بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 27 فبراير 2025

حكايات عالمية

 

 

 

 

"سيدي كيس الأرز" 

 

حكاية يابانية

 

منذ زمن بعيد جداً، عاش في اليابان محارب شجاع عُرف بين الجميع باسم "توارا تودا"، أو "سيدي كيس الأرز". كان اسمه الحقيقي "فوجيوارا هيديساتو"، وهناك قصة مثيرة جداً وراء سبب تغييره لهذا الاسم. 

 

في يومٍ من الأيام، انطلق "فوجيوارا هيديساتو" بحثًا عن المغامرات، فقد كان طبع المحارب يسري في عروقه، ولم يكن يستطيع أن يتحمل الجمود والكسل. فربط سيفيه على جانبيه، وأمسك بقوسه الضخم الذي كان أطول منه، وألقى كنانته على ظهره، وشرع في السير. لم يمضِ عليه وقت طويل حتى وصل إلى جسر "سيتي-نو-كاراشي"، الذي يعبر أحد طرفي بحيرة "بيوا" الجميلة. وما إن وطأت قدماه الجسر، حتى أبصر أمامه وحشًا ضخمًا، كان تنينًا كبيرًا. كان جسده بسمك جذع شجرة صنوبر كبيرة، واحتل عرض الجسر بالكامل. كان أحد مخالبه العملاقة مستندًا على حافة الجسر من جهة، بينما كان ذيله يلامس الحافة الأخرى. بدا وكأن الوحش غارق في نومه، وعندما كان يتنفس، كان يخرج من أنفه دخانٌ ونار.

في البداية، لم يستطع "هيديساتو" أن يخفي شعوره بالرهبة عند رؤية هذا الزاحف المخيف ممددًا في طريقه، فقد كان عليه إما أن يعود أدراجه أو يسير فوق جسده الضخم. ومع ذلك، كان رجلاً شجاعًا، فدفع عن نفسه كل مشاعر الخوف وواصل سيره دون تردد. قرقعة، قرقعة! كان يخطو الآن على جسد التنين، تارة بين لفائفه، ومن دون أن يلتفت ولو لمرة واحدة إلى الوراء، استمر في طريقه بثبات وعزم.

لم يمضِ عليه إلا بضع خطوات حتى سمع صوتًا يناديه من خلفه. وعندما استدار ليعود، فوجئ تمامًا، إذ لم يعد هناك التنين الضخم بل حلَّ مكانه رجل غريب المظهر كان يحنو برأسه إلى الأرض في انحناءة عميقة وبالغ في توقيره. كان شعره الأحمر يتدفق على كتفيه، وعليه تاجٌ مكون من رأس تنين، وكان يرتدي لباسًا أخضر اللون كالبحر ومزخرفًا بالأصداف.

عرف "هيديساتو" في الحال أن هذا ليس إنسانًا عاديًا، وأن ما حدث كان أمرًا غريبًا للغاية. تساءل في نفسه: *أين ذهب التنين في هذه اللحظات القليلة؟ هل تحول إلى هذا الرجل؟ وما معنى كل ذلك؟*

بينما كانت هذه الأفكار تتزاحم في عقله، اقترب من الرجل الذي كان واقفًا على الجسر، وابتدأ حديثه قائلًا:

 

"هل كنت أنت من ناداني الآن؟" سأل هيديساتو.

"نعم، كان ذلك أنا," أجاب الرجل: "لي طلبٌ شديد الأهمية أود أن أقدمه لك. هل تعتقد أنك قادر على أن تمنحني إياه؟"

"إذا كان في استطاعتي أن أحقق ذلك، فسأفعل," أجاب هيديساتو، "ولكن أولًا، أخبرني من أنت؟"

"أنا ملك التنين لبحيرة بيوا، ومنزلي هنا تحت هذه المياه، تحت هذا الجسر."

"وما هو الطلب الذي تود أن تطرحه عليّ؟" قال هيديساتو.

 

"أريدك أن تقتل عدوي البشري، الألف قدم، الذي يعيش على الجبل الذي وراء ذلك," وأشار ملك التنين إلى قمة جبلية عالية على الشاطئ المقابل للبحيرة.

 

"لقد عشتُ هنا لسنوات عديدة في هذه البحيرة، ولدي عائلة كبيرة من الأبناء والأحفاد. ومنذ فترة طويلة ونحن نعيش في رعبٍ شديد، لأن وحشًا من الألف قدم قد اكتشف مكاننا، وكل ليلة يأتي ويختطف أحد أفراد عائلتي. وأنا عاجز عن إنقاذهم. إذا استمر الأمر هكذا، فلن أخسر فقط جميع أطفالي، بل سأسقط أنا أيضًا ضحية لهذا الوحش. لذلك، أنا في غاية الحزن، وفي هذه اللحظة الحرجة قررت أن أطلب المساعدة من إنسان. لقد انتظرتُ على الجسر لعدة أيام على أمل أن يمر رجل قوي وشجاع، وفي تلك الأثناء اتخذتُ شكل التنين الزاحف المرعب الذي رأيته، علني أجد من يجرؤ على مواجهتي. لكن كل من مرّ من هنا، وبمجرد أن رآني، فزع وركض بعيدًا بأسرع ما يمكن. أنت أول من أراه قادرًا على النظر إليّ دون خوف، لذا علمتُ في الحال أنك رجل شجاع. أرجو منك أن تُشفق عليّ. هل لن تساعدني وتقتل عدوي، الألف قدم؟"

 

شعر "هيديساتو" بحزن شديد من أجل ملك التنين حين سمع قصته، ووعد فورًا أن يقدم له ما يستطيع من مساعدة. سأل المحارب عن مكان إقامة الألف قدم ليتمكن من مهاجمته فورًا. أجاب ملك التنين بأن منزله يقع على جبل "ميكامي"، ولكن بما أن الوحش يأتي كل ليلة في ساعة معينة إلى قصر البحيرة، كان من الأفضل الانتظار حتى ذلك الوقت.

ثم قاد ملك التنين "هيديساتو" إلى قصره تحت الجسر. ومن العجيب أنه بينما كان يتبع مضيفه في نزول، انفصلت المياه لتسمح لهما بالمرور، ولم تشعر ملابسه حتى ببلل وهو يمر عبر الفيضانات. ما رآه هيديساتو هناك كان أجمل من أي شيء رآه في حياته، قصرٌ من الرخام الأبيض يقع في قاع البحيرة. كان قد سمع كثيرًا عن قصر ملك البحر في أعماق البحر، حيث كان جميع الخدم والموظفين من الأسماك البحرية، لكن ما رآه هنا كان بناءً رائعًا في قلب بحيرة "بيوا". كانت الأسماك الذهبية الدقيقة، والكاربات الحمراء، والتروتات الفضية، تخدم ملك التنين وضيفه بكل لياقة.  

 

تأثر "هيديساتو" بشدة من الوليمة التي كانت قد أُعدت له، فقد كانت الأطباق مصنوعة من أوراق وزهور اللوتس المتبلورة، أما عيدان الأكل فكانت من أندر أنواع الأبنوس. وما إن جلسوا حتى انفتحت الأبواب المنزلقة، وخرجت عشر راقصات من الأسماك الذهبية الجميلة، وتبعهن عشر أسماك من الكارب الأحمر يحملن الآلات الموسيقية مثل الكوتو والساميسين.

ومضت الساعات بسرعة حتى منتصف الليل، وبينما كانت الموسيقى الجميلة والرقص الساحر تملأ الأجواء، زالت جميع أفكار "هيديساتو" عن الألف قدم، ونسى تمامًا مهمته. وكان ملك التنين على وشك أن يملأ كأسًا جديدة من الخمر ليشربها مع المحارب، عندما اهتز القصر فجأة على وقع دوي خطوات، خطواتٍ ثقيلة وكأن جيشًا ضخمًا قد بدأ في السير بالقرب منهم.

 

 نهض "هيديساتو" ومضيفه على الفور، وركضا نحو الشرفة. وما إن نظر المحارب إلى الجبل المقابل حتى رأى كرتين من النار المتوهجة تقتربان شيئًا فشيئًا. كانتا تتوهجان بقوة وتتحركان كأنهما تتدحرجان نحو الجسر. وقف ملك التنين بجانب "هيديساتو" وهو يرتعش من الخوف، وكانت ملامح وجهه تُظهر الاضطراب الشديد، كما لو أن خطراً هائلًا يقترب منهم.

 "الألف قدم! الألف قدم! هاتان الكرتان من النار هما عيناه! إنه قادم ليأخذ فريسته! الآن هو الوقت لقتله."

 

نظر "هيديساتو" حيث أشار مضيفه، وفي ضوء المساء الخافت تحت ضوء النجوم، أبصر خلف الكرتين المشتعلتين جسدًا طويلًا لألف قدم هائل يلتف حول الجبال. وكانت الأضواء التي تتلألأ من مئات قدميه كأنها مصابيح بعيدة تتحرك ببطء نحو الشاطئ. 

 

لم يظهر "هيديساتو" أي علامة على الخوف، بل سعى لتهدئة ملك التنين قائلاً:

"لا تخف، سأقتل الألف قدم حتماً. فقط أحضر لي قوسي وسهامي."

فاستجاب ملك التنين كما أمره، ولاحظ "هيديساتو" أن كنانته تحتوي على ثلاثة سهام فقط. أمسك بالقوس، وأدخَل السهم في النصل بعناية، ثم اتخذ هدفه بدقة، وأطلق السهم بقوة.

 

أصاب السهم رأس الألف قدم مباشرة في المنتصف، لكنه، بدلاً من أن يخترق، انحرف عن هدفه وسقط على الأرض بلا فائدة.

دون أن يساوره اليأس، أخذ "هيديساتو" سهمًا آخر، وألصقه في وتر القوس، ثم أطلقه بقوة. ومرة أخرى، أصاب السهم الهدف، فدخل رأس الألف قدم مباشرة في المنتصف، لكنه انحرف وسقط مجددًا على الأرض. كان الألف قدم محصنًا ضد الأسلحة!

عندما رأى ملك التنين أن سهام هذا المحارب الشجاع لم تُجدِ نفعًا في قتل الألف قدم، فقد الأمل، وبدأ يرتعش من الخوف.

 

رأى المحارب أن في كنانته سهمًا واحدًا فقط متبقيًا، وإذا فشل هذا السهم، فلن يستطيع قتل الألف قدم. نظر عبر المياه. كان الزاحف الهائل قد لف جسده المخيف سبع مرات حول الجبل، وكان على وشك النزول إلى البحيرة. وكلما اقترب، تزايد لمعان كرتي النيران كعيونٍ مشتعلة، وبدأت أضواء مئات قدميه تُلقي بظلالها على المياه الهادئة للبحيرة.

 

ثم فجأة تذكر المحارب أنه سمع أن لعاب الإنسان قاتل للعقارب المئوية. لكن هذه لم تكن عقربًا مئويًا عاديًا، بل كانت مخلوقًا ضخمًا لدرجة أن مجرد التفكير فيه كان يجعل المرء يرتجف من الرعب. قرر هيدساتو أن يجرب آخر فرصه. فأخذ آخر سهم له، ووضع طرفه في فمه أولًا، ثم ركب السهم على قوسه، ووجهه بعناية مرة أخرى، ثم أطلقه في الهواء.

 

 

الاثنين، 17 فبراير 2025

داود في بلاد العدو


 داود في بلاد العدو



السماء بيني وبينها عهد، فكيف انتهى بي المطاف هنا؟

كنت أودّع النمسا، بلاد السحر والقمم البيضاء، حينما صعدتُ على متن الطائرة النمساوية عائدًا إلى دياري. كان الهواء في جبال الألب نقيًا كأنه لم يُمس، يهبّ على القمم المغطاة بالثلج كما لو أنه موسيقى تعزفها الطبيعة لنفسها. مشاهد الوديان الخضراء التي تقطعها الأنهار مثل أشرطة فضية، والمنازل الخشبية المتناثرة كأنها أحلام نائمة تحت الغيوم، كل هذا كان يطبع في ذاكرتي صورة لا تُنسى.

جلست في مقعدي قرب النافذة، أراقب النمسا تبتعد رويدًا رويدًا، وكأنني أفقد قطعة من روحي مع كل متر تبتعد فيه الطائرة. كنت أتخيل القهوة التي سأرتشفها عند عودتي، رائحتها التي تمتزج بدفء بيتي، ووجوه أحبتي التي اشتقت إليها، حتى انقطع هذا السيل من الأحلام بصوت الطيار معلنًا عن عطل مفاجئ في إحدى مراوح الطائرة.

"سنقوم بهبوط اضطراري في تل أبيب."

لم أصدق أذني. لم أفكر يومًا أنني سأسمع هذا الاسم مقرونًا بي، أنا داوود، السعودي الذي حفظ "رأفت الهجان" و"دموع في عيون وقحة" عن ظهر قلب، ونشأ على قصائد عمر أبو ريشة، و تجذرت في اعماقي اغنية اصبح عندي الان بندقية التي صدحت بها ام كلثوم  وصورة المسجد الأقصى محفورة في وجدانه كأنه قطعة من نفسه. كانت يداي ترتجفان قليلًا وأنا أشد حزام الأمان، ليس خوفًا من الهبوط، بل من المكان نفسه. ماذا أفعل في مطار بن غوريون؟ كيف سيكون موقفي؟

هبطت الطائرة، وبدأت الإجراءات. كان المطار واسعًا وحديثًا، بإضاءته البيضاء الحادة، والأصوات الممزوجة بلغات كثيرة، لكن كل شيء فيه كان باردًا، لا روح له في عيني. كان صديقي البريطاني، الذي تعرفت عليه أثناء رحلتي، يحمل جوازه بكل بساطة وخرج ليجوب شوارع المدينة. أما أنا، فقد وجدت نفسي سجينًا في هذا المكان، عالقًا بين جواز سفري الذي يمنعني من الدخول، ووطني الذي لا يعترف بهذه الأرض إلا كأرض محتلة.

جلست في قاعة الانتظار، أنظر من بعيد إلى الطائرات التي تقلع وتحط، وأنا مكبّل بلحظة لم أخترها. كان السؤال يحاصرني: ماذا لو رآني فلسطيني هنا؟ كيف سأواجه نظراته؟ هل سأكون في عينيه خائنًا، مجرد مسافر عابر لم يفعل شيئًا سوى الانتظار؟

"ألاسرائيل..... تعلو..... راية في حمى المهد وظل الحرم!؟"

هتفت الكلمات في رأسي، تعود بي إلى أيام المدرسة، حيث كنت أردد هذه الأبيات بصوت قوي، مؤمنًا أنني لن أجد نفسي يومًا في موقف كهذا. لكن ها أنا ذا، أجلس في مطار لم أكن أتخيل أن أراه حتى في أحلامي، أبحث عن مبرر أمام نفسي قبل أي شخص آخر.

لكني لم أختر هذا. أنا هنا مجبر، عالق في نقطة عبور لا تحمل اسمي ولا رايتي. كل ما أملكه هو الانتظار، والصبر حتى تعود الطائرة إلى السماء، حيث لا حدود ولا جوازات ولا اضطرار لمواجهة واقع لم أختره.

هناك، بين الغيوم، سأعود إلى مكاني الطبيعي، حيث لا شيء يلوّث الفكرة النقية التي حملتها في قلبي دومًا: أن هذه الأرض ليست لهم، ولن تكون.

كان المطار يعجّ بالوجوه العابرة، وأصوات الإعلانات المتكررة تتردد في الأرجاء كنبض متواصل لا ينقطع. جلست في مقعدي، منشغلاً بأفكاري، أحاول أن أستوعب وجودي في هذا المكان الذي لم يكن يومًا على خريطة احتمالاتي. كنت مثل سفينة تقاذفتها الأمواج إلى شاطئ معادٍ، لا تعرف إن كان عليها أن ترسو أم تظل تائهة في البحر.

وفجأة، سمعت صوتًا ناعمًا يقتحم خلوتي:

"شالوم اليخيم..."

رفعت رأسي، كانت فتاة ذات ملامح أوروبية، عيناها بلون البحر، وشعرها أشقر يتدلى على كتفيها، لكن نطقها كان عربيًا مشوبًا بلهجة أهل الشام. للحظة، لم أعرف كيف أرد. ابتسمت بخفة وكأنها تملك مفاتيح الحديث، وقالت مجددًا:

"هل أنت عربي؟"

أومأت برأسي، فهتفت بمرح:

"أهلًا بك في دولة إسرائيل!"

تقلصت ملامحي بلا وعي، كأن جسدي يرفض هذه العبارة قبل عقلي، وحاولت أن أصرف وجهي عنها، لكن شيئًا ما جعلني أتردد. هي حيّتني، وسبحان الله يقول في كتابه الكريم: "وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها".

أخذت نفسًا، ثم قلت بصوت هادئ:

"أنا عربي، واسمي داود."

بمجرد أن نطقت باسمي، تغيرت ملامحها. أشرق وجهها بحماسة لم أكن أتوقعها، وكأنني قلت كلمة سرّية كانت تنتظرها. ابتسمت وقالت بفرح طفولي:

"داود الملك! ملك اليهود الذي هزم جالوت! هل تعرف ذلك؟"

راقبت حماسها بصمت. كنت أتساءل: لماذا تهتم باسمي؟ لماذا تريد فتح نقاش معي؟ هل هي هنا لمحاولة تجنيدي لصالح دولة الكيان؟ هل هذه مصادفة، أم أن الأمر أعمق مما يبدو؟

قالت بفخر:

"اسمي غولدا بنيامين."[*]

لم أستطع منع نفسي من التفكير في غولدا مائير[1]، رئيسة وزراء إسرائيل السابقة. كان الاسم يحمل في طياته إرثًا سياسيًا لا يخفى على أحد.

وفجأة، رنّ هاتفها.

كانت النغمة مألوفة، لكنها غريبة في هذا السياق.

"هافا ناغيلا"[2]...

هذه الأغنية، التي تُغنّى في احتفالاتهم وأعراسهم، خرجت من هاتفها كأنها إعلان غير مقصود عن هويتها، أو ربما تأكيد على ما تريدني أن أسمعه.

نظرت إليها، إلى الهاتف، ثم إليها مجددًا.

هل كانت هذه اللحظة مجرد مصادفة؟ أم أن كل شيء كان محسوبًا؟

ضحكتُ في سرّي بسخرية وأنا أراقبها تروي لي قصصًا وكأنها تؤدي واجبًا وطنيًا مقدسًا. كانت تتحدث بلا توقف، كأنها تسير وفق نص مكتوب مسبقًا، وكأن كل كلمة تخرج منها محسوبة بعناية، مدروسة الأثر، مصممة لتغرس في رأسي فكرة معينة.

"أنت تشبه أخو زوج أختي..." قالتها وهي تحدق في ملامحي، ثم أضافت بسرعة قبل أن أتمكن من الرد: "إنه مزراحيم، يهودي عربي من اليمن."

أوه، رائع! الآن تحاول أن تضعني في قوالب جاهزة. يبدو أنها تريد أن تزرع في ذهني فكرة أني "قريب" بطريقة ما، أني جزء من شيء أكبر، من تاريخ "مشترك"!

لكن غولدا، وكعادتها، لم تفوت فرصة حتى تضيف شيئًا آخر من ذاكرتها التاريخية الثرية. يا له من تاريخ جبار! (تاريخ مليء بالنكبات… لكن ليس على حسابها طبعًا!) تحدثت عن هجرة اليهود العرب، عن الشتات، عن الحنين المزعوم، وكأنها تسرد ملحمة بطولية لا تقبل الجدل.

انتظرتُ، صابرًا، أراقبها تتحدث وكأنها مقتنعة تمامًا بأنها تستطيع أن تغرقني في بحر كلماتها، أن تسحرني بجمالها الخلاب، أن تجعلني، في لحظة ما، أتخلى عن مواقفي فقط لأن عينيها زرقاوان وشعرها ذهبي يتراقص مع الضوء.

أخيرًا، بعد انتظار بدا لي وكأنه دهر، نظرتُ إليها مباشرة، وقلت بصوت هادئ لكن حاد:

"ماذا تريدين أن تقولي لي؟ لما كل هذه القصص؟"

توقفت للحظة. بدت كمن لم يتوقع أن يواجهه أحد بالسؤال مباشرة. ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنها لم تكن خالية من التوتر. هنا، أدركت أن اللعب بدأ يأخذ منحى مختلفًا.

أخذتُ نفسًا عميقًا، كنت أعرف أن الأمور لم تكن مجرد صدفة، وها هي الآن تعترف، ولو بطريقة غير مباشرة.

"رأيت عليك التوتر وأتيت حتى أخفف عنك، أنا أعمل في المطار... نحن هنا لخدمة جميع المسافرين."

جملة منمقة، تبدو بريئة، لكنني لم أكن غافلًا عن نبرتها، عن الطريقة التي راقبتني بها منذ البداية، عن اهتمامها المبالغ به بي وحدي وسط هذا الحشد من العابرين.

نظرتُ إليها مباشرة، وقلت بصوت ثابت:

"الغريب أنكِ لم تذهبي لأي شخص سواي!!"

لمحتُ ارتباكًا طفيفًا في عينيها، ترددًا خفيفًا في وقفتها، ثم سمعْتُ صوتها يخرج متهدجًا:

"أنت تختلف عن الجميع هنا... اعتدنا عليهم..."

ثم صمتت للحظة، وكأنها تحاول أن تمنع الكلمات من الانفلات، لكنها في النهاية خرجت، ببطء، وكأنها وُلدت بصعوبة من فاها:

"أنت من مملكة السعودية!!"

هنا، لم يعد لديّ شك. ما كنت أفكر فيه منذ البداية يرتسم أمامي على أرض الواقع.

كل شيء كان مدروسًا، كل كلمة، كل نظرة، كل حركة. لم يكن الأمر مجرد حديث عابر في مطار مزدحم، بل كان لعبة، لعبة قديمة جديدة، حيث يحاولون أن يخلقوا الوهم بأنهم "لطيفون"، "ودودون"، "يريدون التعارف"، بينما في الحقيقة، الهدف أكبر من ذلك بكثير.

ابتسمتُ، لكن ليس ابتسامة ترحيب، بل ابتسامة شخص أدرك الخدعة قبل أن تنجح.

"والآن يا غولدا، ماذا بعد؟"

كنت هناك، في وسط الزحام الذي لا ينتهي، حيث لا تميز بين الوجوه ولا الأصوات، سوى بقايا ذكريات تلاحقك كأنها ظل لا يفارقك. في ذلك المطار الذي يعج بالضجيج، كنت جالسًا في زاوية صغيرة، أراقب الطائرات وهي تمر في السماء، محاولًا إيقاف الأفكار التي كانت تتناثر في عقلي. كل شيء كان يبدو عاديًا، لكن في داخلي كان هناك شيء ما ينمو ويتفجر كبركان خامد في انتظار اللحظة المناسبة.

غولدا بنيامين، تلك الفتاة التي سقطت فجأة في حياتي كحجر في مياه راكدة، كانت تقف أمامي الآن، وكأنها جزء من هذا العالم الذي يحاول أن يصف نفسه بالمؤسسات السامية بينما يختبئ في الزوايا الموت والدمار. كنت أسمع صوتها، لكن كلماتها كانت تبتعد عني كالسحب المتناثرة، لا تعني لي شيئًا. "إسرائيل دولة مضيافة"، قالتها بابتسامة عابرة، وكأنها تخبرني أن الشمس تشرق من الغرب.

ابتسمت في البداية، ثم أغشي على عيناي لفترة قصيرة. هل هي جادة فيما تقول؟ كيف لمثل هذا الكيان الذي يقوم على القتل والدماء أن يكون "دولة مضيافة"؟  لم أنشأ في قلب هذه الأرض المحتلة التي تزعم أنها بلد السلام،  الأرض التي سُرقت واغتصبت، وبقيت الأرض المحتلة على الرغم من كل شيء.

تذكرت حديث أستاذي عبد العزيز الفراج، ذلك الرجل الذي كان يرفع صوته في قاعات المدرسة، وهو يصرخ: "إسرائيل ليست دولة، بل هي كيان غاصب لا حق له في الأرض". كانت الكلمات التي نطق بها تتسرب في عقلي كما لو أنها خارطة مستقبل. وفي تلك اللحظات، كنت أشعر أنني جزء من أمّة لم تمت بعد، من شعب لا يقبل أن تُنتزع منه أرضه، من أرض تئن تحت الجراح ولكنها لن تظل صامتة أبدًا.

"إسرائيل من نهر دجلة إلى نهر النيل"، قالتها غولدا، وقد بدت الكلمات وكأنها رصاصات تخترق عقلي. كيف يمكن لأمة أن تحدد حدودها بهذا الشكل؟ كيف يمكن لهذه التصريحات أن تخرج دون أن تترك آثارًا عميقة في التاريخ؟ لم أستطع أن أترك هذه الكلمات تمر بسهولة. كانت سطورًا من الدم، تمتد بين نهرين تاريخيين، ولكنها تغفل عن الدماء التي سُفكت تحت راية الاحتلال.

أغمضت عيني مرة أخرى، ورحت أسترجع صور محمد الدرة، الطفل الذي سقط في فلسطين، ذلك الطفل الذي أصبح رمزًا لكل ما فقدناه وكل ما يجب أن نعيده. كنت أرى في صورته لمحة من حياتنا التي ضاعت، والألم الذي يعشش في قلوبنا. في تلك الأيام، كان الشعار يتردد في شوارع الوطن العربي : "لن ننسى محمد الدرة". وكان هذا هو وقودنا، كنا نرسم على الجدران ونكتب في الهواء عن مقاومتنا.و تردد في المدارس اسمه كأعلان عن رفض الظلم و الطغيان.

فجأة، انتشلني صوت غولدا من دوامة أفكاري، وأشعل في عقلي شرارة جديدة. كانت قد قالت شيئًا عن دراستها في بلاد عربية، وكيف أمضت سنوات فيها. ابتسمت وقالت بحماسٍ معتاد:
 
"هل تعلم أنني درست في مصر؟ نعم، في بلاد يوسف ويعقوب. هناك تعلمت الكثير عن الحضارات القديمة والتاريخ العريق لهذه الأرض."

كانت كلماتها تأتي بلهجة هادئة، وكأنها تسرد قصة قديمة لا تهز قلبها. ولكن في عقلي، كانت الكلمات تتسرب كالنار في الهشيم. "مصر؟ بلاد يوسف ويعقوب؟" قلتها في نفسي، وكأنني أسمعها تقول أن الأرض التي منحتها هويتها عبر التاريخ هي مجرد ماضٍ لا يعنيها اليوم.و كأنها ترى في مصر بلادها و هي الشقراء ذات العيون الزرقاوان.

كيف يمكن لامرأة مثل غولدا أن تخرج من هذا المكان، وتستذكر مصر بهذه الطريقة؟ هل هي ترى نفسها جزءًا من هذا التاريخ؟ هل هي تظن أن مجرد دراسة في "بلاد يوسف" يمكن أن تجعله حقيقة في عينيها؟

نظرت إليها بتمعن، وقلت في نفسي: "نعم، هذه هي عقليتها. تحاول أن تجد شيئًا مشتركًا بيننا، تحاول أن تلمس لحظة من الوهم لتربطنا بما هو أبعد من الحروب والدماء." لكنني كنت أعرف أن هذه الكلمات لا تعني لي شيئًا، وأن تاريخنا لا يمكن أن يُكتب إلا بدماء شهدائنا.

قلت بهدوء، في محاولة لاحتواء الغضب الذي يتسلل إليَّ:
"غولدا، تاريخنا لا يتغير بكلمات، ولا يمكن للواقع أن يكون مجرد محاكاة للتاريخ. نحن هنا في هذه الأرض، ولسنا فقط في هذا المكان، نحن في قلب المقاومة، وفي قلب الحق الذي لا يمكن لأي كلمة أن تخفيه."

ثم أضافت بصوت منخفض، وكأنها تلمس شيئًا غير مرئي في الجو:
"أنت مختلف... لكنكم في النهاية مثلنا، جئتم من نفس الأرض."

كانت الكلمات تخرج منها كالسكاكين التي لا تعرف الرحمة، تقطع في تاريخنا الحي بكل جمود، وكأنها تملك الحق في إعادة تشكيل ما كان مقدسًا لنا. كنت أعرف جيدًا ما كانت تحاول فعله؛ محاولة جذبي إلى فخها، محاولة إقحامي في صراع غريب يختلط فيه الماضي بالحاضر، تاريخ مليء بالجراح والدماء. كانت تدرك أنني جزء من هذا الوطن، لكنها كانت تظن أنني سأسكت أو أنني سأكون جزءًا من لعبة سياسية يتقاذفها الجميع.

ولكنني قررت أن أضع حداً لهذا. بينما كنت غارقًا في تفكيري، لاحظت شخصًا يقترب منا. رجل في منتصف العمر، يخطو خطوات واثقة، وابتسامة خفيفة على شفتيه، كما لو أنه قد اكتشف شيئًا. عندما وصل إلينا، ألقى نظرة سريعة على غولدا، ثم التفت إلي مبتسمًا، وقال بنبرة شبه هازئة، وهو يشير إليها:

"لقد أثقلتِ على هذا الشاب العربي!"

لحظة، وتنفس قلبي الصعداء، كأن عبئًا ثقيلًا سقط عن كاهلي. شعرت بنوع من الراحة، وكأن الجملة التي خرجت منه كانت هي الدرع الذي دفع عنها أفكارها البالية، والأكثر من ذلك، كأنها أخيرًا توقفت عن محاولة فرض واقع غير واقعي.

كنت أخشى أن تملأ الفراغ بمزيد من تلك الأفكار القاتلة، لكن لحسن الحظ، سكتت. كان العالم بيننا قد تغير فجأة. وتراجعت تلك الأحاديث حول تاريخها الهش، تلك المحاولات لتشويه معالم الزمان.

الحقيقة هي أن التاريخ، على الرغم من كونه ماضيًا، يظل يشكل الواقع الذي نعيشه، وهذه حقيقة يجب أن نعترف بها. كيف نعيش بلا إرث؟ كيف نعيش في أرض بلا هوية؟ الحقيقة أن هؤلاء الذين يظنون أن الماضي يمكن أن يُمحى هم في الأساس من يعيقون تطور العالم. هم يغفلون عن أن التاريخ ليس مجرد أوراق، بل هو أصلنا، حكاياتنا التي تربطنا بالماضي، وأملنا في المستقبل.

في النهاية، أياً كان ما يظنونه عن تاريخهم الهش، نحن نعرف الحقيقة. نحن نعيش على أراضٍ غنية بالذكريات، مرصعة بدماء الأبطال، ولن ندع أحدًا يدنسها مهما كان.

كانت واقفة حيالي، تنظر إليّ بنظرة غامضة قبل أن تستدير وترحل. غولدا بنيامين، بكل ثقلها وأسرارها، غادرت و اراحتني من أفكارها المتشابكة. بقيت في مكاني للحظات، أراقبها  هي تبتعد كأنها تسير نحو سراب متجهة نحو معمعمة المسافرين.

أخذتُ أتنقل ببصري في المكان، أبحث عن شيء يثبّت ذهني المتناثر. فوق الطاولة أمامي، تكدست كتب بعناوين لم أكن أتوقع أن أجدها هنا، في قلب هذا المطار المزدحم بالحركة والوجوه المجهولة. كتاب بعنوان "انهض واقتل أولًا: التاريخ السري للاغتيالات الإسرائيلية" كان في المقدمة، يليه "التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها" و*"اختراع أرض إسرائيل"*. مددتُ يدي إلى الأخير، قلّبتُ صفحاته بسرعة، وجدتُ فيه نقيضًا لما يروّجه اليهود عن "تاريخهم المجيد"، بل وجدت فيه تفكيكًا للأساطير التي صنعتها الصهيونية، تلك الأساطير التي تحوّلت إلى حقائق في أذهان كثيرين.

لم أستطع أن أمنع نفسي من متابعة الفيلم الوثائقي الذي تبثه قناة مكان 33، الموجهة للعالم العربي. كان يتحدث عن يهود السامرة، أولئك الذين لا يعترفون بالتوراة المتداولة عند بقية اليهود، بل يلتزمون بالتوراة السامرية التي يعتبرونها الأصل غير المحرف. والأكثر إثارة، أنهم يعارضون قيام الدولة الإسرائيلية، في تناقض صارخ مع الصورة النمطية التي نُلقَّنها عن "وحدة اليهود".

لكن ما استوقفني أكثر لم يكن ذلك، بل الكتب الأخرى التي تملأ الرفوف القريبة. كتب دينية يهودية لم نسمع بها كثيرًا في عالمنا العربي: مدراش، التلمود، المشناه، أغاداه… نصوص قديمة تشكّل العقل اليهودي، لكنها بقيت بعيدة عن أيدينا. بل حتى التناخ، الكتاب المقدس عند اليهود، لم يُترجم إلى العربية ترجمة كاملة. كنت أفكر: كيف نحارب من لا نعرف؟ كيف نردّ على عقيدة لم نقرأ نصوصها؟ لو أردنا أن نفهم عدونا، علينا أن نترجم كتاباته، أن نقرأه كما يقرأ نفسه، لا كما يُقدَّم لنا.

لكن، رغم كل ذلك، وجدت بين هذه الكتب كتابًا مألوفًا، مختلفًا عن البقية. المصحف الشريف، بترجمته إلى العبرية، كان موضوعًا على رف قريب. تأملته لبرهة، ثم خطر لي سؤال آخر: كم يهوديًا قرأ هذا النص بتمعن؟ كم منهم واجه معانيه، لا كمجادلٍ أو عدو، بل كإنسان يبحث عن الحقيقة؟

رنّ صوت إعلان الرحلات عبر مكبرات الصوت، فرفعت رأسي، وعادت عيناي إلى الواقع من جديد. كان المطار يعج بالحركة، المسافرون يمرون مسرعين، النداءات تتردد، والعجلات تنزلق فوق الأرضية المصقولة. وبين هذا الزحام، رأيته.

رجلٌ يسير بخطى واثقة، يلف رأسه بالحطة الفلسطينية، ذلك الغطاء الأبيض والأسود الذي لم يكن مجرد غطاء رأس، بل إعلانًا صامتًا عن هوية لا تنحني. نظرتُ إليه، تساءلت: ما الذي جاء به إلى هنا؟ هل هو عابر طريق، أم مقاتل في معركة أخرى، معركة الذاكرة والانتماء؟

أدركتُ حينها أن المعركة لم تكن فقط على الأرض، بل أيضًا على السطور، في الكتب، في العقول. والمعركة الحقيقية؟ لم تكن مع البنادق فقط، بل مع الكلمات، مع التاريخ، مع السرديات التي تُفرض علينا دون أن نجرؤ على مساءلتها.

أغمضت عينيّ للحظة، ثم فتحتها مجددًا. أراقب المارة بعينين نصف مغلقتين من التعب، حين اقترب مني ذلك الرجل قدّمت له التحية بودٍّ، فعرّفني بنفسه: "سامح." كان عربي الملامح، فانبسطت أساريري، لكن سرعان ما تبدل الحال.

"أنت سعودي؟!" قالها بحدة بعد أن عرف بلدي. ثم أكمل دون أن يمنحني فرصةً لالتقاط أنفاسي: "تأتون إلى هنا؟ هذا يكشف حقيقة تقاربكم مع هذا الكيان المغتصب! في العلن تدّعون وقوفكم معنا، وفي الخفاء تمدّون لهم الأيدي!"

حاولت أن أقول له إن الطائرة النمساوية تعطّلت فوق سماء تل أبيب، لكني ترددت... هل أقول تل أبيب أم يافا؟ لا فرق، فكلاهما مسلوب. لكن الرجل لم يمنحني فرصةً للتوضيح، ولم يكن في نيته الإصغاء.

قلت بهدوء، محاولًا أن أزيل الاحتقان الذي اشتعل بيننا فجأة: "أنا هنا لأن الطائرة تعطّلت..."

لم أُكمل جملتي، فقد استدار عني غاضبًا، كأنما شتمته. بقيتُ في مكاني متسائلًا: كيف سنبني أرضًا ودولة ونحن لا ننصت إلى بعضنا؟ كل فصيل يحكم كما يريد، دون مراعاة للآخر. كيف وحّد هؤلاء شتاتهم وصنعوا لهم كيانًا؟ كيف تفرّق أهل الأرض، حتى صاروا غرباء في أرضهم؟

وسط زحام الأفكار، انتبهتُ إلى عاملة النظافة اليهودية التي كانت تراقبني بطرف عينها، ترسم على وجهها ابتسامة مقتضبة، كأنها تحاول أن تقول شيئًا مسكوتًا عنه. فيما بعد عرفت أنها من اليهود المزراحيم، يهود الدول العربية الذين ظلّوا دومًا في المرتبة الثانية بعد يهود أوروبا، الأشكنازيم، الذين يعتلون سدة الحكم.

يا للمفارقة... حتى في الكيان الذي بنوه لأنفسهم، هم أيضًا درجات!
 
كنت  أجلس على مقعد و أشاهد المسافرين يتنقلون في أروقة مطار بن غوريون، محاطًا بضجيج لا ينتهي، أصوات المسافرين تتمازج مع أصوات الأجهزة الآلية، والعبارات العبرية تنساب بسرعة عبر مكبرات الصوت. هواءٌ ثقيلٌ يحمل رائحة المطار الجديدة الممزوجة برائحة القهوة المنتشرة في كل زاوية. على الرغم من الحركة السريعة في المكان، كان قلبي مثقلًا، كأنما الزمن نفسه قد أبطأ من حولي.

لحظةً تذكرت حديث الرجل الذي قابلته في النمسا، حين حاولت تجنب التواصل معه، لكن قدرًا غريبًا من الفضول دفعني للاستماع. كان يعتمر قبعةً سوداء ذات حوافٍ واسعة، وعيناه لا تبتعدان عن الحديث عن هرتزل، الذي رأى فيه مصدر إلهام يهودي خالص. تحدث عن هرتزل وكأنما هو بطلٌ عظيم، بل وكأنه أحد أبطال التاريخ الذين لا يمحى ذكرهم. ذكره وكأنما خرجت أفكار الصهيونية من ذهنه كأداة تغيير موجهة نحو هدف واحد: تأسيس وطن لليهود في فلسطين.

وتابع حديثه عن السلطان عبد الحميد الثاني، وقال بصوتٍ خافت: "إنها الحرب بين الشرق والغرب، لقد كانت كفة الحظ تغلبت لصالح اليهود على السلطان الأحمر". كان حديثه مليئًا بالتحليل والتفاصيل التي قد تبدو غريبة على الأذن، لكنه حمل معه نظرة حادة تجاه مواقف السلطة العثمانية في تلك الحقبة. أفكاره كانت تخلّف شعورًا مزعجًا في داخلي، وكأنما كانت تعبر عبر سياج الذاكرة لتلتقي بتاريخ طويل مليء بالتوترات والقرارات القاسية.
 
كنتُ غافيًا في مقعدي بالمطار، عيني تغلق على صور متباينة تتراكم في ذهني، وكأنني أغط في عالمٍ غير هذا. بدأ الصوت يتسلل إلى عقلي، صوتٌ غريب وكأنني أستمع إلى همسات بعيدًا عني، ومع الوقت أصبح ذلك الصوت حديثًا واضحًا في رأسي.

في خيالي، اجتمع عدد من الشخصيات التي لم أكن لأتصورها معًا. حاييم وايزمان، ليونيل والتر روتشيلد، الضابط البريطاني مارك ساكس، وألفرد ملنر. كانوا جميعًا جالسين حول طاولة مستديرة. وكنت أسمع الصوت نفسه، لكن هذه المرة كان يُتلى من خلف الطاولة، حيث كان يطغى جو من التوتر والانتظار.

وكان هناك، في رأس الطاولة، الرجل الذي كنت أعرفه جيدًا من الصور التاريخية؛ أرثر جيمس بلفور، وزير خارجية بريطانيا. رفع رأسه وقال، محاطًا بابتسامة يملؤها التؤدة: "أنا، أرثر جيمس بلفور، أكتب لكم هذا البيان كتعهد من مملكتنا لدعم قضيتكم، فمصالحنا تتوافق تمامًا مع مساعيكم."

كنت أتابع حديثه كأنني أعيشه في كل خليةٍ من جسدي. لم يكن هناك مجال للشك، كان الكلام متسقًا مع المواقف التاريخية التي نُسجت حول هذا العهد. ابتسم بلفور كما لو كان يطمئن الجميع قائلاً: "أنا أكتب لكم هذا البيان، وهذه مسؤوليتنا أن نقدم الدعم الكامل." ثم أدار نظره نحو وايزمان، الذي كان يبتسم بابتسامة راضية، وبدأ بلفور يقرأ بصوت واضح ما كُتب:

> "تنظر حكومة جلالة الملك بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يُفهم جليًا أنه لن يُؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر."


كل كلمة من هذا البيان كانت تطير في ذهني وتطحن الأمل في قلبي، وكأنني أعيش في هذا الحلم الكبير الذي بدأ يتشكل في الواقع. كنت أشعر بالضياع، فكل شيء بدا لي غير منطقي، فكيف لهذا أن يحدث؟ كيف لهذا أن يكون حقيقياً؟

ثم فجأة، قطع ذلك الصوت المكبر الذي كان يتسلل من خلال مكبرات الصوت في المطار. "تنبيه! الرحلة رقم 104 المتجهة إلى لندن، يرجى التوجه إلى البوابة رقم 7."

استفاقت عيناي بسرعة، وكأنني أستيقظ من حلم عميق. نظرت حولي في المطار، ورأيت كل شيء كما هو. كنتُ في الواقع، لكن مشاعري كانت تبتعد عن هذا الواقع قليلاً. همست في نفسي، وأنا أستجمع أفكاري: "كنت أظن دولة اليهود مجرد حلم!"
 
النهاية
---
 

 غولدا بنيامين: اسم يشابه اسم غولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل (1969-1974).
غولدا مائير: أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في إسرائيل، وُلدت في كييف وانتقلت إلى فلسطين في العشرينيات.
 

هافا ناغيلا: أغنية عبرية شهيرة تُغنى في المناسبات الاحتفالية، تعني "لنفرح"

الخميس، 6 فبراير 2025

نوادر جحا السعودي

 جحا السعودي ومغامرة كابتن بلع


لم يكن جحا هذا قريبًا لجحا التركي، ولا ابن عم جحا الفارسي، ولا حتى حفيدًا لجحا العربي الشهير، أبي غصن. كان جحا سعوديًا أصيلًا، ابن اليمامة، من بلدة صغيرة تدعى السليل، حيث ترعرع بين النخيل، يقفز فوق جذوعها كقرد شقي، ويجوب أزقتها كأنها ملكه وحده.

لكن الحياة لا تترك أحدًا في حاله. فقد قذفت به الأقدار إلى أفغانستان، وهناك رأى ما لم يكن مهيأً لرؤيته. لم يكن رجل حرب، ولا فارسًا شجاعًا، لكنه وجد نفسه في قلب المعارك، حتى التصقت به رائحة البارود وصراخ الضحايا. عاد إلى نجد بعينين زائغتين ووجه شاحب، لكنه عاد مطوعًا، يخطب في الناس عن التقوى، حتى جاء اليوم الذي انتهى به في مستشفى الصحة النفسية في شهار. ومنذ تلك اللحظة، بدأت مغامراته الحقيقية.

كابتن بلع، يا حبيبي!

في حلة الأحرار، غير بعيد عن سوق الموسيقى، كان هناك محل غامض لم يجرؤ أحد على دخوله. لم يكن فيه سوى أكوام من الخبز اليابس متناثرة في كل زاوية، والجدران مغطاة ببقع داكنة لا أحد يريد التحقق من طبيعتها. وسط هذا المكان البائس، جلس رجل شديد السُّمرة، هزيل كأنه مجرد هيكل عظمي يلف جسده بأسمال مهلهلة متسخة، وعيناه جاحظتان كأن الشرر يتطاير منهما. لم يكن يتحدث كثيرًا، وإن تحدث، فلن يفهمه أحد. يغمغم بكلمات مبهمة، ويطرد كل من يقترب من أكياس الخبز. الحارة كلها أطلقت عليه لقب "كابتن بلع"، ولم يعرف أحد سبب التسمية.

أما أخي بنيان، فقد وجد في جحا فرصة مثالية للانتقام. كان جحا قد أوقعه في ورطة كبيرة في الأحساء عندما ألقى بوظة على مجموعة رجال، ثم أشار إليهم متهمًا بنيان بالجريمة، فخرج منها سالمًا بينما انتهى أخي مضروبًا حتى كاد ان يرى ملاك الموت. لم ينسَ تلك الليلة أبدًا، وكان ينتظر اللحظة المناسبة للثأر.

وهكذا، اقترب من جحا ذات يوم، وقال بمكر:
"إذا كنت تبحث عن البنات، فالمكان المناسب هو هذا المحل. ادخل وصرخ بأعلى صوتك: كابتن بلع، يا حبيبي! ثم ضمه بقوة، وسترى العجائب."

نظر جحا إليه بريبة، ثم قال وهو يفرك لحيته الطويلة:
"لكن المكان يبدو مهجورًا، لا شيء يوحي بما تقول!"

ضحك بنيان وقال بإصرار:
"ادخل، فقط جرب، وسترَ المفاجآت بانتظارك!"

لم يكن جحا ليفوّت فرصة كهذه. تقدم داخل المحل، ووسط الظلام والغبار، ملأ رئتيه بالهواء، ثم صرخ بأعلى صوته:
"كابتن بلع، يا حبيبي!"

وهنا، كانت الكارثة.

اللحظة التي غيرت كل شيء

بقفزة لم يتوقعها أحد، نهض كابتن بلع من كرسيه كأنما أصابته صاعقة، أمسك عصًا أطول من قامته المنحنية، واندفع نحو جحا صارخًا بصوت كالرعد:
"حرامي! حرامي!"

لم يدرك جحا ما يحدث، لكنه فعل ما يجيده: الركض! قفز فوق أكياس الخبز، تدحرج بين الأرغفة اليابسة، وهو يصرخ:
"بنيان، لن أتركك! ستدفع الثمن!"

أما كابتن بلع، فقد كان خلفه تمامًا، يلوّح بعصاه كما لو كان يجذف في بحر هائج، غير مبالٍ بأي شيء سوى تلقين هذا المتطفل درسًا لا يُنسى.

السر المدفون في الأرغفة

عاد جحا إلى بيتنا بعد الحادثة، منهكًا ومتسخًا، يشكو لجدتي بحنق:
"هل رأيتِ ماذا فعل بي بنيان؟ أوقعني في يد رجل مجنون!"

لم يأخذ أحد شكواه بجدية، فقد كان معروفًا أن جحا يقع في المشاكل بنفسه. لكن المفاجأة الحقيقية جاءت بعد وفاة كابتن بلع.

عندما دخل الناس إلى محله لتنظيفه، اكتشفوا أن تلك الأرغفة اليابسة لم تكن مجرد خبز، بل كانت تخبئ بداخلها نقودًا! لم يعرف أحد لمن كانت هذه الأموال، ولا كيف وصلت إلى هناك.

أما جحا، فقد اكتفى بالنظر إلى المشهد، وهز رأسه بحكمة قائلاً:
"لو كنت أعلم أن الخبز مليء بالفلوس، لكنت أكلت منه بدلًا من الهروب!"

 

***

 

جحا السعودي وسوق الحراج: مغامرة الدش والرسيفر

لم يكن سوق الحراج في المنفوحة مكانًا يليق برجل حكيم، لكنه كان المكان المثالي لرجل مثل جحا السعودي، الذي لا يعرف الملل ولا يترك مغامرة إلا وأوقع نفسه فيها، حتى لو خرج منها بلا ثوب يستر جسده!

أما نحن، فلا تسأل عن حالنا. اضطررنا لبيع التلفاز، فالبيت خاوٍ على عروشه، والنمل لا يزورنا ولا يبني في زواياه قريته، وإن دخل لص بيتنا، فإنه لا يخرج إلا كما دخل، ليس لكرمنا، بل لأنه لن يجد شيئًا يسرقه! حتى البعوض كان يهجر منزلنا لعدم وجود ما يمتصه!

لكن جحا، رغم فقره، لا يرتاح إلا عندما يثير الفوضى. ذات يوم، أخذ معه صنيفرة، صاحبه الذي لم يكن صاحبًا بحق، بل مجرد جبان محترف، واتجها إلى سوق الحراج حيث امتلأ المكان بالصحون اللاقطة (الدش) وأجهزة الاستقبال (الرسيفر).

المزاد المشؤوم!

كان المزاد مشتعلاً، وأصوات التجار تتعالى:
"هذا الرسيفر الأصلي يا إخوان، استقبل كل شيء، حتى بث الجن!"
"خذ الدش هذا، يلتقط إشارات من الفضاء، حتى لو كنت في كهف!"

وجحا، بعين لامعة ولسان سليط، لا يفوّت فرصة! وسط زحمة الناس، حمل جهاز استقبال ثقيل، والتفت إليّ قائلاً:
"خذ هذا، هدية لك!"

لكنني، أعرف جحا، وأعرف أن "هديته" هذه ستجرّ عليّ وبالًا لا يُغتفر، فقلت:
"لا بارك الله فيها، احتفظ بها لنفسك!"

وهنا، انفجرت الفوضى!

الهروب الكبير وصنيفرة الهارب!

ما إن رآني أرفض، حتى علا صوته وكأنه زعيم السوق:
"يا جماعة! هذه البضاعة للصدقة، كلها مجانية!"

ويا لغباء الناس حين يسمعون كلمة "مجاني"! هاجوا وماجوا، كل واحد يريد حصته، كأنها غنائم حرب!

صنيفرة؟ لا تسأل عنه! ما إن رأى الناس يتحولون إلى إعصار بشري حتى ولّى هاربًا كأنه لم يولد في هذه الدنيا أصلاً!

أما جحا، فقد وجد نفسه وسط العاصفة. تجمع حوله الناس، وبدأت الأيدي تمتدّ، والشتائم تنهال:
"يا لص! سرقت البضاعة!"
"اتصلوا بالشرطة! قسم البطحاء قريب، الليلة نقضيها في المخفر!"

الورقة العجيبة!

رأى جحا أن الأمور صارت جديّة، ولم يعد المزاح ينفع. تظاهر بالرعب، ثم ببطء، وكأنه يستخرج كنزًا ثمينًا، أخرج ورقة مهترئة من جيبه، ولوّح بها في الهواء.

وقف الجميع، حتى الذين كانوا يمسكونه من ثوبه، وصمت السوق تمامًا. أخذ أحدهم الورقة وقرأها بصوت مسموع:

"نشهد بأن المذكور، المدعو جحا، يعاني من اضطرابات عقلية، ولوثة فكرية، وأمراض نفسية متقدمة، صادرة من مستشفى شهار."

ساد الصمت. تبادل الناس النظرات. أحدهم حكّ رأسه، آخر فرك ذقنه، ثم قال أحدهم:
"يا جماعة… يمكن المسكين مرفوع عنه القلم، خلّوه يروح في حاله!"

وفعلًا، أطلقوا سراحه فورًا!

الحيلة الأزلية

خرج جحا من السوق بخطوات واثقة، وأنا أسير خلفه مذهولًا. نظرت إليه وقلت:
"يا شيخ، من أين لك بهذه الورقة؟"

ضحك، وقال وهو يلوّح بها:
"هذه ورقة الجنة، يا بني! متى وجدت نفسي في مصيبة، أخرجها، وكل شيء ينتهي!"

وهكذا، مشى جحا سيدًا على المواقف، محصنًا ضد القانون، وضد الأعداء، وضد الغباء البشري نفسه!

 

***

 

شمخ وجحا السعودي: مغامرة الفطور المشؤوم!

ما قبل الكارثة…

الحق يقال، أبي لم يكن كثير الكلام، لكنه عندما يقول شيئًا، فهو أشبه بمرسوم ملكي لا يُقبل الاستئناف عليه! وذات صباح، وبينما كنت أبحث عن أي فتات خبز أسدّ به رمقي، نظر إليّ أبي بصرامة وقال:

"لا تخرج من البيت اليوم! جحا يدور حول الحارة، وأنت صغير على مشاكله!"

هززت رأسي مثل ابن بار، لكن الحقيقة؟ الحقيقة أنني لم أكن أسمع كلمة واحدة مما قال! لأن معدتي كانت تقرع الطبول وكأنها تحتفل برمضان قبل أوانه.

وفجأة، وكأن القدر يسخر مني، ظهر جحا من النافذة، يلوّح بيده كأنما وجد كنزًا:

"يا ولد! تعال معي، سأعطيك فطورًا لم تحلم به!"

هنا، توقفت عن التفكير، ولم أعد ابنًا بارًا، ولا مواطنًا صالحًا، ولا حتى كائناً بشريًا عاقلاً… كنت مجرد معدة تمشي على قدمين!

قفزت من النافذة كما لو كنت هاربًا من مجاعة القرن، وركبت سيارة جحا، التي لم يكن لها لون محدد بسبب كثرة الحوادث والخدوش، وتوجهنا نحو حي النسيم، حيث الأسواق والمطاعم… وشيء آخر لم أكن أعرفه بعد.

حراج النسيم… وسرقة علنية!

وصلنا إلى مكان يشبه سوقًا للحيوانات البرية، الناس يتدافعون كأنهم في يوم الحشر، والصياح يعمّ المكان.

أما جحا، فكان وسط كل هذا، يتحرك بثقة بائع محترف، فتح باب السيارة وأخرج أكياسًا غامضة وهو ينادي بصوته الجهوري:

"يا جماعة الخير! عروض اليوم لا تُفوت! بضائع أصلية، بأسعار خرافية!"

نظرتُ إلى البضاعة… ثم نظرتُ إلى جحا… ثم نظرتُ إلى الناس… ثم عُدتُ ونظرتُ إلى البضاعة.

شيء ما لم يكن على ما يرام!

التلفزيونات؟ جديدة تمامًا، لكن دون كراتين!
الرسيفرات؟ لا يوجد عليها أي استكرات!
حتى الساعات؟ تبدو وكأنها خرجت تواً من معرض إلكترونيات… ولكن بدون ضمان!

كنتُ على وشك أن أسأل جحا عن مصدر هذه الأشياء، لكنه سبقني وربّت على كتفي قائلاً:

"تعال، لا تكثر الأسئلة… خذ لك واحد، هدية الفطور!"

لم أكد أمد يدي حتى ظهر رجال الشرطة من العدم، وكأن السماء أمطرتهم علينا!

الفخّ ينغلق… ودموعي تنهمر!

ما حدث بعد ذلك كان أشبه بفيلم أكشن سيئ الإخراج…

الشرطة تحاصرنا، الناس يفرّون، وجحا؟ جحا كان يتظاهر بأنه لا علاقة له بالأمر، بل رفع يديه إلى السماء كأنه في صلاة استسقاء!

جاءني أحد الضباط وسألني:

"أنت! ما الذي تفعله هنا؟"

نظرتُ إليه… ثم نظرتُ إلى جحا… ثم نظرتُ إلى الأرض، وقلتُ بصوت يكاد لا يُسمع:

"كنتُ أبحث عن… فطور؟"

لكن الضابط لم يكن جائعًا، ولم يتعاطف مع قضيتي العادلة، فتم اقتيادنا إلى قسم شرطة البطحاء!

وهناك، في الزنزانة الباردة، بدأتُ أبكي كما لم أبكِ من قبل. ليس لأنني في السجن، بل لأنني كنتُ لا أزال جائعًا!

المكالمة القاتلة…

أعطوني هاتفًا لأتصل بأبي، فالتقطته بيد مرتعشة، وضغطتُ الأرقام وكأنني أضغط على زناد مسدس محشوّ بالرصاص:

"أبي… أنا… أنا في قسم الشرطة!"

عمّ الصمت للحظات، ثم جاءني صوته، هادئًا لكنه يحمل طعنة نجلاء:

"لقد حذرتك من الخروج، لكنك لم تسمع الكلام!"

في تلك اللحظة، أدركتُ أن الجوع شيء، والغباء شيء آخر تمامًا!

أما جحا؟ فقد كان جالسًا في الزاوية، مبتسمًا كأنه في استراحة فندقية، ثم فجأة، مدّ يده إلى جيبه وأخرج ورقة مطوية وسلمها للضابط!

فتحها الضابط وقرأ بصوت منخفض، ثم نظر إلى جحا بذهول وتمتم:

"يا ساتر! مريض نفسي؟"

وهكذا، كما يحدث دائمًا، خرج جحا حرًا طليقًا، يلوّح لي من بعيد وهو يقول:

"هارد لك يا شمخ! الفطور كان عليك هذه المرة!"

وأنا؟ بقيت في القسم، أنتظر أبي… وأنتظر مصيري المحتوم!

 

***

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...