بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 29 يونيو 2023

النوم بين جثث الأصدقاء: حكاية رجل أنقذته الصحراء


 

"النوم بين جثث الأصدقاء: حكاية رجل أنقذته الصحراء"

 


اسمي جون، جندي من جنوب إفريقيا، جاءني نصيبي من الحروب أكثر مما تحملت روحي. وصلت إلى لبنان، إلى مصحة العصفورية، بعد أن أُثقلت نفسي بصور المعارك، والموت، والصراعات التي دارت أمامي، وأصبحت جزءاً منها. كنت أملك بشرة فاحمة، قلباً مثقلاً، وعقلاً بدأ يتفكك أمام قسوة الزمن. الحرب العالمية الثانية تركتني مكسوراً، وجعلت من نفسي أسيراً في هذه المصحة العقلية. لم يكن العلاج الذي أتيت لأجله مجرد شفاء جسدي، بل محاولة لاستعادة جزء مني ضاع مع المعارك.

 

في بداية مسيرتي، كنت مغنيًا بسيطًا، أعزف على آلة الهارمونيكا للجنود الذين معي. كان العزف مهربًا لنا من صوت القذائف ودوي المدافع. الضحك، الموسيقى، وحتى النكتة، كانت دروعنا الهشة أمام هجوم الجنون الذي يأتي مع القتل والدمار. لكن مع الوقت، تلاشت هذه الضحكات، وحل محلها الفراغ والصمت.

 

في إحدى المعارك، وقفنا وجهاً لوجه أمام قوات الفيلق الإفريقي النازي تحت قيادة الجنرال رومل. كانت المعركة في العلمين بمصر، وقد عشت لحظات لا يمكنني نسيانها، حيث كنت أعزف على الهارمونيكا، علّها تخفف من حدة التوتر الذي يسبق القتال. كان الجميع يناديني "جون بيلي"، بسبب تشبهي بالعازف الأمريكي الشهير ديفورد بيلي. العزف كان ملاذي الوحيد، لكن المعركة كانت واقعاً لا مفر منه.

 

بينما كنت في تلك الحجرة البيضاء الواسعة داخل العصفورية، محاطاً بروائح المواد الطبية النفاذة، بدأت أقرأ كتباً لأفكار الفلاسفة والمفكرين السود. تأثرت بكتابات فرانتز فانون، ذلك الفيلسوف الماركسي الذي قال: "ليس هناك عالم أبيض، وليست هناك أخلاق بيضاء... إنني لست مسجونًا أسيرًا للتاريخ." لكن بينما كنت أغوص في أفكارهم، كانت ذكرياتي عن كيب تاون وعن الشيخ عبد الله هارون، الناهض ضد الفصل العنصري، تطاردني. اختفى الشيخ بشكل مفاجئ ومات معذبًا، ما جعلني أتساءل: لماذا يقتل الإنسان أخيه الإنسان؟ هل نحن مدفوعون نحو تدمير بعضنا بعضاً؟

 

في أرض العلمين الجافة، وبينما كنت أعزف، ظهر لي رجلٌ أفريقي ذو صوت جهوري، أثنى على عزفي، لكن الصحراء كانت فارغة من كل ما يمكن أن يشجع على البقاء. مع ذلك، كان هناك أسير ألماني بجانبي، حديثه الألماني المبهم كان يحرك فيّ فضولاً غريباً لفهم ما كان يقوله، لكنه ظل لغزاً بعيدًا عن متناول يدي.

 

ومن بين الجنود الذين كانوا معي، كان بلاك سيغاريت الأكثر تميزًا. رجل طويل وضخم، ذو بنية قوية، وقلب رقيق يخفيه وراء مظهره الصلب. كان مولعاً بالتدخين، ولهذا أطلقنا عليه اسم "سيغاريت". كنت أرى فيه شجاعة لا توصف، ولكنه، في نفس الوقت، كان يحمل نظرة سوداء للحياة. في إحدى المعارك، قاتل بشراسة لا هوادة فيها. وحين حاولت أن أوقفه، قال لي، "إذا كنت في حرب، لا تبقي أحداً على قيد الحياة. لكن حين مات بين يدي، كان يبتسم كأن الحياة لا تساوي شيئاً بالنسبة له".

