بلدة بيتون
بقلم:
غرايس متاليوس
✦ **نبذة عن الكاتبة:**
**غرايس متاليوس (Grace Metalious)**
📚 **(1924 – 1964)**
كاتبة أمريكية، اشتهرت بجرأتها في فضح التناقضات الاجتماعية والأخلاقية في المجتمعات الصغيرة في أمريكا الخمسينات.
🖋️ أبرز أعمالها:
**رواية "Peyton Place"**، الصادرة عام 1956، كانت الحدث الذي فجّر شهرتها. الرواية قوبلت بصدمة عامة في أمريكا بسبب تناولها الصريح لقضايا مسكوت عنها مثل الجنس، الزنا، الاغتصاب، النفاق الديني، والتمييز الطبقي.
📖 **"Peyton Place"** بلدة بيتون لم تكن مجرد رواية فضائحية، بل كانت تشريحًا حادًا ومؤلمًا للنفاق الاجتماعي والازدواجية الأخلاقية في بلد تُفاخر بالحشمة بينما يخبّئ عفنًا تحت عباءته.
تحولت الرواية إلى فيلم عام 1957 ومسلسل شهير في الستينات، ويُعتبر العمل من أولى الروايات التي فتحت الباب للأدب "النسوي الصادم" قبل موجة الستينات.
🪦 غرايس توفيت في عمر مبكر (40 عامًا) بعد صراع مع الإدمان ومشاكل صحية، ولم تنجُ حياتها الشخصية من آثار الشهرة المفاجئة. لكن صوتها بقي يتردد في آذان من قرأوا بعمق ما وراء "فضيحة بيتون بليس".
---
✦ أسلوبها:
أسلوبها خليط بين الواقعية الاجتماعية والدراما النفسية، بألفاظ مباشرة لا تخشى كشف المستور، ولهذا لُقبت بـ **"الكاتبة التي كسرت جدار الصمت في الضواحي الأمريكية"**.
الفصل الأول
الصيف الهندي يشبه امرأة ناضجة، ساخنة بالعاطفة، لكنها متقلبة؛ تأتي وتذهب كما تشاء، حتى لا يدري المرء أبدًا إن كانت ستأتي أصلًا، أو كم ستبقى إن جاءت.في شمال نيو إنغلاند،
يمد الصيف الهندي يدًا مخضبةً بالقرمزي ليوقف الشتاء قليلًا.
يجيء حاملًا معه تلك الدفء الأخير، موسمٌ لا خرائط له،
يعيش برهة حتى يزحف الشتاء بعظامه المتجمدة،
وعُدَّته من الأشجار العارية والأرض المتصلبة صقيعًا.
الذين شاخت أعمارهم، ونزف شبابهم على أيدي رياح الشتاء الحادة كالسكاكين، يعلمون ــ بأسى ــ أن الصيف الهندي ليس إلا وهماً،عليهم أن يواجهوه بعينٍ شاخصة، لا تعرف الأمل.
لكنّ الشباب...ينتظرونه بلهفة،يرفعون أنظارهم نحو سماوات الخريف الباردة،يبحثون عن إشارة لمقدمه.
وأحيانًا،رغم كل ما تمليه الحكمة،ينضم الشيوخ إلى الشباب،
وعيونهم الشتوية المتعبة تحدّق في العُلى،ترجو أولى لمحات هذا التليّن الكاذب.
وفي عامٍ ما، أوائل أكتوبر،جاء الصيف الهندي إلى بلدة تُدعى بيتون بليس.
جاء مثل امرأة ضاحكة... فاتنة،وانتشر على ربوع الريف،فجعل كل شيءٍ...مؤلم الجمال.
يمد الصيف الهندي يدًا مخضبةً بالقرمزي ليوقف الشتاء قليلًا.
يجيء حاملًا معه تلك الدفء الأخير، موسمٌ لا خرائط له،
يعيش برهة حتى يزحف الشتاء بعظامه المتجمدة،
وعُدَّته من الأشجار العارية والأرض المتصلبة صقيعًا.
الذين شاخت أعمارهم، ونزف شبابهم على أيدي رياح الشتاء الحادة كالسكاكين، يعلمون ــ بأسى ــ أن الصيف الهندي ليس إلا وهماً،عليهم أن يواجهوه بعينٍ شاخصة، لا تعرف الأمل.
لكنّ الشباب...ينتظرونه بلهفة،يرفعون أنظارهم نحو سماوات الخريف الباردة،يبحثون عن إشارة لمقدمه.
وأحيانًا،رغم كل ما تمليه الحكمة،ينضم الشيوخ إلى الشباب،
وعيونهم الشتوية المتعبة تحدّق في العُلى،ترجو أولى لمحات هذا التليّن الكاذب.
وفي عامٍ ما، أوائل أكتوبر،جاء الصيف الهندي إلى بلدة تُدعى بيتون بليس.
جاء مثل امرأة ضاحكة... فاتنة،وانتشر على ربوع الريف،فجعل كل شيءٍ...مؤلم الجمال.
السماء كانت واطئة، بلون أزرق صافٍ لا يعكّره شيء. أشجار القيقب والبلوط والدردار، بكل ما فيها من حمرة قاتمة وبُنّي وأصفر، كانت تتباهى تحت ضوء شمس الصيف الهندي، ذلك الضوء الحارّ في غير أوانه. أما الصنوبريات، فكانت تنتصب على التلال المحيطة بـ"بيتون بليس" كأنها شيوخ عابسون، تبثّ نورًا ضبابيًا أخضر مائل إلى الصفرة.
على طرق البلدة وأرصفتها، تكدّست الأوراق المتساقطة، تُصدر طنينًا بهيجًا حين تُداس، وتفوح منها رائحة عذبة عند سحقها، حتى ليخيل للمرء أن الموت والتعفن لا يردان إلا على خاطر الشيوخ، وحدهم من يمشون فوقها ويفكر بالفناء. أما البلدة نفسها، فكانت ممدة في سكون تحت شمس الصيف الهندي.
**في شارع إلم، الشريان الرئيس للبلدة، لم يتحرك شيء. التجّار الذين أسدلوا ستائر القماش السميكة لحماية واجهات متاجرهم من وهج الشمس، لم يجزعوا من قلة الزبائن؛ بل تقبّلوها برضا من اعتاد تقلب الأيام، وارتدوا إلى الغرف الخلفية من متاجرهم، حيث تعاقبوا بين النعاس، وإلقاء نظرات متقطعة على صحيفة *بيتون بليس تايمز*، والإنصات إلى بثّ مباراة بيسبول.**
**وإلى الشرق من شارع إلم، وبعد ست كتل من الحوانيت التي تشكّل قلب البلدة التجاري، كان ينتصب برج كنيسة الطائفة التوحيدية، يخرق رؤوس الأشجار بوركه الأبيض الحادّ، ويلمع لافتًا وسط زرقة السماء. وعلى الطرف الآخر من الحيّ التجاري، ارتفعت قمةٌ أخرى لكنيسة مختلفة. كانت هذه كنيسة القديس يوسف الكاثوليكية، وسقفها المعقود يعلوه صليب من ذهب، يلمع ببهاء يفوق نظيره البروتستانتي بكثير.**
**في شارع إلم، الشريان الرئيس للبلدة، لم يتحرك شيء. التجّار الذين أسدلوا ستائر القماش السميكة لحماية واجهات متاجرهم من وهج الشمس، لم يجزعوا من قلة الزبائن؛ بل تقبّلوها برضا من اعتاد تقلب الأيام، وارتدوا إلى الغرف الخلفية من متاجرهم، حيث تعاقبوا بين النعاس، وإلقاء نظرات متقطعة على صحيفة *بيتون بليس تايمز*، والإنصات إلى بثّ مباراة بيسبول.**
**وإلى الشرق من شارع إلم، وبعد ست كتل من الحوانيت التي تشكّل قلب البلدة التجاري، كان ينتصب برج كنيسة الطائفة التوحيدية، يخرق رؤوس الأشجار بوركه الأبيض الحادّ، ويلمع لافتًا وسط زرقة السماء. وعلى الطرف الآخر من الحيّ التجاري، ارتفعت قمةٌ أخرى لكنيسة مختلفة. كانت هذه كنيسة القديس يوسف الكاثوليكية، وسقفها المعقود يعلوه صليب من ذهب، يلمع ببهاء يفوق نظيره البروتستانتي بكثير.**
كان "سيث بوزويل"، مالك صحيفة *بيتون بليس تايمز* ومحررها، قد كتب ذات مرة، بشيء من الشاعرية، أن الكنيستين تمسكان بالبلدة كما تفعل دعامتا كتبٍ ضخمتان، تحفظانها في مكانها. غير أن هذا التشبيه أثار سلسلة من الانفجارات الصغيرة في نفوس السكان. فقلةٌ من الكاثوليك في البلدة كانت لترضى بالاقتران البروتستانتي، وكذلك رفض جماعة التوحيد أن يُقرنوا بمن سموهم "الوثنيين الرومانيين". وإن كُتب لخيال أن يبتكر دعائم كتب تحيط بـ"بيتون بليس"، فلا بد أن تكون من طائفة واحدة لا تقبل القسمة.
ضحك سيث طويلاً من تلك السجالات التي اجتاحت البلدة طيلة الأسبوع، وفي عدد صحيفته التالي، أعاد تصنيف الكنيستين لا كدعامتي كتب، بل كجبلين شامخين يحرسان وادي الأعمال الهادئ. قرأ الكاثوليك والبروتستانت هذا المقال الثاني بحذر، باحثين عن نبرة تهكمٍ أو تلميح ساخر. لكن في النهاية، تقبّله الجميع كما هو، حرفيًا، وواصل سيث ضحكه، أشد من ذي قبل.
قال الدكتور ماثيو سواين، صديق سيث الحميم ورفيق دربه القديم، وهو يزفر بامتعاض:
"جبال، ها؟ أقرب ما تكون إلى بركانين ملعونين."
فأضاف سيث، وهو لا يزال يهتز ضاحكًا بينما يصبّ كأسين آخرين:
"كلاهما ينفث نارًا وكبريتًا."
لكن الطبيب لم يشاركه الضحك. فقد كان يردد دومًا، بغضب لا يخلو من مرارة، أن هناك ثلاثة أشياء يكرهها في هذا العالم: الموت، والأمراض التناسلية، والدين المنظم.
ثم يضيف دومًا بلهجة تقريرية:
"بهذا الترتيب. والحكاية، مهما بلغت طرافتها، التي تقدر أن تجعلني أضحك على أحد هذه الثلاثة، لم تُكتب بعد."
غير أن سيث، في ظهيرة هذا اليوم الحار من تشرين الأول، لم يكن يفكر لا في الأديان المتناحرة ولا في أي شيء بعينه. كان جالسًا وراء مكتبه، خلف الزجاج العريض في طابقه الأرضي المطل على الشارع، يحتسي مشروبًا باردًا، وينصت بلا اهتمام لمجريات مباراة البيسبول.
أمام دار المحكمة، ذلك المبنى الحجري الأبيض ذو القبة المغطاة بطبقة خضراء من صدأ النحاس، كان يجلس بعض العجائز مستندين إلى المقاعد الخشبية التي لا يخلو منها مبنى بلدية في بلدة أمريكية صغيرة. أسند الرجال ظهورهم إلى جدار المحكمة الدافئ، وظللوا عيونهم المنطفئة بقبعات من اللباد المهترئ، وتركوا لشمس الصيف الهندي أن تدفّئ عظامهم الباردة المتعبة. كانوا ساكنين كأشجار الدردار التي سُمّيت الشارع باسمها.
وتحت ظلال تلك الأشجار، بدت الأرصفة المغطاة بالقار الأسود، التي تمزقت في مواضع عدة بفعل الجذور العتيقة، مهجورة.
وعلى الجانب المقابل، في واجهة بنك المواطنين الوطني المصنوع من الآجر الأحمر، دقّ جرس الساعة المثبتة في جدار المبنى دفعة واحدة.كانت الساعة تشير إلى الثانية والنصف من بعد ظهر يوم جمعة.
الفصل الثاني
كان شارع **مابل**، الذي يقطع **إلم ستريت** في منتصف الحي التجاري، جادة عريضة تصطف الأشجار على جانبيها، تمتد من أقصى شمال البلدة إلى أقصى جنوبها.
وفي نهايته الجنوبية، حيث ينتهي الرصيف ويبدأ حقل مهجور، تقف مدارس **بيتون بليس**.
نحو تلك الأبنية، كان **كيني ستيرنز**، عامل الصيانة في البلدة، يشقّ طريقه بخطى وئيدة.
فتح الرجال أمام دار المحكمة أعينهم النعسانة يتابعونه.
قال أحدهم، دون حاجة للتوضيح:
— "ها هو كيني ستيرنز."
فالجميع قد رآه، والجميع يعرفه.
قال آخر:
— "ثملٌ كالقاضي، في هذه اللحظة."
— "ولكن ذلك لن يدوم طويلاً."
ضحك الرجال.
قال شيخ يُدعى **كلايتون فريزر**، وقد عُرف بعادته في مخالفة الجميع مهما كان الرأي:
— "ومع ذلك، كيني رجل بارع في عمله."
ردّ عليه أحدهم بسخرية:
— "حين لا يكون مخمورًا أكثر من اللازم."
قال كلايتون، بجدّية:
— "ما عرفته يومًا ضيّع عمله بسبب الشراب. لا أحد في بيتون بليس يزرع وينبت كما يفعل كيني. لديه ما يسمونه إصبعًا أخضر."
ضحك رجل بصوت خافت وقال:
— "ليته كان محظوظًا مع زوجته كما هو مع النباتات. ربما كان الأفضل له أن يكون ذا... عضوٍ أخضر كذلك."
فانفجرت ضحكات خفيفة، وابتسم البعض بتقديرٍ للفكاهة الجارحة.
قال كلايتون، دون أن يبتسم:
— "زوجته **جيني ستيرنز** عاهرة ومنحطة. وما بيد الرجل حيلة إن كان قد اقترن بعاهرةٍ بالفطرة."
ردّ الرجل الأول، مغمغمًا:
— "إلا أن يشرب."
وهكذا بدا أن موضوع كيني ستيرنز قد استُهلك، فخيم الصمت لحظة.
ثم قال أحد العجائز:
— "إنه يومٌ أشدّ حرًا من تموز. أقسم أن عرقي يلهب ظهري."
ردّ كلايتون، وهو يدفع بقبعته إلى الخلف وينظر إلى السماء:
— "لن يدوم. رأيت الطقس ينقلب إلى بردٍ قارس، وتبدأ الثلوج بالتساقط، بعد أقل من اثنتي عشرة ساعة على نهارٍ كهذا."
قال آخر:
— "ليس طقسًا صحيًا على أية حال. يوم كهذا يجعل المرء يفكّر في ملابس الصيف مجددًا."
— "سواء كان صحيًا أم لا، ما كنت لأشتكي لو استمرّ هذا الطقس حتى يونيو المقبل."
قال كلايتون فريزر مجددًا، بنبرة قاطعة:
— "لن يدوم."
وللمرة الأولى، لم يجادله أحد.
بل أجمع الرجال:
— "نعم... لن يدوم."
ثم تابعوا أنظارهم في **كيني ستيرنز** وهو ينعطف إلى شارع **مابل** حتى اختفى عن أنظارهم.
كانت مدارس **بيتون بليس** تواجه بعضها البعض من جانبي الشارع.
المدرسة الابتدائية كانت مبنى خشبيًا ضخمًا، عتيقًا، قبيحًا، بل وخطيرًا، أما المدرسة الثانوية فكانت فخر البلدة.
مبنى من الطوب الأحمر، نوافذه الكبيرة تكاد تشكل جدرانه كاملة، وله طابعٌ صارم وعصري يجعله أشبه بمستشفى صغير مُحكم الإدارة أكثر من كونه مدرسة.
أما الابتدائية، فكانت مزيجًا بائسًا من العمارة الفيكتورية في أسوأ حالاتها، قبحها زادته سلالم النجاة الحديدية التي تزيّنت بها جوانبها، والبرج المدبّب المفتوح الذي يعلو السطح.
جرس المدرسة الابتدائية يُقرَع عبر حبلٍ سميك أصفر اللون، يهبط من البرج مارًا عبر سقف وطابق المبنى العلوي، وينتهي متدلّيًا في ركنٍ من ردهة الطابق الأرضي، كإغواءٍ دائمٍ لليد الصغيرة العابثة.
كان ذلك الجرس حبّ **كيني ستيرنز** السري.
يحرص على تلميعه حتى يلمع في شمس أكتوبر كأنه قطعة من القصدير العتيق.
وحين اقترب من المبنى، رفع رأسه إلى البرج، وأومأ برضا.
وقال بصوت عالٍ، كأنه يخاطب عشيقته:
— "حتى أجراس الجنة لا تملك ألسنة أعذب من لسانكِ."
كان كيني كثيرًا ما يُحادث جرسه بصوتٍ مسموع.
وكان يحدّث مباني المدرسة أيضًا، والنباتات والمروج التي يعتني بها في أرجاء البلدة.
ومن نوافذ المدرستين، التي فُتحت للنسيم الدافئ في تلك الظهيرة الخريفية، تسلّل همسٌ خافت، ورائحة مبشور أقلام الرصاص.
قال كيني، بصوت نصف متمتم:
— "ما كان ينبغي أن تُقام الحصص في يوم كهذا."
كان واقفًا عند الشجيرات المنخفضة التي تفصل المدرسة الابتدائية عن أول بيت في شارع مابل.
وراحت رائحةٌ دافئة خضراء، مزيجٌ من الحشيش والاسيجة التي قصّها صباحًا، تصعد من حوله كأنها بخور الأرض.
قال مجددًا، وقد هزّ كتفيه بنفاد صبر:
— "هذا ليس يومًا للتعليم."
لم يكن غاضبًا من عجزه عن التعبير، بل كان مشوشًا أمام عاطفة غريبة نبتت فيه فجأة.
لقد راوده شعور بالرغبة في أن يُلقي بجسده على الأرض، وجهه إلى التراب، ويدفن نفسه في شيء أخضر، شيء حي.
قال، مخاطبًا الأبنية الهادئة حوله، بنبرة عناد:
— "هذا يوم لا يليق فيه التعليم... أبدًا."
لفت نظره غصن صغير قد ارتفع فوق بقية الشجيرات، مشوهًا انتظامها الأنيق.
انحنى ليقصه بأصابعه، وبدا عليه نوعٌ من الحنان الحادّ يتشكّل في داخله.
وفي نهايته الجنوبية، حيث ينتهي الرصيف ويبدأ حقل مهجور، تقف مدارس **بيتون بليس**.
نحو تلك الأبنية، كان **كيني ستيرنز**، عامل الصيانة في البلدة، يشقّ طريقه بخطى وئيدة.
فتح الرجال أمام دار المحكمة أعينهم النعسانة يتابعونه.
قال أحدهم، دون حاجة للتوضيح:
— "ها هو كيني ستيرنز."
فالجميع قد رآه، والجميع يعرفه.
قال آخر:
— "ثملٌ كالقاضي، في هذه اللحظة."
— "ولكن ذلك لن يدوم طويلاً."
ضحك الرجال.
قال شيخ يُدعى **كلايتون فريزر**، وقد عُرف بعادته في مخالفة الجميع مهما كان الرأي:
— "ومع ذلك، كيني رجل بارع في عمله."
ردّ عليه أحدهم بسخرية:
— "حين لا يكون مخمورًا أكثر من اللازم."
قال كلايتون، بجدّية:
— "ما عرفته يومًا ضيّع عمله بسبب الشراب. لا أحد في بيتون بليس يزرع وينبت كما يفعل كيني. لديه ما يسمونه إصبعًا أخضر."
ضحك رجل بصوت خافت وقال:
— "ليته كان محظوظًا مع زوجته كما هو مع النباتات. ربما كان الأفضل له أن يكون ذا... عضوٍ أخضر كذلك."
فانفجرت ضحكات خفيفة، وابتسم البعض بتقديرٍ للفكاهة الجارحة.
قال كلايتون، دون أن يبتسم:
— "زوجته **جيني ستيرنز** عاهرة ومنحطة. وما بيد الرجل حيلة إن كان قد اقترن بعاهرةٍ بالفطرة."
ردّ الرجل الأول، مغمغمًا:
— "إلا أن يشرب."
وهكذا بدا أن موضوع كيني ستيرنز قد استُهلك، فخيم الصمت لحظة.
ثم قال أحد العجائز:
— "إنه يومٌ أشدّ حرًا من تموز. أقسم أن عرقي يلهب ظهري."
ردّ كلايتون، وهو يدفع بقبعته إلى الخلف وينظر إلى السماء:
— "لن يدوم. رأيت الطقس ينقلب إلى بردٍ قارس، وتبدأ الثلوج بالتساقط، بعد أقل من اثنتي عشرة ساعة على نهارٍ كهذا."
قال آخر:
— "ليس طقسًا صحيًا على أية حال. يوم كهذا يجعل المرء يفكّر في ملابس الصيف مجددًا."
— "سواء كان صحيًا أم لا، ما كنت لأشتكي لو استمرّ هذا الطقس حتى يونيو المقبل."
قال كلايتون فريزر مجددًا، بنبرة قاطعة:
— "لن يدوم."
وللمرة الأولى، لم يجادله أحد.
بل أجمع الرجال:
— "نعم... لن يدوم."
ثم تابعوا أنظارهم في **كيني ستيرنز** وهو ينعطف إلى شارع **مابل** حتى اختفى عن أنظارهم.
كانت مدارس **بيتون بليس** تواجه بعضها البعض من جانبي الشارع.
المدرسة الابتدائية كانت مبنى خشبيًا ضخمًا، عتيقًا، قبيحًا، بل وخطيرًا، أما المدرسة الثانوية فكانت فخر البلدة.
مبنى من الطوب الأحمر، نوافذه الكبيرة تكاد تشكل جدرانه كاملة، وله طابعٌ صارم وعصري يجعله أشبه بمستشفى صغير مُحكم الإدارة أكثر من كونه مدرسة.
أما الابتدائية، فكانت مزيجًا بائسًا من العمارة الفيكتورية في أسوأ حالاتها، قبحها زادته سلالم النجاة الحديدية التي تزيّنت بها جوانبها، والبرج المدبّب المفتوح الذي يعلو السطح.
جرس المدرسة الابتدائية يُقرَع عبر حبلٍ سميك أصفر اللون، يهبط من البرج مارًا عبر سقف وطابق المبنى العلوي، وينتهي متدلّيًا في ركنٍ من ردهة الطابق الأرضي، كإغواءٍ دائمٍ لليد الصغيرة العابثة.
كان ذلك الجرس حبّ **كيني ستيرنز** السري.
يحرص على تلميعه حتى يلمع في شمس أكتوبر كأنه قطعة من القصدير العتيق.
وحين اقترب من المبنى، رفع رأسه إلى البرج، وأومأ برضا.
وقال بصوت عالٍ، كأنه يخاطب عشيقته:
— "حتى أجراس الجنة لا تملك ألسنة أعذب من لسانكِ."
كان كيني كثيرًا ما يُحادث جرسه بصوتٍ مسموع.
وكان يحدّث مباني المدرسة أيضًا، والنباتات والمروج التي يعتني بها في أرجاء البلدة.
ومن نوافذ المدرستين، التي فُتحت للنسيم الدافئ في تلك الظهيرة الخريفية، تسلّل همسٌ خافت، ورائحة مبشور أقلام الرصاص.
قال كيني، بصوت نصف متمتم:
— "ما كان ينبغي أن تُقام الحصص في يوم كهذا."
كان واقفًا عند الشجيرات المنخفضة التي تفصل المدرسة الابتدائية عن أول بيت في شارع مابل.
وراحت رائحةٌ دافئة خضراء، مزيجٌ من الحشيش والاسيجة التي قصّها صباحًا، تصعد من حوله كأنها بخور الأرض.
قال مجددًا، وقد هزّ كتفيه بنفاد صبر:
— "هذا ليس يومًا للتعليم."
لم يكن غاضبًا من عجزه عن التعبير، بل كان مشوشًا أمام عاطفة غريبة نبتت فيه فجأة.
لقد راوده شعور بالرغبة في أن يُلقي بجسده على الأرض، وجهه إلى التراب، ويدفن نفسه في شيء أخضر، شيء حي.
قال، مخاطبًا الأبنية الهادئة حوله، بنبرة عناد:
— "هذا يوم لا يليق فيه التعليم... أبدًا."
لفت نظره غصن صغير قد ارتفع فوق بقية الشجيرات، مشوهًا انتظامها الأنيق.
انحنى ليقصه بأصابعه، وبدا عليه نوعٌ من الحنان الحادّ يتشكّل في داخله.
لكن فجأة انتابته نوبة من الوحشية، فمدّ يده واقتلع قبضةً من الأوراق الخضراء الصغيرة، وسحقها بين كفيه حتى شعر برطوبتها تستسلم تحت جلده، بينما كانت عاصفة داخلية من الشهوة والاختناق تضغط صدره، وأنفاسه تتقطع.
منذ زمن بعيد، قبل أن يُقنع نفسه بأن لا يكترث، كان قد شعر بالإحساس ذاته تجاه زوجته **جيني**.
ذاك الحنان الرقيق الذي كان لا يلبث أن يُغمر بشوقٍ طاغٍ إلى التملك... إلى الفتك العاشق، إلى الاستحواذ بالقوة وحدها.
فجأة، أفلت كيني قبضة الأوراق المهشّمة، ومسح يده بخشونة على جانب بذلته الخشنة.
قال بتنهيدة يائسة:
— "أتمنى لو أن لي جرعة من الخمر... بحق المسيح، أحتاج إلى شراب."
ثم تحرك نحو البابين الأماميين المزدوجين للمدرسة الابتدائية.
كانت الساعة تشير إلى الثانية وخمسٍ وخمسين دقيقة، حان وقت الوقوف عند الحبل الموصل إلى الجرس.
— "والله أتمنى شربة خمر... ولا أطلب أكثر من ذلك"، قالها كيني وهو يخطو على السلالم الخشبية للمدرسة.
كلمات كيني، وقد وجهها إلى جرسه وبصوتٍ مرتفعٍ مجلجل، تسللت بسهولة من خلال نوافذ الصف الثامن، حيث كانت الآنسة **إلسي ثورنتون** تدير حصتها الدراسية.
ضحك بعض الفتيان، وابتسمت بعض الفتيات، لكن المرح لم يطل.
فالسيدة ثورنتون كانت تؤمن إيمانًا صارمًا بمبدأ أن منحت الطفل شبرًا، سيأخذ ميلًا كاملًا، ولذا، رغم أنها كانت متعبة في ظهيرة الجمعة، أعادت النظام إلى صفها بسرعة وحزم.
سألت بصرامة:
— "هل يرغب أحدكم أن يقضي نصف ساعة بعد انتهاء الدوام برفقتي؟"
ساد الصمت بين التلاميذ الذين تتراوح أعمارهم بين الثانية عشرة والرابعة عشرة،
لكن ما إن دوّى أول صوت من جرس كيني حتى بدأ التلاميذ يُحدثون خشخشة بأقدامهم على الأرض.
ضربت الآنسة ثورنتون المسطرة على الطاولة بقوة.
— "ستظلون هادئين حتى آذن لكم بالخروج. هل نظّفتم مكاتبكم؟"
— "نعم، آنسة ثورنتون."
جاء الجواب ككورالٍ فوضوي غير منسجم.
— "يمكنكم الوقوف."
تحركت اثنتان وأربعون قدمًا، فصفّت نفسها بين الممرات.
انتظرت المعلمة حتى اعتدل الجميع، واستقامت ظهروهم، وتوجهت النظرات إلى الأمام، وخفّت الضوضاء.
ثم قالت، بنبرة معتادة، لكنها لم تخلُ من توجّس:
— "انصرفوا."
وكما هو الحال دائمًا، ما إن نطقت الكلمة، حتى شعرت برغبة غريبة في أن تنحني وتحمي رأسها بذراعيها.
خلال خمس ثوانٍ، كانت القاعة فارغة، وتنهدت الآنسة ثورنتون بارتياح.
كان جرس كيني ما يزال يرنّ بفرح واضح، فتذكرت بابتسامةٍ ساخرة أن كيني دائمًا ما يقرع جرس الثالثة بنشوةٍ استثنائية،
بينما يرنّ الجرس نفسه عند الثامنة والنصف صباحًا بنبرة جنائزية كئيبة.
**"لو كنت أظن أن الأمر سيحلّ شيئًا..."**
قالتها الآنسة **ثورنتون** في سرّها، وهي تبذل جهدًا حازمًا لتخفيف التوتر بين كتفيها،
**"لكنت أنا أيضًا تمنيّت، بحقّ المسيح، لو كانت معي جرعة من الخمر."**
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم نهضت وتقدّمت نحو إحدى النوافذ لتُراقب الأطفال يغادرون ساحة المدرسة.
في الخارج، بدأ الجمع يتفرق إلى مجموعات صغيرة وأزواج، ولاحظت الآنسة ثورنتون طفلةً واحدةً تسير وحدها.
كانت **أليسون ماكنزي**، التي ما إن بلغت الرصيف حتى افترقت عن الزحام، وسارت مسرعة وحدها في شارع **مابل**.
**"طفلة غريبة..."** فكّرت المعلمة، وهي تتابع ظهر أليسون يبتعد.
طفلة تغشاها نوبات حزن غير مألوفة في عمرٍ صغير كهذا.
كان من الغريب أيضًا أنها لم تحظَ بصديق واحد في المدرسة كلها، باستثناء **سيلينا كروس**.
كانتا ثنائيًا غريبًا، تلك الفتاتان:
سيلينا بجمالها الغجري الداكن، وعينيها اللتين تجاوزتا الزمن رغم سنواتها الثلاث عشرة،
وأليسون ماكنزي، الممتلئة قليلًا ببقايا الطفولة، وعيناها متسعتان، بريئتان ومتسائلتان، تعلوان فمًا هشًا متألمًا.
**"ابحثي لكِ عن قوقعة، يا صغيرتي أليسون،"** فكّرت الآنسة ثورنتون في نفسها.
**"قوقعة لا تشوبها شقوق أو ضعف، لتحتمي بها من سِهام الحظ العاثر وضرباته. يا إلهي، ما أشدّ تعبي!"**
اندفع **رودني هارينغتون** خارج المدرسة كقذيفة، دون أن يُبطئ خطواته رغم أن **نورمان بيج** الصغير كان يقف في طريقه مباشرة.
**"وغد صغير، لعين،"** فكّرت الآنسة ثورنتون بحنق مكبوت.
كانت تكره رودني هارينغتون من أعماقها، ومع ذلك فقد كان من الفضل في مهنيتها كمعلمة، أن أحدًا، وخصوصًا رودني نفسه، لم يشتبه بذلك.
كان فتى ضخم الجثة بالنسبة لسنّه، في الرابعة عشرة، ذو شعر أسود مجعّد وفم غليظ الشفتين.
وقد سمعت بعض فتيات الصف الثامن، من الأكثر وعيًا، يصفنه بـ"الرائع"، وهو وصف لم تشاركه الآنسة ثورنتون إطلاقًا.
كانت لتجد في صفعه الصارم متعة لا تُقدّر بثمن.
في أرشيفها الذهني الواسع لتلاميذ المدرسة، كان رودني مصنّفًا تحت بند: **"مثير متعب للشغب."**
**"هو أكبر من سنّه... وواثقٌ بنفسه حدّ الغرور، مستندًا إلى مال والده ومكانته. سيأتيه يومه، لا محالة."**
عضّت الآنسة ثورنتون على باطن شفتها، وخاطبت نفسها بحزم:
**"إنه لا يزال طفلًا. قد يخرج منه إنسان جيد."**
لكنها كانت تعرف **ليزلي هارينغتون**، والد رودني، ولهذا شكّت في صحة كلامها.
**نورمان بيج** الصغير سقط أرضًا بفعل اندفاع رودني، وتمدّد على الأرض باكيًا، دون أن يتحرك، إلى أن جاء **تيد كارتر** وساعده على الوقوف.
**نورمان بيج الصغير...**
كم هو غريب، فكّرت الآنسة ثورنتون، لم أسمع أحدًا من الكبار يذكر اسمه دون ذاك اللقب "الصغير".
كأنه أصبح جزءًا من اسمه.
كان نورمان، كما رصدته بعين المعلمة، مكوّنًا كله من زوايا حادة.
وجنتاه بارزتان في وجهه الصغير، ومرفقاه يبرزان كعظام ناتئة وهو يمسح دموعه.
كان **تيد كارتر** ينفض الغبار عن سروال نورمان، وقال بصوت مسموع وصل إلى نافذة الصف:
— "أنت بخير يا نورمان. هيا، لا تبكِ، كل شيء على ما يرام، ارجع إلى البيت. كل شيء بخير."
كان تيد في الثالثة عشرة، طويل القامة وعريض المنكبين بالنسبة لعمره، وبملامح مراهق نضج قبل أوانه.
ومن بين كل فتيان الصف الثامن، كان صوته الوحيد الذي "تحوّل" بشكل كامل،
فإذا تحدّث، خرج صوته في نبرة باريتون دافئة، لا ترتجف، ولا تفاجئه بعلوّ مفاجئ كما يفعل غيره.
استدار تيد نحو رودني وقال:
— "لماذا لا تختار خصمًا بحجمك؟"
فقال رودني بسخط:
— "أنت، مثلًا؟"
اقترب تيد خطوة أخرى وقال بثبات:
— "نعم، أنا."
ردّ رودني وهو يشيح بوجهه:
— "اغرب عن وجهي. لا وقت لديّ لأضيّعه عليك."
لكن الآنسة ثورنتون لاحظت، بشيء من الرضا، أن الذي "اغترب" فعلًا كان رودني نفسه،
إذ غادر ساحة المدرسة متبخترًا، وخلفه تلهث فتاة من الصف السابع تُدعى **بيتي أندرسون**، بجسدها المتطور أكثر من اللازم.
صرخت **بيتي** إلى تيد من فوق كتفها:
— "لمَ لا تهتمّ بشؤونك وتترك الناس في حالهم؟"
مسح نورمان الصغير أنفه بمنديل أبيض نظيف أخرجه من جيبه الخلفي، وقال بخجل:
— "شكرًا لك، تيد... شكرًا جزيلًا.
"انصرف من هنا"، قال **تيد كارتر**، وهو يلوّح بيده،
"ارجع إلى بيتك قبل أن تأتي أمك تبحث عنك."
ارتجف ذقن **نورمان** من جديد.
"هل يمكنني أن أمشي معك، تيد؟" سأل بتوسّل.
"فقط حتى يختفي رودني عن الأنظار؟ أرجوك؟"
قال تيد بحدة، دون رحمة:
"رودني مشغول بأشياء أخرى غيرك الآن. نسي حتى أنك موجود."
ثم التقط كتبه عن الأرض، وركض ليلحق بـ **سيلينا كروس**، التي كانت قد بلغت منتصف شارع **مابل**.
لم يلتفت وراءه.
أما نورمان، فانحنى وجمع كتبه بصمت، وخرج من ساحة المدرسة بخطى بطيئة.
شعرت الآنسة **ثورنتون** فجأة بوهنٍ عميق.
أسندت رأسها إلى إطار النافذة، وحدّقت شاردة إلى الفناء الفارغ.
كانت تعرف أسر تلاميذها، والمنازل التي يسكنونها، والعوالم الصغيرة التي نشأوا فيها.
**"لماذا أواصل المحاولة؟"** تساءلت في نفسها.
**"أي أمل لهؤلاء الأطفال في أن يخرجوا من الدائرة التي وُلدوا فيها؟"**
في لحظات كهذه، حين يكون التعب قد أكل من روحها كما أكل من جسدها، كانت تشعر بأنها تخوض معركة خاسرة ضد الجهل،
ويسكنها إحساس بالعبث والعجز.
أي معنى كان هناك في إرغام فتى على حفظ تواريخ صعود وسقوط الإمبراطورية الرومانية،
وهو، حين يكبر، سيحلب الأبقار كما فعل أبوه وجده من قبله؟
أي منطق في تلقين فتاة الكسور العشرية، وهي التي ستحتاج، في نهاية المطاف، أن تعدّ فقط شهور الحمل؟
قبل سنوات، حين تخرّجت من **كلية سميث**، كانت قد قررت أن تبقى في موطنها، **نيو إنغلاند**، لتُدرّس.
قالت لها العميدة يومها:
— "لن تكون لك فرصة كبيرة لتكوني جذرية هناك."
فأجابت إلسي ثورنتون بابتسامة:
— "هؤلاء شعبي، وأفهمهم... سأعرف ما يجب فعله."
ابتسمت العميدة أيضًا، من موقعها العالي حيث تراكمت الحكمة:
— "إذا نجحتِ يومًا في كسر قشرة عقل النيوإنغلانديّ الصلبة، فستصبحين مشهورة عالميًا. من يحقق شيئًا للمرة الأولى في التاريخ، يخلد اسمه."
قالت إلسي بثقة:
— "لقد عشت في نيو إنغلاند طوال حياتي، ولم أسمع أحدًا يقول صراحة: ‘ما كان جيدًا لأبي، فهو جيد لي.’
تلك عبارة متداعية وكليشيه بائس، لُصق ظلمًا بأهل نيو إنغلاند."
قالت العميدة، بنبرة حزينة:
— "حظًا طيبًا، يا إلسي."
وفي تلك اللحظة، مرّ **كيني ستيرنز** في نطاق بصر الآنسة ثورنتون، فتبددت أفكارها كما يتبدد الدخان.
**"ترّهات،"** قالت لنفسها بحزم.
**"لديّ صفٌّ مليء بالأطفال النجباء، من عائلات لا تختلف كثيرًا عن سائر الناس. سأشعر بتحسّن يوم الإثنين."**
ذهبت إلى الخزانة، وأخرجت قبعتها البنية المصنوعة من اللباد، والتي تخدمها للعام السابع على التوالي.
وهي تتفحّص قماشها البالي، تذكرت الدكتور **ماثيو سواين**.
قال لها ذات مرة، مازحًا:
— "أستطيع أن أميّز المعلمة من بين ألف."
— "حقًا يا مات؟" ضحكت.
"هل نحن جميعًا نحمل نفس ملامح الإحباط؟"
فقال بجدية مازحة:
— "لا، بل أنتنّ جميعًا تَبدين مرهقات، قليلات الأجر، سيئات الهندام، ونحيلات!
لماذا تفعلين هذا بنفسك يا إلسي؟ لماذا لا تذهبين إلى **بوسطن** أو مكان كهذا؟
بذكائك وتعليمك، تستطيعين الحصول على وظيفة مرموقة بأجر محترم في قطاع الأعمال."
هزّت الآنسة ثورنتون كتفيها وقالت:
— "لا أدري، مات... أعتقد أنني أحب التعليم، فحسب."
لكن في عقلها، آنذاك كما اليوم، كان هناك أمل خفيّ،
ذلك الأمل العتيق الذي أبقى المعلمين يعملون لقرون طويلة:
**"إن استطعتُ أن أُعلّم شيئًا لطفل واحد... إن استطعت أن أوقظ في نفس طفل واحد الإحساس بالجمال، وفرح الحقيقة، والاعتراف بالجهل، وعطش المعرفة... عندها أكون قد اكتفيت."**
طفلٌ واحد فقط، فكّرت الآنسة ثورنتون، وهي تُعدّل قبعتها البنية القديمة فوق رأسها.
ثم التصق قلبها بلطفٍ باسم **أليسون ماكنزي**.
الفصل الثالث
غادرت أليسون ماكنزي فناء المدرسة مسرعة، دون أن تتوقف لتحية أحد. عبرت شارع مابل، ثم انعطفت شرقًا في شارع إلم، متجنّبة محل "ثريفتي كورنر" للملابس، ذاك الذي تملكه والدتها وتديره. كانت تمشي بخطى سريعة، كأنها تهرب، حتى تركت خلفها بيوت ومتاجر بيتن بليس. صعدت التلة الطويلة المنحدرة برفق خلف منتزه الذكرى، إلى أن وصلت إلى نقطة نهاية الطريق المعبد.
عند انقطاع الإسفلت، انكشفت الأرض من تحته كأنها تنهار، تغطيها الصخور والشجيرات، وكان هناك لوح خشبي عريض مسنود على قائمَين يشبهان منشارَين كبيرين. نُقشت عليه كلمات باللون الأحمر: **نهاية الطريق**.
كانت هذه العبارة، دومًا، تُرضي شيئًا عميقًا في نفس أليسون. فكّرت أنه كان من الممكن أن يُكتب: "انتهاء التبليط" أو "احذر – منحدر"، لكنها كانت ممتنة لأن شخصًا ما فكّر أن يسميه ببساطة: **نهاية الطريق**.
تنعّمت أليسون بواقع أنها تملك يومين كاملين، إضافة إلى هذا المساء الجميل، لتكون حرّة... حرّة من قسوة المدرسة وكراهيتها.
في هذه الإجازة القصيرة، تستطيع أن تأتي إلى هنا، إلى نهاية الطريق، وحيدة، مسترخية، تفكر كما يحلو لها، دون رقابة أو سخرية.
هنا تستطيع أن تجد متعةً بسيطة، أن تنسى أن العالم سيعتبر متعها طفولية وسخيفة، خصوصًا في أعين فتيات في الثانية عشرة من العمر، يتقنّعن بقناع "النضج".
كانت الظهيرة ساحرة، تعوم في زرقة كسولة تحت شمس ما يُعرف بصيف الهنود.
همست أليسون: *"ظهيرة أكتوبر"*، ورددتها مرارًا، كما لو كانت تعويذة.
الكلمات هدّأتها، خفّفت عنها وطأة الأيام، ملأتها بالسلام.
قالتها مرةً أخرى، ثم جلست على اللوح الخشبي المكتوب عليه "نهاية الطريق".
الآن، وقد خيّم السكون، ولم يعد هناك ما يخيف، استطاعت أن تتظاهر بأنها ما زالت طفلة.
أن تنسى أنها في الثانية عشرة، وأنها على وشك أن تدخل الثانوية خلال أقل من عام، وأنها "ينبغي" أن تهتم بالملابس، والصبيان، وأحمر الشفاه الورديّ الفاتح.
في هذا المكان، بين شجيرات الطفولة وظلال الأمان، لم تشعر أنها مختلفة أو غريبة.
لكن بعيدًا عن هذا التل، كانت شيئًا آخر: متعثّرة، خجولة، بلا حب، تدرك بمرارة أنها تفتقر إلى الجاذبية والثقة التي كانت تشعر أن كل الفتيات الأخريات يملكنها.
نادرًا، كانت تشعر بشيء يشبه هذا السرور الدفين في المدرسة، حين تقرأ قصة جميلة أو رواية تلامس خيالها.
كانت ترفع عينيها فجأة من الصفحة لتجد الآنسة ثورنتون تحدّق فيها.
تلتقي نظراتهما، تبتسمان، ثم ينكسر كل شيء إذا تجرّأت على إظهار هذه البهجة.
كانت تعرف أن الفتيات الأخريات سيسخرن منها، ويصفن هذا النوع من الفرح بكلمتهن المفضّلة: *طفولي*.
لن تدوم هذه اللحظات كثيرًا.
فأليسون في الثانية عشرة الآن، ويجب أن تبدأ، مرغمة، في التعايش مع أولئك الفتيات اللواتي يشبهن الغيوم الرمادية المتشابهة.
ستُحاصَر بهن، وستضطر لبذل جهدٍ يائس لتكون واحدةً منهن.
لكنها تعلم أنها ستُرفض. سيضحكن عليها، يسخرن من أحلامها، وستعيش في عالمٍ لا مكان فيه لمن كانت على شاكلتها.
لو سُئلت أليسون عن "هم" الذين تقصدهم في حديثها عن العالم، لأجابت: "الكل... ما عدا الآنسة ثورنتون وسيلينا كروس، وأحيانًا حتى سيلينا."
فـسيلينا كانت جميلة، أما أليسون، فترى نفسها بنتًا خرقاء، ممتلئة في الأماكن الخطأ، ومسطّحة في الأماكن الخطأ، طويلة الأرجل، مدوّرة الوجه.
تعرف أنها خجولة، يداها ثقيلتان، ورأسها يعجّ بالأحلام الساذجة.
هذا ما يراه الناس فيها، عدا الآنسة ثورنتون – وربما فقط لأن الآنسة ثورنتون نفسها لم تكن جميلة.
كانت سيلينا تقول لها، محاولة التهوين: "أنتِ بخير، يا فتاة"، لكن أليسون لم تكن دائمًا تصدق صديقتها.
فهي تشعر أنها لم تكن يومًا محبوبة، أو تنتمي إلى أي مكان في هذا العالم،
وأن أكثر ما يؤلمها هو أنها تؤمن أن تلك الأحاسيس لم تكن يوماً من حقّها أصلاً.
نظرت أليسون نحو الفراغ الممتد وراء نهاية الطريق.
من هنا، استطاعت أن ترى البلدة، مفروشة أمام عينيها كخريطة صغيرة:
برج جرس المدرسة، قمم الكنائس، الطريق الأزرق المتعرّج لنهر كونيتيكت، ومطاحن الطوب الأحمر التي التصقت بجانبه كأنها طفرات جلدية.
وبعيدًا، رمقت القصر الحجري الرمادي الذي ينتمي إلى صامويل بيتن، ذاك الذي سُميت البلدة باسمه.
شعرت بالقشعريرة تسري في جسدها، على الرغم من دفء الشمس، وحوّلت عينيها بعيدًا.
حاولت تحديد مكان بيتها، ذلك الكوخ الأبيض ذي الزخرفة الخضراء حيث تعيش مع والدتها، لكنها لم تستطع تمييزه من بين البيوت المتشابهة.
كان منزلها على بُعد ميلين من التل.
كانت بيوت حيها بسيطة، مصمّمة على الطراز الكيب-كودي، بيضاء بلمسات خضراء، تسكنها عائلات واحدة.
وذات مرة، بحثت أليسون عن معنى كلمة "جار" في كتابٍ كانت تعتقد – حينها – أنه يخصّ رجلاً غريب الأطوار: *ويبستر على الجسر*.
قال الكتاب: الجار هو من يسكن في جوارك.
في البداية، أشعرها ذلك بالراحة، إذ بدا أن *ويبستر على الجسر* لا يرى أي مشكلة في كون الجار ليس صديقًا.
لكن لا معجم – لا ويبستر ولا سواه – يستطيع أن يشرح لماذا لم يكن لعائلة ماكنزي أي أصدقاء في بيتن بليس.
كانت أليسون مقتنعة أن السبب في وحدتهم هو أنهم... مختلفون.
والناس، ببساطة، لا يحبون المختلفين.
بكل ذلك الحنين المرهف الذي تكتنزه طفولة معلّقة بين الغيوم والأرض، إليك ترجمة أدبية للصفحات الأخيرة من مشهد **أليسون عند نهاية الطريق**، بلغة تحاول أن تقترب من نبضها الداخلي، لا مجرد كلماتها:
---
من **نهاية الطريق**، تخيّلت أليسون منزلها، ذاك الذي لا تستطيع رؤيته من هنا، يعجّ بأناس نشطين محبوبين، هاتفهم لا يهدأ.
هنا فقط، في هذا العلوّ المنعزل، كان يمكنها أن تتخيّل أن بيتها ليس مختلفًا، ليس غريبًا في خوائه، ولا ناقصًا كما يبدو غياب الأب، وكما تشعر أن حياتها ناقصة، وأنها – هي – ناقصة.
هنا، وحدها على التل، فقط هنا، كانت تستطيع أن تثق بنفسها، وتشعر بشيء يشبه الرضا.
قفزت من مكانها، وانحنت تلتقط غصنًا مكسورًا من شجرة القيقب، كان قد تهشّم بفعل ريح باردة ومطر سابق.
راحت تكسر الأغصان الصغيرة المتفرعة منه، حتى صار كعصا مستقيمة تقريبًا، ثم بدأت تنزع عنه القشرة، بحذر، حتى انكشفت عروقه الخضراء البيضاء.
توقفت، وضغطت بأنفها على الخشب العاري، استنشقت عبيره الطازج، ومدّت أصابعها تتحسس رطوبة النسغ عليه.
سارت مجددًا، تغرس الغصن في الأرض مع كل خطوة، متظاهرة بأنها تتسلق جبال الألب، كما رأت في الصور القديمة.
الغابة الممتدة على جانبي نهاية الطريق كانت قديمة، برية، لم تمسها المناشير.
كانت من آخر غابات الأخشاب البكر في شمال إنجلترا الجديدة، إذ أن التطوير العمراني لم يطَل المنطقة الصخرية الواقعة فوق منتزه الذكرى.
تخيلت أليسون أن هذه المسارات تحت قدميها هي ذاتها التي سلكها الهنود الحمر، حين كانوا هنا، قبل أن يأتي "الرجل الأبيض".
كانت تؤمن بأنها الوحيدة التي تعرف هذه الغابة، وكانت تُكِنّ لها شعورًا أشبه بالملكية.
تحبّها، وتحفظ أسرارها كما تحفظ فصول السنة.
تعرف أين تزهر زهرة "الأربوتس" في الربيع، وأين تنام زهور البنفسج بعد ذوبان الثلوج.
تعرف طريقها إلى زهرة "شبشب السيدة"، وتعرف الحقل المخفي في قلب الغابة، ذاك الذي يغمره الصيف بأزهار "سوزان ذات العيون البنية".
لها صخرة سرّية تجلس عليها لمراقبة طائر السُماني وأسرته، وتستطيع أن تميّز من لون أوراق الأشجار متى سيأتي أول صقيع قاتل.
في هذه الغابة، تمشي بخفة لم تعهدها في نفسها خارجه، وتخيّلت أن الفتيات الأخريات في العالم يشعرن دومًا بما تشعر به هي هنا: أمان، انتماء، ويقين.
وصلت أليسون إلى الحقل المفتوح.
كانت أزهار الصيف قد رحلت، وفي مكانها نبتت سيقان الذهب الأصفر العالية.
الحقل كله اصطبغ بلون الشمس اليابسة، وكأنها تخوض وسط بحرٍ من الذهب.
وقفت هناك، ثم فجأة، وبفرح خالص لا يعكّره الوعي بالذات، فتحت ذراعيها على وسعهما، كأنها تعانق الوجود.
رفعت رأسها نحو السماء الزرقاء، العميقة ككوبٍ مقلوب، وشعرت أنها وحدها تحته.
كانت أشجار القيقب من حولها تشتعل بالأحمر والأصفر، والريح الناعمة تهمس في أوراقها.
تخيّلت أن الأشجار تقول لها: "مرحبًا، أليسون... مرحبًا، أليسون"، فابتسمت.
ثم هتفت بصوت مبحوح بالدهشة:
**"مرحبًا! أوه، مرحبًا بكل ما هو جميل!"**
ركضت إلى طرف الحقل، وجلست تتكئ على جذع شجرة عريضة، تنظر إلى البحر الأصفر من الذهب البريّ.
ببطء، بدأت تشعر أنها الكائن الحي الوحيد على وجه الأرض.
كل شيء لها وحدها: الجمال، والهدوء، والصدق... لا أحد ليفسد اللحظة، لا أحد ليكسِر السحر.
ظلّت جالسة زمنًا لا تعرفه، ساكنة، تسمح للفرح أن يهبط إلى جوفها مثل دفءٍ يسكن البطن.
وعندما نهضت لتغادر، كانت تلمس الأشجار في طريقها كما يربّت المرء على يد صديق قديم.
وعادت إلى اللوح الخشبي الذي كتب عليه "نهاية الطريق".
نظرت إلى البلدة أسفل التل، وشعرت أن نشوة اللحظة بدأت تتبدد.
استدارت سريعًا، لتستعيد الحلم بين الأشجار، لكن الشعور لم يعد.
ثقلٌ غريب اجتاحها، كأن جسدها صار يزن مئتي رطل.
وإرهاق مفاجئ باغتها، كما لو كانت تركض منذ ساعات.
نزلت التل في اتجاه بيتن بليس.
في منتصف الطريق، رفعت العصا التي كانت تحملها منذ بداية الرحلة، ورمتها بقوة إلى عمق الغابة.
ثم بدأت تمشي بسرعة، لم تعد تشعر بالمسافة، حتى اجتازت المنتزه ودخلت حدود البلدة.
اقترب منها صبية – أربعة أو خمسة – يضحكون ويدفعون بعضهم بعضًا بمزاحٍ صاخب.
وما تبقّى من سعادتها تلاشى دفعة واحدة.
كانت تعرفهم.
يذهبون إلى مدرستها.
ساروا نحوها، يرتدون كنزات ملونة، يقضمون التفاح، والشراب يسيل على ذقونهم، وأصواتهم خشنة في ظهيرة أكتوبر.
قطعت الشارع، تأمل أن تتفاداهم، لكنهم لاحظوها، وعادت تلك الرهبة تسكن قلبها.
"هاي، أليسون!" نادى أحدهم.
تابعت المشي دون أن تجيب، فبدأ يقلّدها، يرفع رأسه ويقلّد مشيتها.
"أووه، آلـيـسـوون!" صاح آخر، بنبرة عالية ساخرة، يمدّ الاسم كأنه يتهكم به.
شدّت يدها في جيب سترتها، لم تجب.
"آآآلـيـسـوون! آآآلـيـسـوون!"
كانت تمشي بسرعة، لا ترى إلا الطريق أمامها، تعرف أن الشارع التالي هو شارعها، وستختفي عند الزاوية.
"أليسون، بومب-أليسون! تيليا ليغو أليسون! ساقين طويلة، ساقين ملتوية، أليسون قوسية الساقين!"
"هيه، يا دبّة!"
فاستدارت إلى شارع *بيتش*، وركضت... ركضت حتى وصلت إلى بيتها.
الفصل الرابع
مات والد أليسون ماكنزي، الذي حملت اسمه، حين كانت في الثالثة من عمرها. لم تحتفظ له بذكرى واعية. ومنذ أن بدأت تتذكّر، كانت تعيش مع والدتها، كونستانس، في منزل ببلدة "بيتون بليس"، كان قد ورثته عن جدتها. لم يكن بين كونستانس وأليسون الكثير من القواسم المشتركة؛ فالأم، بعقلها البارد العملي، لم تكن قادرة على فهم الطفلة الحساسة الحالمة، وأليسون، صغيرةٌ غارقة في الأحلام والتخيّلات، لم تكن لتدرك أو تتعاطف مع أمها.
كانت كونستانس امرأة فاتنة، تفخر دومًا بصلابتها الذهنية. في سن التاسعة عشرة، رأت بوضوح حدود بيتون بليس الضيقة، ورغم اعتراضات أمها الأرملة، غادرت إلى نيويورك، تحمل في ذهنها خطة دقيقة: أن تتعرّف على رجل ثري ومرموق، تعمل عنده، ثم تتزوجه.
في نيويورك، عملت سكرتيرة لأليسون ماكنزي، رجل اسكتلندي وسيم الطلعة، طيب المعشر، يمتلك متجرًا ناجحًا يبيع الأقمشة المستوردة. خلال ثلاثة أسابيع فقط، أصبحا عاشقَين، وخلال عام، وُلدت لهما طفلة، أطلقت كونستانس عليها فورًا اسم والدها.
لكن أليسون ماكنزي لم يكن حرًّا؛ فقد كان متزوجًا وله طفلان "فوق في سكارزديل"، كما كان يقول دائمًا، ينطقها وكأنها في أقصى الدنيا، بينما كانت سكارزديل في نظر كونستانس أقرب مما ينبغي، حدّ التهديد.
سألته ذات مساء:
"ما الذي تنوي فعله بشأننا؟"
فأجاب ببساطة:
"نستمر كما نحن، على ما أظن. ما في حلّ ثاني إلا وبيصير فيه فضيحة ما تنسكت."
تذكّرت كونستانس تربيتها في البلدة الصغيرة، وعرفت تمامًا مرارة أن تكون حديث الناس.
قالت، وكأنها موافقة:
"ربما معك حق."
لكنها، في تلك اللحظة، بدأت ترسم خُططًا لنفسها ولطفلتها التي لم تولد بعد. بمساعدة والدتها، نسجت كذبة محترمة تنقذ بها سمعتها في بيتون بليس. سافرت إليزابيث ستاندش إلى نيويورك، كما شاع في البلدة، لحضور زفاف صغير لعائلتها، زفاف كونستانس. لكن في الحقيقة، سافرت لتكون إلى جانب ابنتها عند خروجها من المستشفى، حاملة الطفلة التي سُمّيت على اسم أبيها.
بعد سنوات، استخدمت كونستانس بعضًا من مزيل الحبر، وعدّلت الرقم الأخير في سنة ميلاد ابنتها على شهادة الميلاد. شيئًا فشيئًا، ومع تجاهل الرسائل المبطّنة التي تطلب زيارات من عائلة ماكنزي، بدأت تقطع خيوطها مع صداقات الطفولة. وشيئًا فشيئًا، نُسيت في بيتون بليس، ولم يعد يُذكَر اسمها إلا حين يُصادف أحدهم والدتها إليزابيث في الطرقات.
"شلون كونّي؟ والبنوته؟"
"بخير... كل شي تمام الحمد لله"، كانت تقولها المسكينة إليزابيث، وقلبها يقرع كطبول الهلع، أن تزلّ منها كلمة فتفضح المستور.
منذ أن وُلدت أليسون، عاشت جدتها إليزابيث في دوامة من الخوف. كانت تخاف أن تكون أدوارهم التمثيلية لم تُتقن بما يكفي، أن أحدًا ما سيكتشف التلاعب بشهادة الميلاد، أو أن عينًا حادّة ستلاحظ أن الفتاة أكبر بعام من عمرها المعلن. لكنها، فوق هذا كله، كانت خائفة على نفسها.
في كوابيسها الأشد وطأة، كانت تسمع أصوات سكان بيتون بليس:
"ذيك إليزابيث ستاندش... بنتها تورطت مع واحد من نيويورك."
"العيال ما ينحرفون إلا من التربية."
"كونستانس جابت بنت صغيرة."
"مسكينة... حراميّة النسب."
"حرامية!"
"الزانية كونستانس ستاندش، وبنتها، بنت الحرام."
حين توفيت إليزابيث ستاندش، تركت كونستانس الكوخ في شارع بيتش مهجورًا، لكنه كان دائمًا في حالة استعداد... استعداد ليومٍ قد تأتي فيه اللحظة التي تملّ فيها أليسون ماكنزي من وجودها، وتُجبر هي على العودة إلى "بيتون بلايس".
لكن أليسون لم تهجر كونستانس ولا ابنتها. كان رجلاً طيبًا على طريقته، ذا حسٍّ عالٍ بالمسؤولية. ظلّ يعول عائلتَيه الاثنتين حتى يوم وفاته... بل وحتى بعد موته.
ولم تكترث كونستانس مطلقًا بحال زوجة أليسون أو مصيرها. كان يكفيها أن حبيبها الراحل قد ترك لها مبلغًا وافرًا من المال، أودعه بيد محامٍ كتوم.
وبهذا المبلغ، بالإضافة إلى ما كانت قد ادخرته خلال حياته، عادت إلى "بيتون بلايس" واستقرت في منزل عائلة ستاندش. لم تبكِ حبيبها، إذ لم تكن تحبه في الأساس.
بعد عودتها، افتتحت متجرًا صغيرًا للملابس في شارع إلم، واستقرّت على نمط حياة يعيلها ويكفي حاجتها وحاجة طفلتها.
لم يشكّك أحد من سكان البلدة في أنها أرملة لرجل يُدعى أليسون ماكنزي.
فقد وضعت صورة كبيرة مؤطّرة له على رفّ المدفأة في غرفة الجلوس، وتعاطفت البلدة معها.
قال أهل "بيتون بلايس":
— "يا للأسف، وكان بعده شاب!"
— "صعب على امرأة وحيدة، وخصوصًا وهي تربي طفلة."
— "كوني ماكنزي، تشتغل وتكدّ، تظل في دكانها لحد الساعة ستة كل يوم."
وفي عمر الثالثة والثلاثين، كانت كونستانس ما تزال فاتنة. شعرها الأشقر كان لا يزال يلمع، ووجهها لم تَخُنه بعدُ تجاعيد الزمن.
قال رجال البلدة:
— "امرأة بهالجمال؟ غريبة إنها ما فكّرت تتزوج."
فردّت النساء:
— "يمكن لسا حزينة على زوجها... في أرامل يظلوا ينوحون طول عمرهم."
لكن الحقيقة؟ أن كونستانس كانت تستمتع بحياتها وحدها.
أقنعت نفسها بأنها لم تكن يومًا امرأة مشتهاة، وأن علاقتها بأليسون كانت وليدة وحدةٍ لا غير.
كانت تردد سرًّا، مرات ومرات، أن حياتها مع ابنتها أليسون كافية، مكتملة، لا ينقصها شيء.
فالرجال، في نظرها، كائنات غير موثوقة، لا يجلبون سوى المتاعب.
أما الحب؟ فقد ذاقت عواقبَ ألا تُحب رجلاً. فكيف لو أحبّت؟ ما المصير الذي كان سيصيبها؟
لا... كانت تؤمن أنها بأفضل حال على ما هي عليه، تؤدي ما عليها وتنتظر أن تكبر أليسون.
وإن شعرت أحيانًا بشيءٍ من القلق أو التململ الغامض في داخلها، أخبرَت نفسها بصرامة أن هذا ليس شهوة، بل... ربما مجرد سوء هضم.
ازدهر متجر "ذا ثريفتِي كورنر أباريل شوب".
ربما لأنه الوحيد من نوعه في البلدة، أو لأن لكونستانس ذوقًا خاصًا في الأناقة.
أيًّا كان السبب، فقد أصبحت نساء البلدة يشترين منها بشكل شبه حصري.
وكان الإجماع الشعبي أن بضائع "كوني ماكنزي" تضاهي ما في متاجر مانشستر أو وايت ريفر، وأن شراءها منها أولى من إرسال أموال البلدة إلى أماكن أخرى.
عند السادسة والربع مساءً، كانت كونستانس تمشي عائدة في شارع بيتش نحو بيتها.
ترتدي بدلة سوداء أنيقة من متجر راقٍ في بوسطن، تعلو رأسها قبعة صغيرة سوداء.
كانت أشبه بصورة أزياء مرسومة، وهو ما كان يزعج ابنتها أليسون بطريقة غامضة، رغم أن كونستانس كانت تكرر بأن هذا المظهر مهمٌّ جدًّا للتجارة.
في طريقها، فكّرت بوالد أليسون، وهو أمر نادر، إذ أن التفكير فيه لم يكن مريحًا.
كانت تعلم أنها ستضطر يومًا ما لإخبار ابنتها بالحقيقة عن ولادتها.
تساءلت كثيرًا: لماذا يجب أن تعرف الفتاة؟
لكنها لم تجد إجابة مقنعة.
كانت تقول لنفسها:
"من الأفضل أن تسمعها مني، لا من غريب."
ثم تعود وتفكر:
لكن لا أحد يعرف الحقيقة، وفرصة اكتشافها شبه معدومة.
ومع ذلك، كانت تعود لتهمس داخلها:
"سيأتي اليوم... وسأخبر أليسون."
دفعت الباب ودخلت غرفة الجلوس، حيث كانت أليسون بانتظارها.
— "مرحبًا، صغيرتي."
— "مرحبًا، ماما."
كانت أليسون جالسة في كرسيٍ وثير، ساقاها تتدلّيان من أحد جانبيه، غارقة في كتاب.
— "ما الذي تقرئينه الآن؟" سألت كونستانس وهي تخلع قبعتها أمام المرآة.
— "مجرد قصة خرافية للأطفال الصغار." قالت أليسون مدافعة. "أحب أراجعها من وقت لآخر. اسمها *الجميلة النائمة*."
— "جميل، عزيزتي." ردت كونستانس بشرود.
لم تكن تفهم كيف لفتاة في الثانية عشرة أن تظل غارقة في الكتب.
فتيات أخريات في عمرها كنّ لا ينقطعن عن زيارة المحل، يتأملن الملابس ويتباهين بها.
قالت كونستانس:
— "يبدو أنه علينا التفكير في شيء نأكله."
ردّت أليسون وهي تغلق كتابها:
— "وضعت حبتين بطاطا في الفرن من نصف ساعة."
دخلتا معًا المطبخ لتحضير ما تسميه كونستانس "العشاء".
وكانت أليسون قد لاحظت أنها الوحيدة بين نساء البلدة التي تسميه بهذا الاسم.
خارج البيت، كانت حريصة على قول "السَّفرة"، لا "العشاء"، وأنها "تذهب للكنيسة"، لا "إلى الخدمة"، وأن الفستان "جميل"، لا "أنِيق".
تفاصيل صغيرة، لكنها كانت تكفي لجعل أليسون تتقلب ليلًا على سريرها من الخجل، تشعر بأن وجهها يحترق في العتمة، وتكره أمّها... لأنها جعلتها مختلفة.
كانت تنفجر قائلة:
— "رجاءً يا ماما...!" وهي تبكي.
فترد الأم، بصوت مَن دفنت لغته القديمة تحت لمعان نيويورك:
— "لكن، صغيرتي، إنه فستان أنيق فعلًا!"
أو:
— "لكن يا أليسون، الوجبة الأساسية دائمًا تُسمّى عشاء!"
وفي التاسعة مساءً، وقفت أليسون، مرتدية منامتها ورداءها، مستعدة للنوم، ووضعت كتبها على رفّ المدفأة.
وقعت عيناها على صورة والدها، فتوقفت لحظة تتأمله.
كان شعره يرتفع في قُصّةٍ بارزة عند الجبهة، تُضفي على ملامحه مسحةً شيطانية،
وكانت عيناه... كبيرتين، معتمتين، وعميقتين.
"كان وسيمًا، أليس كذلك؟" همست أليسون بصوت خافت.
"مَن يا حبيبتي؟" سألتها كونستانس، رافعة بصرها من دفتر الحسابات أمامها.
"أبي"، قالت أليسون.
"آه..." قالت كونستانس. "نعم، يا عزيزتي... نعم، كان كذلك."
ظلت أليسون تحدق في الصورة.
"إنه يبدو كأمير..." تمتمت.
"ماذا قلتِ، صغيرتي؟"
"لا شيء، ماما. تصبحين على خير."
"تصبحين على خير، حبيبتي."
تمددت أليسون في سريرها العريض ذي الأعمدة الأربعة، وراحت تحدق إلى السقف،
حيثُ كانت أضواء الشارع تتسلل من النافذة، ترسم ظلالًا غريبةً تتراقص في ظلمة الغرفة.
**كأمير، حقًا**، فكّرت، وشعرت فجأةً بانقباضٍ في حلقها.
وبرهةً، تساءلت: كيف كانت ستكون حياتها لو أن أمها هي من ماتت، وبقي والدها على قيد الحياة؟
لكنها سرعان ما عضّت طرف شرشف السرير خجلًا من هذه الخيانة التي فكّرت بها.
"أبي... أبي..."
ردّدت الكلمة الغريبة مرارًا في ذهنها،
لكنها كانت جوفاء، لا تحمل لها شيئًا، لا وجهًا، لا صوتًا، لا ذكرى.
تذكّرت صورة الأب في الأسفل، على رفّ المدفأة.
**أميري**، همست داخلها، وفجأةً، بدا أن الصورة في ذهنها تحيا... تتنفس... وتبتسم لها بعطف.
وأغلقت أليسون عينيها.
ونامت.
الفصل الخامس

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق