لكن الحياة لا تترك أحدًا في حاله. فقد قذفت به الأقدار إلى أفغانستان، وهناك رأى ما لم يكن مهيأً لرؤيته. لم يكن رجل حرب، ولا فارسًا شجاعًا، لكنه وجد نفسه في قلب المعارك، حتى التصقت به رائحة البارود وصراخ الضحايا. عاد إلى نجد بعينين زائغتين ووجه شاحب، لكنه عاد مطوعًا، يخطب في الناس عن التقوى، حتى جاء اليوم الذي انتهى به في مستشفى الصحة النفسية في شهار. ومنذ تلك اللحظة، بدأت مغامراته الحقيقية.
كابتن بلع، يا حبيبي!
في حلة الأحرار، غير بعيد عن سوق الموسيقى، كان هناك محل غامض لم يجرؤ أحد على دخوله. لم يكن فيه سوى أكوام من الخبز اليابس متناثرة في كل زاوية، والجدران مغطاة ببقع داكنة لا أحد يريد التحقق من طبيعتها. وسط هذا المكان البائس، جلس رجل شديد السُّمرة، هزيل كأنه مجرد هيكل عظمي يلف جسده بأسمال مهلهلة متسخة، وعيناه جاحظتان كأن الشرر يتطاير منهما. لم يكن يتحدث كثيرًا، وإن تحدث، فلن يفهمه أحد. يغمغم بكلمات مبهمة، ويطرد كل من يقترب من أكياس الخبز. الحارة كلها أطلقت عليه لقب "كابتن بلع"، ولم يعرف أحد سبب التسمية.
أما أخي بنيان، فقد وجد في جحا فرصة مثالية للانتقام. كان جحا قد أوقعه في ورطة كبيرة في الأحساء عندما ألقى بوظة على مجموعة رجال، ثم أشار إليهم متهمًا بنيان بالجريمة، فخرج منها سالمًا بينما انتهى أخي مضروبًا حتى كاد ان يرى ملاك الموت. لم ينسَ تلك الليلة أبدًا، وكان ينتظر اللحظة المناسبة للثأر.
وهكذا، اقترب من جحا ذات يوم، وقال بمكر:
"إذا كنت تبحث عن البنات، فالمكان المناسب هو هذا المحل. ادخل وصرخ بأعلى صوتك: كابتن بلع، يا حبيبي! ثم ضمه بقوة، وسترى العجائب."
نظر جحا إليه بريبة، ثم قال وهو يفرك لحيته الطويلة:
"لكن المكان يبدو مهجورًا، لا شيء يوحي بما تقول!"
ضحك بنيان وقال بإصرار:
"ادخل، فقط جرب، وسترَ المفاجآت بانتظارك!"
لم يكن جحا ليفوّت فرصة كهذه. تقدم داخل المحل، ووسط الظلام والغبار، ملأ رئتيه بالهواء، ثم صرخ بأعلى صوته:
"كابتن بلع، يا حبيبي!"
وهنا، كانت الكارثة.
اللحظة التي غيرت كل شيء
بقفزة لم يتوقعها أحد، نهض كابتن بلع من كرسيه كأنما أصابته صاعقة، أمسك عصًا أطول من قامته المنحنية، واندفع نحو جحا صارخًا بصوت كالرعد:
"حرامي! حرامي!"
لم يدرك جحا ما يحدث، لكنه فعل ما يجيده: الركض! قفز فوق أكياس الخبز، تدحرج بين الأرغفة اليابسة، وهو يصرخ:
"بنيان، لن أتركك! ستدفع الثمن!"
أما كابتن بلع، فقد كان خلفه تمامًا، يلوّح بعصاه كما لو كان يجذف في بحر هائج، غير مبالٍ بأي شيء سوى تلقين هذا المتطفل درسًا لا يُنسى.
السر المدفون في الأرغفة
عاد جحا إلى بيتنا بعد الحادثة، منهكًا ومتسخًا، يشكو لجدتي بحنق:
"هل رأيتِ ماذا فعل بي بنيان؟ أوقعني في يد رجل مجنون!"
لم يأخذ أحد شكواه بجدية، فقد كان معروفًا أن جحا يقع في المشاكل بنفسه. لكن المفاجأة الحقيقية جاءت بعد وفاة كابتن بلع.
عندما دخل الناس إلى محله لتنظيفه، اكتشفوا أن تلك الأرغفة اليابسة لم تكن مجرد خبز، بل كانت تخبئ بداخلها نقودًا! لم يعرف أحد لمن كانت هذه الأموال، ولا كيف وصلت إلى هناك.
أما جحا، فقد اكتفى بالنظر إلى المشهد، وهز رأسه بحكمة قائلاً:
"لو كنت أعلم أن الخبز مليء بالفلوس، لكنت أكلت منه بدلًا من الهروب!"