 

لم أكن وحدي بعد تلك المعركة، فقد وجدني عبيدي الصنافرة، رجل بدوي غريب، أخذني معه، وسار بي عبر الصحراء على ظهر بعيره. لم أفهم في البداية كيف أصبحت معه، ولماذا لم يسلموني إلى الجيش البريطاني، لكن شيئاً ما داخله دفعه لإنقاذي. عبيدي كان يعلمني العربية قليلاً، وأخبرني كيف تعلم الإنجليزية من نقل الجنود البريطانيين.

 

واصلنا طريقنا حتى وصلنا إلى حي الحسين في القاهرة. كان حيًّا شعبياً، مليئًا بالأزقة الضيقة، والوجوه التي تحمل قصصًا غير محكية. هنا، تغيرت ملابسي إلى لباس عربي، وأصبحت أشعر كأنني جزء من هذا العالم الجديد. تعرفت من خلال عبيدي على طه نجيب محمود، الأديب والمفكر الذي قال لي كلمات بسيطة لكنها حملت معانٍ عميقة: "ليس هناك دواء شافٍ لمعاناتك سوى الحب".

 

حين سمعت هذه الكلمات، تساءلت، هل يمكن للحب حقاً أن يمحو رغبتي في الانتقام؟ كنت قد فقدت الكثير، ورغبة الانتقام كانت تغلي في دمي. لكن طه قال لي بهدوء: "ابحث عن الجواب بنفسك."

 

 

 

عندما اتفقت مع عبيدي الصنافرة على أن يصطحبني من مصر إلى جنوب السودان، كنت أعرف أنني أطلب منه الكثير. عبيدي، البدوي الذي اعتاد الصحراء وسهولها، لم يكن قد جرب في حياته الغابات أو الأدغال. كانت رحلتي هذه تتجاوز الصحراء الممتدة، فهي تتجه إلى مجاهل جديدة، حيث الغابات الكثيفة والأنهار التي لم يعرفها عبيدي. لكنني كنت مصممًا، فقد كنت أبحث عن زوجتي التي أخذها أهلها رغماً عنها، وكنت بحاجة إلى رجل مثله، يحمل في قلبه الشجاعة والكرم.

 

عبيدي لم يتردد كثيراً. شعرت أنه رأى في قصتي شيئاً يحرك داخله إحساس الشهامة، فقرر أن يساعدني. حملني أنا ورفيقي بلاك سيغاريت عبر الصحراء المهلكة، وقادنا عبر طرق لا يعرفها إلا القليل. مررنا بمناطق قاحلة، حيث لا أثر للحياة سوى الرياح والرمال. كانت رحلتنا محفوفة بالمخاطر، ولكن عبيدي كان دائمًا يعرف كيف يتعامل مع تلك الصعاب.

 

حتى وصلنا إلى مدينة وأو، في بحر الغزال. هناك، عند حدود عالمه، توقف. كانت تلك الأرض غريبة عليه، مليئة بالمجاهل التي لم يألفها. أدركت أن مهمته انتهت، وأنه لن يذهب أبعد من ذلك. كان الوقت قد حان لأقول وداعًا لهذا البدوي الذي أصبح أكثر من مجرد دليل لي؛ لقد أصبح صديقًا.

 

عندما ودعني عبيدي، كانت عيناه تملأهما الدموع. لم أكن أتوقع أن أرى دموع هذا الرجل القوي، لكنها انهمرت كأمطار السحب المثقلة بالحزن والشجن. صوته كان مماثلا لنغمات الربابة، عميقًا وشجيًا، يحمل في طياته الآلام الرحيل. حتى بعيره، الذي رافقنا طيلة الرحلة، بدا وكأنه يبكي معنا، إذ كان رغاؤه شبيهًا بالنحيب.

 

"وداعًا، أيها البدوي... أيها العربي الذي أنقذني من الصحراء المهلكة"، قلت له، وكانت الكلمات تثقل عليّ، لكنها كانت تحمل كل ما أشعر به.

 

من مدينة وأو، قررت أنا وبلاك سيغاريت المضي قدمًا نحو موطني، كيب تاون. كنت أفكر في زوجتي سوزان فورست، التي تركتها خلفي من أجل حرب فظيعة لم يكن لي فيها ناقة ولا جمل. كانت الأفكار تدور في ذهني كالأعاصير، والغضب يغلي في قلبي من الأحقاد والضغائن على أولئك الذين اخترعوا الحرب وأججوا نيرانها.

 

طوال الطريق، كنت أخاطب عقلي المضطرب، أسأل نفسي: "إلى كل الطغاة والجبابرة، ما الذي ستجنونه من القتل والدمار على هذا العالم؟" كان الشعور بالظلم يتغلغل في داخلي، ورأيت كيف أن كلما تقدم العلم، زادت آلة القتل تدميا وسحق. أتساءل كيف يمكن للإنسان أن يكون بهذه القسوة، وكيف يمكن لذاته أن تبرر الفوضى التي يخلفها وراءه!

 

بينما كنت أسير في هذا الطريق الوعر، كانت ذكريات سوزان تتداخل مع الأفكار المتراكمة في ذهني. كيف يمكن لحياة مليئة بالحب والأمل أن تتقاطع مع هذا الظلام؟ كنت أريد أن أعود إليها، أن أستعيد ما فقدته، لكن تلك الحرب كانت قد أخذت كل شيء. كنت أشعر بأنني أقاتل ليس فقط من أجلها، بل من أجل إنسانية أفضل، من أجل عالم خالٍ من الجشع والتسلط.

 

كانت خطواتنا ثقيلة، لكني كنت أعلم أنني سأستمر. سأخوض غمار الرحلة حتى أعود إلى كيب تاون، إلى سوزان، وإلى الحياة التي أريد أن أعيشها بعيدًا عن براثن الحرب وأهوالها.

قال لي بلاك سيغاريت ذات ليلة ونحن نجتاز الطرق الطويلة نحو كيب تاون: "كنت أنام بين الجثث، حيث لم أجد حيزًا آخر لأنام فيه." نظرت إليه متسائلًا، لكن وجهه لم يعكس أي مشاعر. أكمل حديثه بصوت هادئ رغم قسوة ما قال: "في إحدى المرات، ظنوا أنني فارقت الحياة. حملوني من بين الجثث ورموني في قبر جماعي. لم أدرك ما يجري حتى بدأت الرمال تغمر وجهي."

 

كانت كلماته تصيبني بالدهشة، لكني أدركت مدى عمق ألمه. الهروب من الحرب لم يكن خيارًا سهلاً، لكنه كان الطريق الوحيد لبقاء العقل والجسد على قيد الحياة. استمر في الحديث قائلاً: "كان هذا السبب الذي دفعني للهروب. لم أستطع الاستمرار. شعرت بأنني أعيش بين الموتى." بعد تلك الحادثة، فر بلاك سيغاريت من ساحة المعركة حتى وصل إلى القاهرة، وكان لقاؤنا هناك محض صدفة.

 

رغم الظروف القاسية التي واجهها، ظل بلاك سيغاريت شخصًا غريبًا في قساوته الظاهرة ولينه الدفين. وبينما استمرنا في رحلتنا، أصبحت قصته جزءًا من مشاعري المتضاربة حول الحرب والإنسانية. كان لقاؤنا بالمصادفة، لكنه أثّر فيّ بعمق، وجعلني أتفكر في تلك الأقدار التي تقودنا في حياتنا، حتى نجد من يفهم آلامنا، ولو بعد وقت طويل.

ذكرت تجمع شعب البوير الهولندي في بلادنا، الذين اتخذوا من جنوب أفريقيا مسكنًا لهم، وكيف فرضوا سيطرتهم على أصحاب البشرة الداكنة، محرمين إياهم من حقوقهم الطبيعية. كانوا يمتلكون الأرض والشعب، كأنهم خلقوا ليحكموا كل شيء تحت سيطرتهم، بينما كنا نحن، السود، نعيش تحت وطأة ظلمهم.

 

في ذلك الوقت، كنت مغرمًا بالعزف، وكانت آلة الهارمونيكا هي وسيلتي للتعبير. كنت أجلس في وسط حلقة من الشباب ذوي البشرة الفاحمة، أعزف لهم موسيقى تعبر عن أرواحنا المحبوسة. كنا نحاول عبر تلك الأنغام الهروب من واقعنا القاسي ولو للحظات. في إحدى تلك الجلسات، تعرفت على سوزان. كانت تراقبنا من بعيد، بينما كنت أعزف، ورغم أن الهارمونيكا كانت غريبة عليها مقارنة بالبيانو، ظلت تستمع بشغف.

 

أذكر أن أصدقاءها تركوها، وكان بإمكانهم ألا يبقوا مع "الخدم"، كما وصفونا. إحدى صديقاتها قالت لها بازدراء: "ليسوا من مستواك الثقافي والاجتماعي. إنهم مجرد خدم..." ورغم ذلك، فضلت سوزان أن تبقى. بدلاً من اتباعهم، اختارت أن تسمع صوت الموسيقى التي تعزفها روحي، وكانت دموعها تتسلل على خديها بصمت. ربما كانت تبكي لأن ما سمعته لم يكن مجرد عزف، بل صرخة ضد الظلم الذي عاشه السود في ظل نظام لا يرحم.

 

تلك اللحظة كانت البداية لعلاقتي بسوزان، ورغم الانتقادات التي واجهتها من مجتمعها، اختارتني واختارت أن ترى فيَّ الإنسان الذي تحبه، وليس فقط اللون الذي ولدت به.

 

هنا سأتوقف لأتحدث لكم عن شعب البوير، لأنني ذكرتهم دون أن أفصل في المعنى. البوير هم جماعة من المستوطنين المسيحيين الهولنديين الذين وصلوا إلى جنوب أفريقيا في القرن السابع عشر. توغلوا تدريجيًا من الجنوب باتجاه الشمال، يبحثون عن أرض جديدة يستوطنونها، ولكن في طريقهم واجهوا مقاومة عنيفة من قبائل الزولو.

 

الزولو، الذين أنتمي إليهم، لم يقبلوا أن تُسلب أرضهم وحريتهم بسهولة. كنا نقاتل للدفاع عن كرامتنا ووجودنا، ولهذا السبب كانت الكراهية التي يحملها البوير لنا عميقة. كانوا يعتبروننا أعداءً، وشكل هذا العداء جزءًا كبيرًا من الصراع الذي عاشته جنوب أفريقيا في تلك الفترة.

 

 

ولأنني من الزولو، كنت دائمًا هدفًا في عيونهم. لقد وضعوا اسمي في أعلى القائمة، ليس فقط لأنني كنت جنديًا في معاركهم، بل لأنني، في نظرهم، كنت جزءًا من الشعب الذي رفض الخضوع لسلطتهم، شعب الزولو الذي قاوم الاستعمار بشجاعة ورفض أن يُكسر.

عندما بلغنا بلاد زنجبار التي كانت تحت حكم العرب العمانيين، رأيت في وجوه العرب صورة صديقي القديم عبيدي الصنافرة. تذكرت كل كلمة علمني إياها، وكل لحظة قضيناها في الصحراء. هنا، في زنجبار، كانت الأسواق تعج بالناس من كل مكان، وكانت اللغة العربية تملأ الأجواء، كلماتها تثير في داخلي حنيناً إلى الأيام التي قضيتها مع صديقي البدوي.

 

لكن بين صخب الأسواق وجمال المدينة الساحلية، تذكرت شيئاً آخر، شيئاً مظلماً. قيل لي إن زنجبار كانت واحدة من أهم مراكز تجارة العبيد في أفريقيا. من المؤسف حقًا أن تكون هذه القارة، التي ولدتني وربتني، موطنًا للتجارة في أبنائها. كانت أفريقيا موئلًا لكل العالم، ولكن للأسف، كانت أيضًا أرضًا يُستعبد فيها أبناؤها.

 

هذا جعلني أفكر في قصة إبرام بتروفيتش، المعروف أيضًا باسم هانيبال الحبشي. كان عبداً في بداية حياته، اختطفه العثمانيون، وأصبح سلعة تُباع وتُشترى. لكن الأقدار كانت تحمل له شيئاً مختلفاً. انتهى به المطاف في روسيا، بين يدي القيصر بطرس الأكبر الذي عتقه وتبناه. من عبودية قاسية إلى أن يصبح مهندسًا عسكريًا وقائدًا في الجيش الروسي. إبرام بتروفيتش لم يكن مجرد عبد سابق، بل كان الجد الأكبر للشاعر الروسي العظيم ألكسندر بوشكين.

 

من يصدق أن عبدًا أفريقيًا يمكن أن يتحول إلى شخصية بارزة في تاريخ أمة عظيمة؟ الأقدار ترسم لنا دروباً لا نعلمها، وتغير مصائرنا بطرق لا نتوقعها.

لن أنسى ما قام به طه نجيب محمود من عمل جليل عندما وجدني عبيدي الصنافرة ملقًى جريحًا في ذلك القفر الموحش. لو لم يأتِ، لكنت الآن غداءً شهيًا للعقبان الجائعة. جاء عبيدي على ظهر بعيره، ورفعني بصعوبة بعدما رأى أنني على شفا الموت. عَبَرَ بي الصحراء القاسية نحو مصر، حيث كانت وجهتنا ملاذًا بعيدًا عن الحروب والخراب.

 

عندما وصلنا، أخذني إلى صديقه الأديب المصري طه نجيب محمود. كان طه يعرف أنني لن أكون بأمان في مصر طالما أن البريطانيين يتتبعون أثري، فأرسلني بعيدًا، إلى لبنان، حيث كانت الأرض تحت سيطرة الفرنسيين وليس للبريطانيين سلطة هناك. الاستعمار، كما قال لي طه، له وجه واحد، سواء كان بريطانيًا أو فرنسيًا أو حتى هولنديًا. لكنني كنت بحاجة إلى الهروب من كل ذلك، إلى مكان ينسيني هذه الحروب التي كادت تقتلني، في جسدي وعقلي.

 

كان عقلي في تلك الأيام متخبطًا. صرت أقول كلمات متقطعة، لا معنى لها. أذكر البريطانيين... البوير... الزولو... وسوزان. كنت أعيش في عالم من الأوهام، وأعيد ذكريات الحرب في ذهني مرارًا وتكرارًا، دون توقف.

 

طه نجيب محمود كان له الفضل في إنقاذي، ليس فقط جسديًا، بل أيضًا عقليًا. عندما ودعني في المرة الأخيرة قبل أن أرحل إلى لبنان، قال لي كلمات لن أنساها: "لا تعكر صفو أيامك ولا تكدر ماء أفكارك. اقبل الحياة كما هي... واشرب من نبع صفائك."

 

هذه الكلمات بقيت معي، وأصبحت نبراسًا في رحلتي القادمة. رحلتي إلى استعادة نفسي، إلى البحث عن معنى جديد لحياتي بعيدًا عن الحروب والطغاة.

قال لي بلاك سيغاريت، عن اسمه الأفريقي الحقيقي، شاكا، تيمّنًا بالقائد العظيم شاكا زولو، تلك الشخصية التي غرست اسمها في التاريخ الأفريقي بمآثرها وشجاعتها. شاكا، الرجل الذي أمامي، لم يكن مجرد شخص يروي قصص الحروب أو الهروب. بل كان يحمل في داخله شيئًا من أفريقيا العميقة، التي تمتد جذورها في التقاليد والمعتقدات التي قد تبدو غريبة لبعضنا، لكنها كانت جزءًا لا يتجزأ من حياته.

