تحت ظلال شجرة كثيفة الأوراق، كان العندليب يشدو بأعذب الألحان، صوته ينزلق بين الأغصان كجدول رقراق، يتراقص معه الهواء ويتهامس حوله النسيم. لكن في لحظة خاطفة، اخترق صوته الحنون صوت مدوٍّ لطلقة نارية، تردد صداها بين الأغصان، مزّق السكون، وأعقبه سقوط مفاجئ. تهاوى العندليب كوريقة يابسة في مهب الريح، سقط على الأرض متألماً، جناحه يرتجف وساقه تنزف، لكن الطلقة لم تصبه في مقتل، لقد مسته بجانب ساقه فقط، غير أنها كانت كافية لإسقاطه أرضًا، عاجزًا عن الطيران، فريسة سهلة للقدر القادم.
أخذ العندليب يتلوى على الأرض، عينيه الواسعتين تجوبان الأفق بحثًا عن منقذ، عن معجزة قد تأتي من الغيب. لم يكن وحده، فهناك، فوق الغصن ذاته الذي سقط عنه، وقف طائر الوقواق يرمقه بنظرة باردة، لا مشاعر فيها، كأنما يرى حجراً لا كائناً حيًا ينزف. كان الوقواق متكئًا على الغصن، ينظر بتعالٍ، كأن المشهد لم يثر فيه شفقة ولا اكتراثًا.
بصوت متحشرج، قال العندليب مستغيثًا:
"أيها الوقواق! ألم ترَ ما حدث؟ ألا تمد لي يد العون؟ أرجوك، لا وقت لدينا، الصياد يقترب!"
ابتسم الوقواق بسخرية وقال بصوت خفيض، كمن يتلذذ بالموقف:
"لكن، ألم تخبرني منذ أيام أنك رأيت في منامك أنك تأكل الملح؟"
تجمّد العندليب لوهلة، عيناه تومضان بدهشة بين ألمه. قال بتوجع:
"بلى… لكن، ما علاقة هذا بما يحدث الآن؟ هذا ليس وقته، الصياد قادم!"
ضحك الوقواق بخفة وهز جناحيه وكأنه يهمّ بالطيران، ثم قال بتشفٍّ:
"إن تفسير حلمك واضح، يا مسكين، فأنت محسود ستنفق ميتًا ميتة لا يحسدك عليها أحد! أما علمتَ أن طيور الوقواق لا تساعد أحدًا؟ نحن لا نساعد إلا أنفسنا."
أحسّ العندليب بمرارة الحقيقة تنهال عليه أكثر من الألم نفسه. تذكر ما سمعه عن أنانية الوقواق، لكنه رفض تصديقه من قبل. والآن، وهو هنا، مستلقٍ على التراب، عاجزًا، أدرك أنه كان مخطئًا. تنهد بألم وقال، كأنه يخاطب نفسه أكثر من الوقواق:
"وإني لا أستحق سوى اللعنات، لأني وثقت بك… كم حذرتني الطيور من أنانيتك، لكني كنت أردد قول الشاعر:
يكذب فيك كل الناس قلبي
وتسمع فيك كل الناس أذني
وكم طافت علي ظلال شك
أقضّت مضجعي واستعبدتني"
لكن الوقواق لم يهتم، بل طار بعيدًا، تاركًا العندليب يواجه مصيره وحده.
لم يكن أمام العندليب سوى الأمل، ذلك الأمل الهش الذي يتمسك به كل من ضاق عليه الخناق. كانت خطوات الصياد تقترب، الأرض تهتز تحت وقع قدميه، ظلّه بدأ يمتد على العشب، والبندقية تلمع تحت أشعة الشمس.
ثم، فجأة، حدث شيء لم يكن في الحسبان!
من العدم، ومن بين الأغصان الداكنة، انقض غراب أسود كالفحم، جناحاه واسعتان، كأنهما ستاران للظلام نفسه. اندفع بسرعة البرق، وبحركة خاطفة التقط العندليب بين مخالبه، ثم ارتفع في السماء، مخترقًا الريح بقوة.
رفع الصياد بندقيته محاولًا التصويب، لكن الغراب كان أسرع من أن يدركه. استدار مبتعدًا، محلقًا نحو الأفق، صوته العميق يخرق الصمت، وقبل أن يختفي، قال للعندليب بصوت هادئ، أشبه بالريح الهامسة:
"ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكنت أظنها لا تفرج."
أحس العندليب بالهواء يلفح جناحيه الجريحين، شعر بحرارة الحياة تتدفق في عروقه من جديد، لكنه لم يصدق بعد ما حدث. أخذ يحدّق في الغراب بدهشة، يراقب ريشه الأسود يلمع تحت أشعة الشمس المتسللة من بين السحب. تنفس الصعداء، وهو لا يزال بين مخالبه، ثم قال بصوت ضعيف لكنه ممتلئ بالذهول:
"من أين أتى هذا الغراب؟! كان قدري أن أموت هكذا، وتفسير الحلم قال ذلك!"
ابتسم الغراب ابتسامة غامضة، وقال وهو يحلق نحو الأفق البعيد:
"الأحلام، أيها العندليب، ليست إلا ظلالًا لما يمكن أن يكون… وليس لما يجب أن يكون."
اختفى الاثنان في الأفق، تاركين خلفهما شجرة غادرها صوت العندليب، ووقواقًا لم يبق له سوى الصمت
النهاية.

