأنني أعيشه في كل خليةٍ من جسدي. لم يكن هناك مجال للشك، كان الكلام متسقًا مع المواقف التاريخية التي نُسجت حول هذا العهد. ابتسم بلفور كما لو كان يطمئن الجميع قائلاً: "أنا أكتب لكم هذا البيان، وهذه مسؤوليتنا أن نقدم الدعم الكامل." ثم أدار نظره نحو وايزمان، الذي كان يبتسم بابتسامة راضية، وبدأ بلفور يقرأ بصوت واضح ما كُتب:

> "تنظر حكومة جلالة الملك بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يُفهم جليًا أنه لن يُؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر."


كل كلمة من هذا البيان كانت تطير في ذهني وتطحن الأمل في قلبي، وكأنني أعيش في هذا الحلم الكبير الذي بدأ يتشكل في الواقع. كنت أشعر بالضياع، فكل شيء بدا لي غير منطقي، فكيف لهذا أن يحدث؟ كيف لهذا أن يكون حقيقياً؟

ثم فجأة، قطع ذلك الصوت المكبر الذي كان يتسلل من خلال مكبرات الصوت في المطار. "تنبيه! الرحلة رقم 104 المتجهة إلى لندن، يرجى التوجه إلى البوابة رقم 7."

استفاقت عيناي بسرعة، وكأنني أستيقظ من حلم عميق. نظرت حولي في المطار، ورأيت كل شيء كما هو. كنتُ في الواقع، لكن مشاعري كانت تبتعد عن هذا الواقع قليلاً. همست في نفسي، وأنا أستجمع أفكاري: "كنت أظن دولة اليهود مجرد حلم!"
 
النهاية
---
 

 غولدا بنيامين: اسم يشابه اسم غولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل (1969-1974).
غولدا مائير: أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في إسرائيل، وُلدت في كييف وانتقلت إلى فلسطين في العشرينيات.
 

هافا ناغيلا: أغنية عبرية شهيرة تُغنى في المناسبات الاحتفالية، تعني "لنفرح"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...