***
جحا السعودي وسوق الحراج: مغامرة الدش والرسيفر
لم يكن سوق الحراج في المنفوحة مكانًا يليق برجل حكيم، لكنه كان المكان المثالي لرجل مثل جحا السعودي، الذي لا يعرف الملل ولا يترك مغامرة إلا وأوقع نفسه فيها، حتى لو خرج منها بلا ثوب يستر جسده!
أما نحن، فلا تسأل عن حالنا. اضطررنا لبيع التلفاز، فالبيت خاوٍ على عروشه، والنمل لا يزورنا ولا يبني في زواياه قريته، وإن دخل لص بيتنا، فإنه لا يخرج إلا كما دخل، ليس لكرمنا، بل لأنه لن يجد شيئًا يسرقه! حتى البعوض كان يهجر منزلنا لعدم وجود ما يمتصه!
لكن جحا، رغم فقره، لا يرتاح إلا عندما يثير الفوضى. ذات يوم، أخذ معه صنيفرة، صاحبه الذي لم يكن صاحبًا بحق، بل مجرد جبان محترف، واتجها إلى سوق الحراج حيث امتلأ المكان بالصحون اللاقطة (الدش) وأجهزة الاستقبال (الرسيفر).
المزاد المشؤوم!
كان المزاد مشتعلاً، وأصوات التجار تتعالى:
"هذا الرسيفر الأصلي يا إخوان، استقبل كل شيء، حتى بث الجن!"
"خذ الدش هذا، يلتقط إشارات من الفضاء، حتى لو كنت في كهف!"
وجحا، بعين لامعة ولسان سليط، لا يفوّت فرصة! وسط زحمة الناس، حمل جهاز استقبال ثقيل، والتفت إليّ قائلاً:
"خذ هذا، هدية لك!"
لكنني، أعرف جحا، وأعرف أن "هديته" هذه ستجرّ عليّ وبالًا لا يُغتفر، فقلت:
"لا بارك الله فيها، احتفظ بها لنفسك!"
وهنا، انفجرت الفوضى!
الهروب الكبير وصنيفرة الهارب!
ما إن رآني أرفض، حتى علا صوته وكأنه زعيم السوق:
"يا جماعة! هذه البضاعة للصدقة، كلها مجانية!"
ويا لغباء الناس حين يسمعون كلمة "مجاني"! هاجوا وماجوا، كل واحد يريد حصته، كأنها غنائم حرب!
صنيفرة؟ لا تسأل عنه! ما إن رأى الناس يتحولون إلى إعصار بشري حتى ولّى هاربًا كأنه لم يولد في هذه الدنيا أصلاً!
أما جحا، فقد وجد نفسه وسط العاصفة. تجمع حوله الناس، وبدأت الأيدي تمتدّ، والشتائم تنهال:
"يا لص! سرقت البضاعة!"
"اتصلوا بالشرطة! قسم البطحاء قريب، الليلة نقضيها في المخفر!"
الورقة العجيبة!
رأى جحا أن الأمور صارت جديّة، ولم يعد المزاح ينفع. تظاهر بالرعب، ثم ببطء، وكأنه يستخرج كنزًا ثمينًا، أخرج ورقة مهترئة من جيبه، ولوّح بها في الهواء.
وقف الجميع، حتى الذين كانوا يمسكونه من ثوبه، وصمت السوق تمامًا. أخذ أحدهم الورقة وقرأها بصوت مسموع:
"نشهد بأن المذكور، المدعو جحا، يعاني من اضطرابات عقلية، ولوثة فكرية، وأمراض نفسية متقدمة، صادرة من مستشفى شهار."
ساد الصمت. تبادل الناس النظرات. أحدهم حكّ رأسه، آخر فرك ذقنه، ثم قال أحدهم:
"يا جماعة… يمكن المسكين مرفوع عنه القلم، خلّوه يروح في حاله!"
وفعلًا، أطلقوا سراحه فورًا!
الحيلة الأزلية
خرج جحا من السوق بخطوات واثقة، وأنا أسير خلفه مذهولًا. نظرت إليه وقلت:
"يا شيخ، من أين لك بهذه الورقة؟"
ضحك، وقال وهو يلوّح بها:
"هذه ورقة الجنة، يا بني! متى وجدت نفسي في مصيبة، أخرجها، وكل شيء ينتهي!"
وهكذا، مشى جحا سيدًا على المواقف، محصنًا ضد القانون، وضد الأعداء، وضد الغباء البشري نفسه!
***
شمخ وجحا السعودي: مغامرة الفطور المشؤوم!
ما قبل الكارثة…
الحق يقال، أبي لم يكن كثير الكلام، لكنه عندما يقول شيئًا، فهو أشبه بمرسوم ملكي لا يُقبل الاستئناف عليه! وذات صباح، وبينما كنت أبحث عن أي فتات خبز أسدّ به رمقي، نظر إليّ أبي بصرامة وقال:
"لا تخرج من البيت اليوم! جحا يدور حول الحارة، وأنت صغير على مشاكله!"