 

أخبرني عن عائلته، وكيف أن مفهوم الأسرة لديهم مختلف تمامًا عما نألفه. لم تكن أسرته مكونة من أم وأب فقط، بل كانت أسرته "أسرة ممتدة"، حيث جميع النساء في المجتمع يعتبرن أمهاته. قال لي: "هكذا هي سنة العيش في مجتمعنا".

 لا تستغرب أيها القارئ، إنها أفريقيا، أم العجائب، وهي أيضًا أم العالم بأسره.

 

لم يكن يعرف والدته الحقيقية، لكنه لم يشعر يومًا بالضياع أو الفقد. منذ نعومة أظفاره، عاش ينادي جميع النساء من حوله "أمي". كانت هذه التجربة بالنسبة له نعمة أكثر مما كانت عبئًا. قال لي وهو يبتسم ابتسامة واسعة ومنشرحة: "ما أجمل أن يكون لديك أكثر من أم! لن تشعر أبدًا بالفقد. إني أحب أمهاتي."

 

ثم انفجر ضاحكًا، ضحكة عميقة صدحت في المكان. تلك الضحكة لا تزال عالقة في ذهني، تتردد كصدى في كل زاوية من ذاكرتي. كان في صوته دفء الحياة الأفريقية، وشيء من الأمل الذي يجعل المرء قادرًا على مواجهة كل أهوال العالم.

 

وصلنا إلى كيب تاون. كانت المدينة نابضة بالحياة، لكن قلبي كان يضطرب بانتظار رؤية سوزان، زوجتي. لا أحد يعرف أنها زوجتي، على الأقل ليس في العلن. في نظر الجميع، أنا مجرد عبد أسود لا أستحقها، لا أستحق حبها، لكننا أحببنا بعضنا رغم كل شيء. 

 

لم أستطع فهم كيف يمكن للون بشرتي أن يجعلني أقل شأنًا في أعين الآخرين. هل الإنسان يولد عنصريًا؟ هل تلك الدماء الزرقاء التي يتفاخر بها البيض تجري حقًا في عروقهم، أم أن هذا كله مجرد كذبة لتعزيز تفوقهم؟ في النهاية، جميعنا بشر، دماؤنا حمراء.

 

لكن كل شيء تغير عندما وصلتني رسالة منها. كنت أترقب كلماتها، لكن ما قرأته قلب عالمي رأسًا على عقب. "لا تأتي. أهلي علموا بزواجنا ويريدون قتلك. لقد رفضت الزواج من أحد رجالهم، واعترفت لهم بأننا متزوجان. أبرحوني ضربًا، وهم الآن يبحثون عنك. إنهم يفتشون عنك في كل مكان. اهرب، اهرب بجلدك."

 

كانت الرسالة كالسهم في قلبي. شعرت أن كل ما بنيناه ينهار. أردت أن أكون معها، أن أحميها، لكنني كنت أعلم أن هذا قد يعني نهايتي. ورغم ذلك، لم يكن الهروب خيارًا بالنسبة لي. كان عليّ أن أذهب إليها.

 

بجانبي كان بلاك سيغاريت، صديقي الوحيد الذي يمكنني الاعتماد عليه في هذه اللحظة. نظرت إليه، ورأيت في عينيه ما كنت أخشاه: الخوف من النهاية.

 

قال لي بلاك بنبرة هادئة ولكن حازمة: "يبدو أن نهايتنا وشيكة، يا جون."

 

أجبته دون تردد: "اذهب إلى أمك، بلاك. هذا قدري، وليس قدرك".

 

لكنه لم يتراجع. ابتسم تلك الابتسامة التي طالما عرفتها، وقال: "ليس شاكا من يهرب من معركة. هذه معركتي أيضًا، لست أدري إن كانت الأخيرة، لكنني لن أتركك وحدك."

 

قررت أن أكتب رسالة إلى سوزان. كنت أعلم أن الكلمات لن تحمل كل ما بداخلي، لكنها كانت الوسيلة الوحيدة. "سأكون هناك، سنهرب معًا إلى مصر. اصمدي، أنا قادم."

 

لم أكن أدري إن كانت خطتي ستنجح، أو إن كنت سأراها مرة أخرى. لكنني كنت مصممًا. كنت أعلم أنني قد أخسر حياتي، لكنني لن أخسر حبي لها.

 

في الليلة التي قررنا فيها الهروب، كنا في منزل صغير على أطراف المدينة. كان البوير يلاحقوننا، يعرفون أن سوزان اختارتني، اختارت السواد على بياضهم المتعالي. لم يكن هذا شيئاً يغفرونه. أخبرنا بلاك أن الوقت قد حان، وأن علينا أن نتحرك قبل أن يجدونا. خرجنا تحت جنح الليل، كنت أمسك بيد سوزان وهي ترتجف، كنت أعلم أنها تكاد تموت من الفزع، لكنني كنت أحاول أن أكون قوياً لأجلها.

 

لم نكن قد قطعنا سوى أميال قليلة حين سمعنا صوت خطواتٍ وراءنا. التفتُّ لأرى الظلال تقترب، كانوا رجال البوير، بوجوههم القاسية وعيونهم المليئة بالكراهية. كان بلاك سيغاريت يعرف أنهم لن يتركونا نذهب بسلام. نظر إليّ وقال بهدوء: "اذهب أنت وسوزان، سأبقيهم مشغولين."

 

لم أستطع تركه، لكن بلاك كان مصمماً. دفعني بيده وقال بصوت مرتفع: "جون، ارحل الآن! حياتك وحياة سوزان أهم من حياتي."

 

بدأ بلاك سيغاريت يطلق النار باتجاههم بينما كنت أسحب سوزان ونركض بعيداً. كنت أسمع صوته، صرخاته، وأصوات الرصاص تتبادل في الهواء. لكنه كان واحداً، وهم كانوا كثيرين. ظللت أركض، لكن عقلي كان هناك معه، مع بلاك سيغاريت. كنا قد قطعنا مسافة حين توقفت فجأة. التفتُّ إلى الخلف، ولم أسمع شيئاً سوى الصمت.

 

عدت ببطء، تاركاً سوزان مختبئة بين الأشجار، وعدت إلى حيث تركت صديقي. وجدته مستلقياً على الأرض، جسده مغطى بالدماء، لكن ملامحه كانت هادئة. اقتربت منه، ركعت بجانبه، ولم أستطع كبح الدموع.

 

"بلاك..." همست، لكن بلاك لم يرد.

 

لقد مات وهو يحاول أن يمنحني حياةً جديدة، حياة مع سوزان، حياة بدون خوف. لكنه لن يرى تلك الحياة أبداً. نظرته الأخيرة كانت تحدياً للحياة والموت على حد سواء. كان يعرف أن النهاية قادمة، لكنه اختار أن يقاتل حتى اللحظة الأخيرة. مات لأن البوير لم يروا فينا إلا عبيداً، ومات لأن سوزان أحبتني رغم أنني من الزولو.

 

تركته هناك، وسط الرمال الجافة والسماء التي لم تبكِ، وعدت إلى سوزان. حملت معها ذكرى بلاك سيغاريت، ذلك الرجل الذي لم يكن يخشى الموت، لأنه كان يعرف أن حريتنا تستحق التضحية.

 

تابعنا طريقنا، لكن في كل خطوة كنت أشعر بثقل غياب بلاك. لم يكن فقط صديقي، كان أخي في الروح، وكان موته درساً قاسياً. لقد فقدت صديقاً، لكنه منحني شيئاً لا يقدر بثمن... فرصة للحياة.

 

لن أنسى أبدًا، ولن يغفر لي الزمن، لكني سأحمل ذكرى بلاك سيغاريت معي إلى الأبد.

 

النهاية

 

 

بقلم جون بيلي

ترجمة محمد فهد بنيان

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...