بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 23 يناير 2018

موسم الحكايات





موسم الحكايات

في زاوية الحي الصغير، حيث يتقاطع الناس وتتشابك القصص، كانت بقالة العم صابر، أو "أبو سفيان" كما اعتدنا أن نسميه، هي المحور الذي لا يتوقف. مكان صغير بترتيبٍ فوضوي، أرففه مزدحمة، ورائحة التوابل تمتزج مع رائحة الخبز الطازج. لكن ما جذبني دومًا إلى تلك البقالة لم يكن البضائع، بل العم صابر نفسه. رجل نحيل، يحمل حكمة السنين في عينيه المخبوءتين خلف نظارات سميكة، وكان يعرف كيف يحوّل أي حديث عابر إلى درس لا يُنسى.

جلستُ هناك، كما فعلت مرارًا، أتظاهر بأنني أساعده في ترتيب الأرفف، بينما في الحقيقة كنت أنتظر تلك اللحظة التي يشرع فيها بالسرد. وها قد بدأ، بصوته الهادئ المشوب بالتجربة: "يا فهد، تعال اسمعني شوي. بتظن إني أعرف الكثير بحكم العمر، لكن ترى مهما كبرت ما توصل لآخره." كان يتحدث وكأن الحكاية التي على وشك أن يُفصح عنها كنز، لا يعرفه إلا من عاش مثله.

توقف لحظة، ينظر إليّ بعينيه العميقتين، قبل أن يكمل: "تعرف يا ولدي؟ مرّ عليّ ناس من كل نوع. اللي تظنه صديق يطلع عدو، واللي ما تعطيه اعتبار يوقف معك يوم الشدة. تعلّمت أن الدنيا فيها ألوان ما تقدر تعدها." كل كلمة منه كانت مشحونة بمعانٍ أعمق مما تبدو. لقد عايش أجيالًا، رأى أوجهًا مختلفة للحياة، وما زال رغم ذلك ينظر إليها بنوع من التواضع الذي لا تجده إلا عند أصحاب الخبرة الحقيقية.

"الله قال في كتابه: 'ولا تقف ما ليس لك به علم.' تعرف ليه؟ لأننا مهما ظنينا أننا نعرف، الحقيقة دايمًا أكبر مننا." كانت كلماته كأنها تخرج من قلبه، وكان هناك ثقل خلفها، ثقل الحكمة التي لا تأتي إلا لمن عاش الحياة بعيون مفتوحة وقلب مستعد للتعلم.

في تلك اللحظة، شعرت أنني لم أكن فقط زبونًا في بقالة صغيرة، بل كنت تلميذًا في مدرسة الحياة، والعم صابر كان أستاذًا من نوع نادر، يُعلمنا دروسًا دون أن يدّعي المعرفة المطلقة.
 
بدأ العم صابر ينسج خيوط قصصه عن حارتنا الصغيرة، كما يفعل دائمًا، بأسلوبه الهادئ الذي يشدك دون أن تدري. كان يتحدث هذه المرة عن "حارة سعود" في حي غبيراء بالرياض القديمة، تلك الحارة التي عرفناها جميعًا بأزقتها الضيقة وبيوتها المتلاصقة. الحنين كان واضحًا في صوته، وكأن الكلمات تفوح بعبق الماضي، تحمل في طياتها ذكريات ناس وأحداث طواها الزمن.

"تذكر يا فهد؟ أم سعاد، تلك المرأة التي كانت تجيء كل يوم تقريبًا، تشتري حاجياتها من هنا. كانت دائمًا مبتسمة، ولا تنقطع أحاديثها عن الدنيا وأولادها. الدنيا تغيرت بعدها، والله إنها تغيرت كثير." قال العم صابر وهو ينظر إلى ركن في البقالة وكأنه يرى شبح الماضي.

ثم تنهد بعمق، وأكمل حديثه بلهجة أكثر جدية: "لكن الأمور ما بقت على حالها، يا ولدي. يوم حلَّ الضيف الثقيل... ذاك اللي سمّوه (الصحوة). كل شيء تبدل، حتى الناس اللي كنا نعرفهم صاروا غير. أم سعاد كانت واحدة منهم. ما عاد هي نفسها، وما عاد اسمها حتى. صارت تُعرف بأم حمد بعد كل اللي صار، كأنها غيرت حتى هويتها."

كنت أستمع للعم صابر وهو يسرد تلك التفاصيل وكأنها مشهد من قصة مأساوية. الصحوة، ذلك التغيير الكبير الذي اجتاح البلاد وغير ملامحها، لم يترك أحدًا كما كان. "أم سعاد"، أو "أم حمد" كما باتت تُعرف، لم تعد تلك المرأة التي كنا نراها يوميًا. تغيرت في لباسها، في حديثها، وحتى في نظرتها للعالم. كنت أشعر أن العم صابر لا يتحدث عن شخص واحد فقط، بل عن جيل كامل تغير بفعل تلك الموجة التي اجتاحت المجتمع.

"كانت تيجي وتشتري حاجياتها كالعادة، لكن حديثها صار غير. بدل ما كانت تحكي عن الدنيا والضحك مع جاراتها، صارت تتكلم عن الدين والأخلاق، وعن أشياء ما كنا نسمعها منها من قبل. وكأنها صارت شخصًا آخر." العم صابر هز رأسه بأسى، ثم قال: "الدنيا يا فهد، تغير الناس، بس الصحوة كانت أكبر تغيير شفته في حياتي."

كانت تلك الحكاية ليست فقط عن أم سعاد، بل عن مجتمع بأكمله تغيرت ملامحه بين ليلة وضحاها.


سألته: "كيف انقلب الحال؟"

أجاب:

"لنبدأ من البداية. في عام 1990، قادت 47 امرأة سياراتهن في شوارع الرياض، وكان ذلك بمثابة تحدٍّ واضح للقوانين المفروضة في ذلك الوقت. سعاد كانت واحدة منهن، وهي تعلم تمامًا ما يعنيه ذلك من مجازفة، لكنها لم تكن وحدها؛ كان زوجها يدعمها كما فعل العديد من أزواج النساء الأخريات. لم تمر هذه الحركة دون أن تثير الانتباه. رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانوا في كل مكان، وعلى رأسهم مساعد المطوع، المعروف بصلابته، حيث كان يتفاخر بإلقاء القبض على النساء وكأنهن مجرمات. وصفهن بأوصاف قاسية، ووصف سعاد بأنها 'عديمة الحياء'.

ألقي القبض على سعاد، لكن المفاجأة الأكبر لم تكن في القبض عليها، بل في رد فعل أمها. كانت أم سعاد، قبل هذه الحادثة، تتبنى الأفكار التقليدية ذاتها التي سادت المجتمع، وتعارض بشدة فكرة أن تقود النساء السيارات. غير أن اعتقال ابنتها دفعها للتفكير بعمق في كل ما كانت تؤمن به. ربما كانت ترى في سعاد تمردًا غير مقبول في البداية، لكن بعد هذه التجربة، لقد أحدثت هذه الواقعة شرخًا في اليقين القديم، وأصبح من الواضح أن التغيير كان ضروريًا."


تغيرت نبرة العم صابر، وكأن الحكاية التي كان يسردها أصبحت أثقل. تحدث عن قصة سالم، ابن مصلح، الذي كان دائمًا محط آمالنا، خاصة بعد وفاة والده في حادثة تفجير مبنى وزارة الداخلية عام 2004. كان والده شهيدًا، واعتقد الجميع أن سالم سيحمل تلك القيم البطولية ويصبح رمزًا للخير. لكنه، مع مرور الوقت، انزلق نحو فكر متطرف، وانتهى به المطاف بالانضمام إلى تنظيم داعش. "سالم، الذي كنا نعتقد أنه سيكون خيرًا لهذه البلاد، انقلب إلى عدو لها. انحدر إلى سوريا، وهناك قُتل، مقطوع النسل كأنه شجرة اقتلعت من جذورها." نطق العم صابر بتلك الكلمات بحزن شديد، وكأن الخسارة كانت شخصية.
 
وبينما كان يمسح زجاج نظارته ببطء، واصل الحديث عن أم سعاد. "كانت تبيع الملابس النسائية في سوق الديرة، وتفترش الأرض، وتضع مصطبةً تعرض عليها ما تريد بيعه. كانت تعرف الجميع، وكانت حياتها بسيطة. لكن كل شيء تغيّر بعد حادثة جهيمان عام 1979. استمعت لشريط يقول فيه داعية إن عمل المرأة حرام، فتخلت عن بساطتها، وتركت السوق." 

ثم بدأ العم صابر يروي قصة جهيمان العتيبي بأسلوبه المعتاد، وكأن الزمن عاد إلى تلك الأيام التي شهدت أخطر الأحداث في تاريخ المملكة. "جهيمان كان شخصية معروفة بين الشباب في تلك الفترة، احتشد حوله عدد كبير منهم، يؤمنون بفكره، وكان محمد عبدالله القحطاني هو المهدي المنتظر الذي اختاره جهيمان."

استمر العم صابر في حديثه بنبرة تفيض بالتعجب: "الهدف من هذا الاحتشاد كان تطبيق حديث نبوي يُقال إنه: 'إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها'. جهيمان وآخرون كانوا يظنون أن هذا هو الوقت المناسب، وأرادوا مبايعة المهدي المنتظر بين الركن والمقام في الكعبة."

لم يكن حديث العم صابر مجرد سرد للتاريخ، بل كان يحمل في طياته إحساسًا بالغموض والرهبة تجاه الأحداث التي كادت أن تُغير مسار البلاد.

استمر العم صابر في سرد الأحداث، وعينيه تتأمل في الفراغ وكأنها تبحث عن ذكرياته بين السطور. "عبدالله، ابن حارتنا، كان يدرس الطب في الجامعة، وكان شابًا مفعمًا بالأمل والطموح. انضم فكريًا إلى جماعة جهيمان، وتحمس لأفكارهم في البداية، حيث كانت تثير فيه روح الحماسة."

توقفت نبرته قليلاً، وكأنه يستحضر تلك اللحظة الحاسمة: "لكنه تراجع في اللحظات الأخيرة، خاصة عندما علم بوفاة أخيه في حادث مأساوي. تلك الخسارة جعلته يعيد تقييم حياته وأولوياته. وعندما وقعت أحداث الحرم، انقلبت حياة الكثيرين، وشهدنا كيف تأثرت عائلات بكاملها بتلك الأحداث."

ثم أضاف العم صابر بصوتٍ مملوء بالحزن: "عبدالله لم يكن وحده. الكثير من الشباب الذين كانوا في تلك الدائرة، شعروا بالارتباك والقلق. بالنسبة لهم، كانت اللحظات الحاسمة التي قرروا فيها ماذا سيفعلون تتقاطع مع تغييرات دراماتيكية في مجتمعاتهم."

كان حديثه بمثابة تحذير للأجيال القادمة، بأن الانخراط في الأفكار المتطرفة قد يؤدي إلى تحولات لا يمكن عكسها.

عندما انتهى العم صابر من الحديث، كان هناك شعور بالحنين والحزن في أجواء البقالة. أدركت أن كل هذه القصص تحمل معانٍ عميقة. كانت حكاياتهم تعكس الصراع بين الأمل واليأس، بين الحلم والواقع.

"الحياة مليئة بالمفاجآت، يا فهد. البعض ينجرف في الفوضى، والبعض الآخر يختار طريق الأمل." قال العم صابر وهو يبتسم.

بينما كنت أغادر البقالة، شعرت أنني حصلت على نظرة أعمق إلى التاريخ والشخصيات التي شكلت حياتهم. كانت تلك الحكايات تُذكِّرني بأن الماضي يظل جزءًا من الحاضر، وأن الحكمة تأتي من التعلم من التجارب.

أقبلتُ نحو بقالة العم صابر مساءً، وقد أحضرت معي صحفًا وكتبًا. كان الجو هادئًا، وبمجرد أن دخلت، رأيت العم صابر جالسًا في ركنه المعتاد، حيث كان يقرأ المصحف كعادته. وعندما رآني، أشرقت من وجهه ابتسامة رقيقة، مما جعلني أشعر بأنني في منزلي.

"مرحبًا يا فهد! كيف حالك اليوم؟" قالها بصوته الدافئ.

أجبت: "أهلاً، عم صابر! جئت لأحدثك عن بعض ما قرأته مؤخرًا."

بدأت أروي له ما عثرت عليه في الصحف والكتب. "قرأت أن جهيمان كان في نفسه الانتقام جراء ما حدث لإخوان من طاعة الله، الذين حاربهم الملك عبدالعزيز في معركة السبلة. كانوا يحاولون عرقلة مسيرة الدولة وفرض آرائهم لقد هزمهم الملك عبدالعزيز و شتت شملهم. جهيمان، الذي كان جندياً في الجيش السعودي، عمل أيضًا سائقًا لشاحنات. لكنه ألف كتبًا كان يرى في نفسه أنه شيخ وفقيه."

تبادلت النظرات مع العم صابر وهو يستمع باهتمام. "نعم، لقد سمعنا الكثير عن جهيمان،" قال. "كان له تأثير كبير في ذلك الوقت."

واصلت: "لقد حرم العمل في الوظائف الحكومية، وقام بتشطيب الصور الموجودة في العملات الورقية بالقلم الحبر، لأنها كانت بمثابة الأصنام التي لا ينبغي أن تُعبد."

أومأ العم صابر برأسه، وكأنه يتذكر تلك الأيام. "صحيح، كان يوزع كتبه ويعمل تحت جناح السرية. أصبحت كتبه تُعد من المصادر المهمة للفرق المتشددة التي تدعي أنها تمتلك الإسلام، وأن الإسلام لا يأتي إلا عن طريقها."

استمر العم صابر في حديثه عن التغيرات الثقافية والاجتماعية التي شهدتها البلاد. "كثير من الناس تأثروا بأفكاره. في ذلك الوقت، كانت هناك حركة فكرية تحاول أن تعيد تفسير الدين وفقًا لرؤيتها. لكن هذه التفسيرات كانت تحمل في طياتها الكثير من التعصب."

تعمقنا في الحديث، حيث تطرقنا إلى تأثير هذه الأفكار على الأفراد والعائلات. كانت الأحاديث تتداخل مع ذكرياته، مما جعله يبحر في الماضي ويستعيد تلك اللحظات المهمة.

"لقد كانت تلك الفترة تحمل تحديات كبيرة،" قال العم صابر. "لكننا تعلمنا أن الأمل يمكن أن يُوجد حتى في أحلك الظروف. علينا أن نتذكر أن الإسلام هو دين الرحمة والتسامح."

عندما انتهينا من الحديث، كانت الأضواء تتلاشى في البقالة، لكن حكايته وتراثه لا تزال تضيء الطريق أمامي. شعرت بأنني اكتسبت رؤى جديدة حول ماضٍ معقد، وأن هذه القصص تحمل في طياتها دروسًا لا تنسى.

كان صمت الحارة مطبقًا، وكأن الزمن قد توقف. فجأة، كسر العم صابر هذا الصمت وهو يلتفت إليّ، وكأنه تذكر شيئًا قديمًا. بدأ يتحدث بصوت خافت، ولكن كلماته كانت تحمل ثقل الذكريات.

"تذكرت، في أحد البيوت المجاورة، كان يقطن مساعد، الرجل الذي كان يشتهر بضرب زوجته بلا رحمة. كانت تُسمع صرخاتها تتردد في الحارة، حيث كانت تخرج من بيتها باكية، يتبعها ثمل يترنح في خطواته. 'متى ستكف عن شرب هذا السم؟' كانت تسأله.

كان يرد بصوت عالٍ، 'هذا ليس من شأنك!' ثم تضيف: 'لم تترك لي شيئًا! المجوهرات أخذتها رغماً عني، والآن تريد الأساور الذهب التي أهداني إياها أبي، رحمه الله.' لكنه لم يكن يقف عند هذا الحد. كان يمسك بها بعنف، محاولًا خلع الأساور من يديها. كانت يده مليئة بالشامبو، يسعى لاستخدامه في فسخ الأساور بالقوة، وكأن الأشياء أصبحت أكثر أهمية من أرواح البشر.

اجتمع أهل الحارة محاولين ثنيه عن عنفه. تلك المرأة لم تجد ما تستر به رأسها، بينما كان هو يطاردها بلا رحمة.

لكن مساعد، الذي أُطلق سراحه بعد قضاء عام في السجن بتهمة حيازة المخدرات، عاد مختلفًا. أرخى لحيته وقصّر ثوبه، وبدلاً من العودة إلى طبيعته القديمة، أصبح يعرف باسم 'المطوع مساعد' بعد انضمامه إلى هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. بدا كأنه ارتقى إلى خشبة المسرح ليؤدي دورًا جديدًا، متخليًا عن ماضيه المظلم.


حل صمت رهيب على العم صابر، واستمر في حديثه بحسرة وتنهيدة عميقة، وكأنما يتذكر تفاصيل تلك الأيام المثقلة بالذكريات. "في تلك الأيام، عاد محسن إلى وطنه بعد نهاية الحرب السوفيتية في أفغانستان. كان محسن أحد 'أفغان العرب'، أولئك الشباب الذين سافروا إلى هناك ليشاركوا في الجهاد ضد الاحتلال السوفيتي."

ثم تابع بلهجة تحمل مزيجًا من الفخر والأسى: "عاد محسن مزهوًا برائحة النصر، يحمل في قلبه عبق المعارك، ويحدث أهله وأقاربه عن تجاربه كما لو كانت بطولات أسطورية. كان يردد على مسامعهم أن 'رائحة الرصاص لا تزال عالقة في ذاكرته'. استقبلته أسرته بفرح كبير، كما يفعلون مع الأبطال العائدين من المعارك، لكن لم يكن يعلم أن هذا الاحتفاء لن يدوم طويلاً."

توقف العم صابر للحظة، وكأنه يحاول استعادة تلك اللحظات السعيدة قبل أن يتحدث عن التغيرات التي طرأت على محسن. "لكن ما حدث بعد ذلك كان صادمًا. محسن الذي كان يُعتبر بطلًا في نظر الجميع، بدأ يتغير. الحرب تركت أثرًا عميقًا فيه، ليس فقط على مستوى الجسد، بل أيضًا في فكره وعقله. رأى أن المجتمع الذي عاد إليه كان فاسدًا، ويحتاج إلى تصحيح، ولذا بدأت أفكاره تتجه نحو التطرف."

بصوته المليء بالحنين، أضاف: "كان من الصعب على أي شخص في الحارة أن يتقبل هذا التغيير المفاجئ في محسن. لقد كنا نعتقد أنه عاد ليصبح جزءًا من المجتمع، لكنه كان قد عاد بفكر مختلف تمامًا."

كان محسن قد تغير. الحرب تركت آثارًا عميقة عليه، ما عايشه في أفغانستان من معارك وأيديولوجيات لم يكن مجرد تجربة، بل كان تحولًا فكريًا، فبدأ يرى أن المجتمع الذي عاد إليه مجتمع فاسد، لا يمكن إصلاحه إلا بالقوة. لطالما كان يردد أن الحل يكمن في "إعادة المجتمعات الفاسقة إلى جادة الصواب"، وكان يتحدث بحماسة عن ضرورة "الخلافة" التي فقدت هيبتها على يد أتاتورك.

أبيه كان يتأمل حال محسن بقلق ويقول بحسرة: "ليتني لم أرسل محسن إلى أفغانستان". هذه العبارة كانت تعبّر عن ندم الأب، الذي لم يكن يتوقع أن يعود ابنه من الجهاد وهو محمّل بأفكار قد تقوده إلى مواجهة مع المجتمع نفسه.

محسن كان يتصدر المجالس في الحارة، يلبس اللباس الأفغاني التقليدي وكأنه رمز للفخر. كان يجلس في حلقات النقاش ويروي حكاياته عن الأيام التي قضاها في كهوف أفغانستان القديمة، متحدثًا عن الجهاد والمجاهدين، وعن كيف كانوا يجتمعون في تلك الكهوف، يتحدثون عن إعادة أمجاد الأمة الإسلامية، وعن ضرورة نبذ الجنسيات والجغرافيا في سبيل توحيد المسلمين.

ذات يوم، قال محسن في أحد هذه المجالس: "كنا نجلس في جوف تلك الكهوف التي مر بها المسلمون الأوائل، نتحدث عن استعادة مجد الأمة. الحل كان واضحًا: الخلافة الإسلامية هي المفتاح، ومن يتجرأ على القول بأن هذه الدول التي تحكم اليوم حافظت على الدين فهو خارج عن الحق".

وفي لحظة حماس، تابع قائلاً: "المعركة كانت فوق تلك السهول القاحلة، حيث الدبابات تدوس نبات الخرفار الصغير وتقتل كل شيء في طريقها، لكننا لم نكن نهتم. كنا نخرج فقط لنحقق النصر على الملاحدة الروس".

هنا تدخل "فيصل"، الأخ الأكبر لمحسن، قائلاً بهدوء: "لكن يا محسن، هناك دول دعمت المجاهدين الأفغان، وعلى رأسها الولايات المتحدة. هناك صور توثق لقاءات بين الرئيس الأمريكي رونالد ريغان وبعض قادة المجاهدين الأفغان. كانت أمريكا تدعمهم بالعتاد، وحتى الصين ودول عربية شاركت في هذا الدعم".

كانت هذه الكلمات كالصاعقة على مسامع محسن، فرد بغضب: "كيف تجرؤ على اتهام المجاهدين بأنهم عملاء لأمريكا؟! هؤلاء وهبوا حياتهم في سبيل الله، كيف يمكن أن تقول هذا؟"

فيصل، الذي درس العلوم السياسية في الولايات المتحدة، لم يتراجع. قال بهدوء أكثر: "ما تقوله صحيح، يا محسن، لكن السياسة ليست كما تراها. المعارك التي خضتها لم تكن سوى جزء من لعبة أكبر، لعبة شطرنج تحركها دول عظمى. الولايات المتحدة مولت المجاهدين السنة، وهناك دول عربية دعمت، وحتى إيران مولت جماعات شيعية أفغانية. إنها ليست معركة بسيطة بين الإيمان والكفر، بل صراع مصالح دولي معقد".

كان النقاش يحتد بين محسن وفيصل، وكأنهما يمثلان جيلين مختلفين من الفكر. محسن يرى العالم من خلال عدسة الحرب والجهاد، بينما فيصل يدرك تعقيد السياسة الدولية ومآرب الدول الكبرى.

وسط تلك النقاشات المحتدمة، كان "العم صابر" يجلس في بقالته الصغيرة، يستمع بصمت، عينيه تتجولان بين الوجوه التي تعبر عن آراء متناقضة. لم يكن العم صابر مجرد بقال؛ بل كان شاهدًا عابرًا لتاريخ الحارة وأبنائها، يحمل في ذاكرته قصصًا وحكايات تعكس تطورات الزمن.

كانت بقالته بمثابة ملتقى للناس، حيث يجتمعون ليس فقط لشراء حاجياتهم، بل لتبادل الحكايات والنقاشات التي تُعبر عن آمالهم وأحلامهم ومخاوفهم. كُنت أشعر وكأن كل حديث في تلك البقالة يُسجل في صفحات ذاكرة العم صابر، الرجل الذي عرف محسن منذ صغره، وكان يراقب كيف تغير هذا الفتى الذي كان يعرفه من قبل.

"لقد كان محسن شابًا مليئًا بالحيوية والأمل،" قال العم صابر في نفسه، مسترجعًا ذكرياته. "لكن مع مرور الزمن، وعندما عاد من الحرب، كان قد تغير بشكل جذري. كنت أرى كيف تتشكل أفكاره، وكيف انتقلت من الرغبة في البناء إلى نية الهدم."

تحت ضوء البقالة الخافت، ارتسمت على وجه العم صابر ملامح الحزن والأسى. "الأيام تغيرت، يا فهد، وللأسف، الكثير من شبابنا انحرفوا عن المسار الصحيح. كانوا يحملون آمالهم في صدورهم، ثم جاءت تلك الأفكار المتطرفة، فتسربت إلى عقولهم، وكأنها سحابة داكنة تغطي سماء أحلامهم."

استمر في استعادة ذكرياته عن محسن، عارفًا أن القصة لم تنتهِ بعد.



 

في مساء هادئ، كما اعتدنا في حارتنا القديمة، دخلت بقالة العم صابر. تلك البقالة الصغيرة كانت شاهدة على الكثير من التحولات والقصص، سواء كانت بسيطة أو مؤثرة. العم صابر يجلس في مكانه المعتاد خلف الطاولة الخشبية، محاطًا بعلب البسكويت والمعلبات، كأنه جالس وسط ذاكرة الزمن نفسه. كانت النظارة الكبيرة فوق أنفه تتدلى قليلاً، فيما كان يقرأ في كتاب قديم. بمجرد أن رآني، ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة.

 

جلست أمامه وسألته مازحًا: "يا عم صابر، هل لازلت تنتظر مهديك الشخصي ليرتب فوضى حارتنا؟"

 

ضحك العم صابر ضحكته العميقة التي طالما كنت أسمعها منذ صغري، وقال: "يا فهد، نحن في هذه الحارة لم ننتظر المهدي فقط، بل انتظرنا كل شيء... ولعل هذا كان سبب مشكلتنا."

 

خرجت من البقالة في تلك الليلة، وقد شعرت أنني خرجت من حقبة زمنية أخرى، ليست تلك التي أعرفها، بل تلك التي عاشها العم صابر، وحكيت لي منها أجزاء بسيطة.

 

 في ليلة هادئة، وقفت أمام الكاميرا في الاستوديو، وسط الأضواء الساطعة، أستعد لتقديم برنامجي التلفزيوني الذي يتناول قصص الحارة وأهلها. كان المكان يعج بالذكريات، وكنت أشعر بوجود العم صابر في كل زاوية. كلماته الأخيرة ما زالت تدوي في أذني: "لقد سلمتك يا فهد حارتنا. لا تتركها عُرضةً لكل من هب ودب. حافظ عليها، فهي وطنك. سيأتي يوم وتشرق الشمس لتمحو العتمة."

بدأت الحلقة بكلمات تحمل في طياتها عبق الذكريات. "أصدقائي، اليوم أريد أن أشارككم قصة حارتنا، تلك التي عاشت فيها شخصيات تركت بصماتها على كل واحد منا. لنبدأ بقصة محسن، ذلك الشاب الذي قادته حماسته إلى الفلوجة، حيث لقي حتفه هناك. كان متطرفا لا يقبل برأي الآخر , و يحتفي بمعارك وهمية، لكننا في ذات الوقت نعلم أن البطولة ليست مجرد شجاعة، بل هي أيضًا الحكمة في اتخاذ القرارات."

تذكرت كيف كان محسن يحمل لقب "أبو حذيفة"، وكيف أصبح ضحية و لقمة سائغة ،كان بطلا يقاتل طواحين الهواء كان ينقصه من الوعي الكثير.

"وفي ذات الوقت، كان هناك فيصل، شقيق محسن، الذي اختار طريق المناصحة. بعد عودته من الولايات المتحدة، كان يجوب حارتنا يتحدث عن أهمية الحوار وفهم الآخر. هو تجسيد لفكرة أن التغيير يمكن أن يحدث من خلال الفهم، وليس من خلال العنف."

ثم تذكرت أم سعاد، التي تحولت إلى أم حمد. "أم سعاد، التي كانت مثالًا للتحدي والقوة، لكنها اختارت أن تبتعد عن حياتها السابقة. لم تكن ضحية فحسب، بل كانت أيضًا من تبحث عن هويتها وسط هذه التغيرات."

و لمحت إلى مساعد المطوع، الذي أصبح داعية معروفًا على شاشات التلفاز، يتكسب من وراء إثارة الجماهير بكلمات متفجرة. كانت طريقته في جذب الانتباه تثير قلقًا عميقًا في نفسي. كيف تحول ذلك الرجل، الذي كان يُعرف بالعنف، إلى شخصية تُقدَّم كمرشد ديني، بينما لا يزال يحمل في طياته ذكريات من ماضيه المظلم؟

تذكرت أيضًا سالم، الشاب الذي انزلق إلى صفوف داعش، مُفََرِّطًا في تاريخ أبيه الذي كان شهيدًا، حيث انتهى به المطاف في أتون الحرب في سوريا، مقطوع النسل، كأني بشجرة نزعت من جذورها. كان سالم يمثل أملًا يُحطَّم بسبب أفكار متطرفة زرعت في ذهنه، وبدا وكأنه ضحى بكل ما يملكه من ماضيه.

أما عبدالله، الطبيب الذي كان يُعدّ فخرًا للحارة، فقد أدرك مغبّة فعله عندما اقترب من جماعة جهيمان. تراجع في اللحظات الأخيرة، لكن تلك اللحظات كانت كفيلة بتغيير حياته إلى الأبد. كان يشعر بالندم وهو يتذكر كيف كان يُمكن أن يصبح جزءًا من الفوضى التي اجتاحت الوطن، ويعيش مع تلك الآثار النفسية.


وجهت الكاميرا نحو الرفوف المليئة بالمنتجات، كما لو كنت أحاول أن أستحضر العم صابر في تلك اللحظة. "لقد كان العم صابر شاهدًا على كل هذه القصص. كان صوت الحكمة في مجتمعنا، ورغم رحيله، لا تزال كلماته معنا. نحن هنا لنحافظ على ذاكرتنا، على قصصنا، وعلى تراثنا."

أخذت نفسًا عميقًا، وأضأت ابتسامة مشبعة بالأمل. "اليوم، أتعهد أمامكم جميعًا، أنني سأحافظ على حارتنا، على قصصها، على أحلام أهلها. إننا نحن من نكتب فصول القصة، وسنظل نكتب حتى تشرق الشمس مرة أخرى."

نظرت إلى الكاميرا، وكأنني أتحدث إلى العم صابر، إلى محسن، إلى فيصل، إلى أم سعاد، وإلى كل من عاش في هذه الحارة. "ستظل حارتنا رمزًا للأمل، وستظل شمس الغد تشرق مهما طال الليل."

 

 

النهاية 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...