هززت رأسي مثل ابن بار، لكن الحقيقة؟ الحقيقة أنني لم أكن أسمع كلمة واحدة مما قال! لأن معدتي كانت تقرع الطبول وكأنها تحتفل برمضان قبل أوانه.
وفجأة، وكأن القدر يسخر مني، ظهر جحا من النافذة، يلوّح بيده كأنما وجد كنزًا:
"يا ولد! تعال معي، سأعطيك فطورًا لم تحلم به!"
هنا، توقفت عن التفكير، ولم أعد ابنًا بارًا، ولا مواطنًا صالحًا، ولا حتى كائناً بشريًا عاقلاً… كنت مجرد معدة تمشي على قدمين!
قفزت من النافذة كما لو كنت هاربًا من مجاعة القرن، وركبت سيارة جحا، التي لم يكن لها لون محدد بسبب كثرة الحوادث والخدوش، وتوجهنا نحو حي النسيم، حيث الأسواق والمطاعم… وشيء آخر لم أكن أعرفه بعد.
حراج النسيم… وسرقة علنية!
وصلنا إلى مكان يشبه سوقًا للحيوانات البرية، الناس يتدافعون كأنهم في يوم الحشر، والصياح يعمّ المكان.
أما جحا، فكان وسط كل هذا، يتحرك بثقة بائع محترف، فتح باب السيارة وأخرج أكياسًا غامضة وهو ينادي بصوته الجهوري:
"يا جماعة الخير! عروض اليوم لا تُفوت! بضائع أصلية، بأسعار خرافية!"
نظرتُ إلى البضاعة… ثم نظرتُ إلى جحا… ثم نظرتُ إلى الناس… ثم عُدتُ ونظرتُ إلى البضاعة.
شيء ما لم يكن على ما يرام!
التلفزيونات؟ جديدة تمامًا، لكن دون كراتين!
الرسيفرات؟ لا يوجد عليها أي استكرات!
حتى الساعات؟ تبدو وكأنها خرجت تواً من معرض إلكترونيات… ولكن بدون ضمان!
كنتُ على وشك أن أسأل جحا عن مصدر هذه الأشياء، لكنه سبقني وربّت على كتفي قائلاً:
"تعال، لا تكثر الأسئلة… خذ لك واحد، هدية الفطور!"
لم أكد أمد يدي حتى ظهر رجال الشرطة من العدم، وكأن السماء أمطرتهم علينا!
الفخّ ينغلق… ودموعي تنهمر!
ما حدث بعد ذلك كان أشبه بفيلم أكشن سيئ الإخراج…
الشرطة تحاصرنا، الناس يفرّون، وجحا؟ جحا كان يتظاهر بأنه لا علاقة له بالأمر، بل رفع يديه إلى السماء كأنه في صلاة استسقاء!
جاءني أحد الضباط وسألني:
"أنت! ما الذي تفعله هنا؟"
نظرتُ إليه… ثم نظرتُ إلى جحا… ثم نظرتُ إلى الأرض، وقلتُ بصوت يكاد لا يُسمع:
"كنتُ أبحث عن… فطور؟"
لكن الضابط لم يكن جائعًا، ولم يتعاطف مع قضيتي العادلة، فتم اقتيادنا إلى قسم شرطة البطحاء!
وهناك، في الزنزانة الباردة، بدأتُ أبكي كما لم أبكِ من قبل. ليس لأنني في السجن، بل لأنني كنتُ لا أزال جائعًا!
المكالمة القاتلة…
أعطوني هاتفًا لأتصل بأبي، فالتقطته بيد مرتعشة، وضغطتُ الأرقام وكأنني أضغط على زناد مسدس محشوّ بالرصاص:
"أبي… أنا… أنا في قسم الشرطة!"
عمّ الصمت للحظات، ثم جاءني صوته، هادئًا لكنه يحمل طعنة نجلاء:
"لقد حذرتك من الخروج، لكنك لم تسمع الكلام!"
في تلك اللحظة، أدركتُ أن الجوع شيء، والغباء شيء آخر تمامًا!
أما جحا؟ فقد كان جالسًا في الزاوية، مبتسمًا كأنه في استراحة فندقية، ثم فجأة، مدّ يده إلى جيبه وأخرج ورقة مطوية وسلمها للضابط!
فتحها الضابط وقرأ بصوت منخفض، ثم نظر إلى جحا بذهول وتمتم:
"يا ساتر! مريض نفسي؟"
وهكذا، كما يحدث دائمًا، خرج جحا حرًا طليقًا، يلوّح لي من بعيد وهو يقول:
"هارد لك يا شمخ! الفطور كان عليك هذه المرة!"
وأنا؟ بقيت في القسم، أنتظر أبي… وأنتظر مصيري المحتوم!
***

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق