بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 24 ديسمبر 2016

نبوءة مردوخ :رحلة الهروب



 
 نبوءة مردوخ :رحلة الهروب

كان الملك مردوخ يجوب الطرقات مهزومًا ومنهكًا، ينظر حوله بحذر بعد أن خابت محاولته في الانقلاب ضد مملكة آشور. هرب من جحيم المواجهة مع القوات الآشورية، متجهًا نحو بلاد عيلام. وهو يسير في البراري، كان يفكر في نفسه: "كيف صدقت الإسرائليين والآراميين؟ والآن لا ملجأ لي سوى العيلاميين الذين حرضوني ضد سرجون الثاني. الطريق إلى عيلام شاق، والملك سرجون وضع جائزة لمن يقبض علي. هل سينتهي بي المطاف في السجن أم سأقتل لقاء خيانتي؟"

بينما كان مردوخ يتجول، كانت زاكوتو، الفتاة الآرامية الشابة، تقف بين مجموعة من الفتيات تنتظر دورها أمام قصر الملك سنحاريب. عيناها الجميلتان تراقبان المشهد حولها بقلق. كان الأمر الذي يشغلها الآن هو ما إذا كان الملك الآشوري سيختار فتاة آرامية لتكون محظيته، رغم أن الآراميين أعداء الآشوريين. مع كل فتاة تمر من أمام الحراس، كان الأمل يتضائل أو يشتعل من جديد في صدر زاكوتو، التي كانت تدرك أن اختياره لها قد يعني فرصة لتحسين حياتها وحياة عائلتها التي كانت تعاني من الفقر والذل.

في مكان آخر، كان حزائيل يجتمع مع ثلة من المعارضين في سرية تامة. كانت خططهم واضحة: التخلص من الملك برهدد الثاني، الذي أثار الغضب بين شعبه بسبب سياساته القاسية. كان حزائيل قد صمم على أن ينزلق كالثعبان في ظلمة الليل إلى مهجع الملك، متنكرًا في زي خادم، لينفذ خطته المتمثلة في خنق الملك أثناء نومه. وكان الشعب يعاني من حصار قاتل؛ حتى أن أحد المضطهدين في السوق صرخ بيأس وهو يبكي: "لقد بعت ابنتي الشابة مقابل شاة لأطعم عائلتي! متى ينتهي هذا العذاب؟"

في القصر الملكي الآشوري، كان الحكيم أحيقار يقف أمام الملك سنحاريب، الذي بدا غارقًا في أفكاره وهمومه. أحيقار، المعروف بدهائه ونصائحه السياسية الحاذقة، قال للملك: "إذا كنت تريد استعادة ثقة الشعب، عليك أن تجد عدوًا تشغلهم به. إن لم تجد عدوًا خارجيًا، سيجعلونك أنت العدو. انظر إلى الآراميين، رغم أنهم شعب متفرق إلا أنهم قد يجتمعون ضدنا."

فكر سنحاريب في كلام الحكيم، ثم أمر الكتبة أن ينحتوا في الصخور: "العدو على الأبواب"، ليبثوا الرعب في قلوب الناس. كما أمر بنشر الجواسيس في كل مكان ليزرعوا الهلع.

في مملكة السامرة، كان الملك أحاب بن عومري يجلس مع زوجته إيزابيلا في قصرهما. كانت إيزابيلا تتزين بأجمل حللها، تحاول أن تستميل الملك الذي بدا مشغولًا بأمر آخر. تحدث الملك أحاب بصوت خافت عن قلقه من محاولات برهدد الثاني لتوحيد الآراميين. لكن إيزابيلا، بدهائها المعروف، ابتسمت له وقالت: "لماذا تقلق يا ملكي؟ الأمر بسيط. دعنا نحرّض حزائيل ليقود انقلابًا ضد برهدد. ستكون تلك هي نهايتهم من الداخل."

همّ الملك أن يعترض، لكن إيزابيلا استمرت: "أي انقلاب يأتي من الداخل أفضل من حرب خارجية. دعهم يدمرون أنفسهم، وعندما يتدخل الآخرون، سيصنعون من أعدائك أبطالًا قوميّين." اقتنع أحاب بخطتها الداهية، ورسم في ذهنه صورة لما يمكن أن يحدث.

تداخلت مصائر الشخصيات في هذه الأحداث المتشابكة، كلٌ يسعى لتحقيق أهدافه، وسط عالم مضطرب ينذر بكوارث جديدة.


وفي مكان آخر، كان سعدون عبدالجبار، عالم الآثار العراقي، يقف وسط آثار آشور القديمة. تحت أشعة الشمس الحارقة، لاحظ سعدون لوحة حجرية مكتوبة بالآرامية. استدعى مساعده علي جاسم وقال: 

*"هذه اللوح قديمة وقيمة. يجب أن نأخذها إلى المعمل لفحصها."*

في المعمل، وضع سعدون اللوح على الطاولة وبدأ يفحصها بعناية. بعد أن قرب عدسته إلى الحروف، بدأ يقرأ: 

*"هرب الملك مردوخ، مغتصب الحكم، من يد العدالة إلى بلاد عيلام بعد أن حاول الانقلاب على سلطة آشور."*

سأل علي جاسم، متحمسًا: *"لِمَ توقفت يا أستاذ؟"*

لكن سعدون كان مشغولًا بالتفكير في الكلمات التي قرأها. اللوحة تحمل في طياتها أسرارًا عن الماضي، أسرارًا قد تفتح بابًا جديدًا لفهم التاريخ القديم.

وهكذا كانت الأحداث تتشابك بين الملوك والمؤامرات، بين الحكماء والخونة، حيث تلعب المصائر أدوارها

أخذ سعدون عبدالجبار نفسًا عميقًا وهو يمسح اللوح بعناية، ثم قربها من عدسته المكبرة. الحروف القديمة المنقوشة على الحجر بدأت تتكشف ببطء، وكأنها تستجيب لملامسته. كانت تلك اللحظة أشبه بلحظة اكتشافه لبوابة نحو الماضي، شيء لم يكن العالم الألماني العظيم **روبرت كولدفاي** قد لمسه أو حتى تخيل وجوده.

بدأت خيوط النص تتضح، ونظر سعدون بعينين واسعتين. **علي جاسم**، مساعده الثرثار، ربما أذاع خبر العثور على اللوحة بين أوساط المعنيين بالآثار، لكن ما لم يكن يعلمه أحد هو أن هذه النقوش تحمل أسرارًا لم تُكشف من قبل. **سعدون** كان متأكدًا أن أحدًا لم يفك رموز هذا اللوح من قبل، وكان يتساءل: هل هو بالفعل أمام اكتشاف سيغير فهمنا للتاريخ؟

عيناه لمعتا عندما بدأ يقرأ النص بينه وبين نفسه:

*"في اليوم الذي جثا فيه مردوخ على ركبتيه، أمام عرش الآلهة في مدينة آشور، كانت السماء تمطر نارًا. الملك الخائن، الذي تمرد على سلطة آشور، هرب من وجه الآلهة ليطلب حماية العيلاميين، لكن اللعنة لحقته... والسماء لم تغفر له...و سيصيب الارض التي يدنسها بقدماه اللعينتان زلازل و أعاصير"*

توقف سعدون للحظة، قلبه ينبض بسرعة. كان النص يحكي قصة معروفة، عن تمرد **الملك مردوخ** وهروبه بعد محاولته انقلابًا فاشلًا ضد مملكة آشور. لكن شيئًا ما كان مختلفًا في هذه النسخة؛ التفاصيل التي ظهرت في النص كانت تحمل طابعًا روحانيًا لم يظهر في أي من الروايات السابقة. تابع سعدون القراءة:

*"حينما دخل مردوخ إلى عيلام، كانت الأرض قد فقدت بركتها. لم ينبت الزرع، ولم يهنأ الماء. كل من سار على تلك الأرض سمع نداءً غريبًا، صوتًا خافتًا يحذرهم من غضب الآلهة..."*

بدأت الأفكار تتقافز في عقل سعدون. هذه ليست مجرد قصة تاريخية؛ النص يوحي بأن هناك لعنة ارتبطت بهروب مردوخ إلى عيلام، وأن تلك اللعنة قد أثرت على الأرض والشعب. كان من الممكن أن تكون هذه قصة رمزية، لكن طريقة النقش والتفاصيل الروحية جعلت سعدون يتساءل إن كان هناك شيء حقيقي خلف تلك الأسطورة.

لكن المفاجأة الأكبر كانت عندما وصل إلى السطر الأخير:

*"وسوف يعود مردوخ في آخر الزمان، حينما يُرفع هذا اللوح من بين الركام، ليعيد ترتيب ممالك البشر وفق إرادة الآلهة."*

تراجع سعدون عن اللوح، مدهوشًا. النص لم يكن فقط يحكي عن الماضي، بل تنبأ بحدث في المستقبل! لم يعرف سعدون كيف يتعامل مع هذا الكشف، لكن شيئًا ما بداخله كان يشعر بأن اللوحة التي اكتشفها ليست مجرد أثر تاريخي، بل قطعة من لغز أكبر.

أعاد النظر إلى اللوحة مرة أخرى، ثم قال بصوت خافت، وكأنه يحدث نفسه:

 "هل يمكن أن يكون هذا اللوح مرتبطًا بنبوءة؟ وهل أنا من يُفترض أن يكتشفها؟"

في تلك اللحظة، دخل **علي جاسم** إلى المختبر، وابتسامة مرتسمة على وجهه. "أستاذ سعدون، هل اكتشفت شيئًا جديدًا؟"

ابتسم سعدون بمرارة، وهو يعرف أن علي لا يستطيع الاحتفاظ بأي سر. "ربما يا علي، ربما. لكن ما وجدته هنا يجب أن يبقى سرًا لبعض الوقت."

لكن في أعماقه، كان يدرك أن اكتشافه لن يبقى سراً طويلاً.

سعدون جلس على مقعده، وأمامه اللوحة التي اكتشف أسرارها لتوه، محاولًا استيعاب ضخامة ما توصل إليه. في تلك اللحظة، لم يكن بإمكانه تجاهل حقيقة أن **علي جاسم**، رغم ولائه، كان ضعيفًا أمام فمه الثرثار وعواطفه تجاه فتاة تُدعى **سناء عبدالدائم**. كانت سناء معروفة في الأوساط القريبة من سعدون؛ فتاة ذات ملامح صارمة، بأنفها الروماني البارز، وعادةً ما تحشر أنفها في أمور لا تخصها. كانت تمتلك دهاءً غير عادي، وتحب الاستطلاع، خصوصًا في ما يتعلق بالاكتشافات الأثرية التي يقوم بها سعدون.

نظر سعدون إلى علي، الذي بدا متحمسًا كعادته، وسأله بنبرة هادئة لكن حذرة:  
"علي، هل أنت متأكد أنك لم تخبر أحدًا عن هذه اللوحة؟"  

ابتسم علي بخجل وأجاب:  
"لم أخبر أحدًا يا أستاذ، لكن... تعرف سناء، هي دائمًا ما تحاول معرفة ما أفعله."

تنهد سعدون وهو ينظر إلى علي، يعلم علم اليقين أن هذا الشاب مغرم بالفتاة الخطأ. سناء كانت تستخدم مشاعر علي لاستدراجه إلى ما تريده. **سناء عبدالدائم** ليست مجرد فتاة عادية؛ كانت ذكية، ماكرة، وذات قدرة على التلاعب بالآخرين، خصوصًا الرجال الضعفاء أمام جمالها ودهائها. لكنها لم تكن مهتمة بعلي؛ كانت تسعى فقط للحصول على معلومات.

قال سعدون بنبرة جادة:  
"علي، يجب أن تكون حذرًا مع سناء. لا يمكنك الوثوق بها، خاصة عندما يتعلق الأمر بأمور كهذه. اللوحة التي بين أيدينا قد تحمل أسرارًا لا يجب أن تخرج إلى العلن الآن."

علي، الذي كان قد اعتاد على نصائح سعدون، شعر ببعض الحرج. كان يدرك أن تعلقه بسناء قد يعرضه لمواقف محرجة أو خطيرة. حاول أن يدافع عنها:  
"لكن، يا أستاذ، سناء ليست سيئة كما تظن. هي فقط فضولية، وتحب أن تعرف كل جديد."

ابتسم سعدون بمرارة، ورفع حاجبيه وهو يقول:  
"فضولية؟ هذا هو المشكل بالضبط يا علي. فضولها قد يتسبب في مشاكل كبيرة لنا. هذه اللوحة ليست مجرد قطعة أثرية أخرى. ما قرأته للتو يغير الكثير من الأمور في تاريخنا القديم. لا أريد أن تقع هذه الأسرار في الأيدي الخطأ."

بدأ علي يشعر بثقل الكلمات، لكنه بقي صامتًا للحظة.  
سأل علي بتردد:  
"ما الذي توصلت إليه يا أستاذ؟ ما الذي يجعل هذه اللوحة مهمة إلى هذا الحد؟"

تردد سعدون للحظة قبل أن يشاركه جزءًا من اكتشافه، فقد كان يعلم أن علي لا يمكنه الاحتفاظ بأي سر لفترة طويلة. لكن ربما، إن أعطاه جزءًا بسيطًا من الحقيقة، فذلك قد يحد من فضوله ويمنعه من إفشاء التفاصيل الخطيرة. قال له:  
"اللوحة تتحدث عن الملك مردوخ وهروبه إلى عيلام، ولكن هناك شيء آخر... يبدو أن اللوحة تحتوي على نبوءة، نبوءة قديمة عن عودة مردوخ."

علي فتح عينيه على اتساعهما، مبهورًا بما يسمعه.  
"عودة مردوخ؟ ماذا يعني ذلك؟"

رد سعدون بصوت منخفض، وكأنه يخشى أن يسمعهم أحد:  
"لم أتوصل لكل شيء بعد، ولكن هذه اللوحة تتحدث عن لعنة ارتبطت بهروب مردوخ، وعن تأثيرها على الأرض والناس. وما يثير الدهشة أن هناك إشارة إلى أن مردوخ قد يعود في المستقبل."

صمت علي، يحاول استيعاب ما سمعه، بينما كان ذهنه يعود إلى سناء. رغم كل تحذيرات سعدون، كان علي يعلم أن سناء لن تكف عن البحث، وإذا عرفت عن اللوحة، فلن تتركه وشأنه حتى تحصل على كل التفاصيل.

سعدون، وهو يراقب ردود فعل علي، شعر بقلق متزايد. لقد رأى تلك النظرة في عينيه من قبل؛ كانت تلك النظرة تعني أن علي سيعود لسناء، وأن الأمور قد تأخذ منحى خطيرًا. 

استمر التوتر في الجو، وعلي يجلس على حافة المقعد، مشوشًا بين حديث سعدون وذكرياته مع سناء. الفكرة بأن مردوخ، الملك الأسطوري، قد يعود من جديد، كانت تثير فيه شعورًا من القلق. ماذا يعني ذلك للعالم؟ وماذا يعني له شخصيًا؟

"هل يمكن أن تكون النبوءة حقيقية؟" تساءل علي، مشدودًا إلى كل كلمة يتفوه بها سعدون. "كيف يمكن أن نعرف؟"

"النبوءات دائمًا تحمل معاني متعددة، وعادة ما تعتمد على من يقرأها"، رد سعدون، ثم أضاف بجدية، "لكن في حالتنا، من الواضح أن هناك شيئًا أكبر من مجرد أسطورة. وإذا كانت سناء تبحث عن اللوحة، فقد تكتشف أشياء لا نريد أن نعرفها."

كان علي يعلم أن سعدون محق. سناء كانت متمسكة بشغفها، ورغبتها في استكشاف الأسرار قد تدفعها إلى المخاطرة. "يجب أن أراها"، قرر بصوت خافت. "لا يمكنني تركها وحدها في هذا."

سعدون، وهو يعرف تمامًا ما يدور في ذهن علي، قال: "كن حذرًا، علي. سناء ليست كما تبدو. هناك شيء مظلم يخيم على بحثها، وقد يكون من الصعب عليك الانسحاب بمجرد أن تتورط."

أومأ علي برأسه، لكنه كان متأكدًا من أنه لا يستطيع الابتعاد. "سأحاول أن أكون حذرًا، لكنني أحتاج إلى معرفة المزيد عن هذه النبوءة. إذا كان هناك خطر، أريد أن أكون مستعدًا."

لكن الأستاذ سعدون رد بجدية: "ينبغي أن أذهب إلى الصحراء حتى أوقف حدوث الكارثة. النبوءة قد تتحقق، وستشمل العالم كله. علينا أن نفعل شيئًا."

كسر علي جاسم الصمت قائلاً: "الصحراء في تموز..."

أجاب الأستاذ سعدون عبدالجبار: "الأمر لا يستدعي التأجيل. علي، يجب أن أذهب مهما حصل. اليوم سأغادر... وقبل أن أذهب، لا تخبر أحدًا، ولا سيما سناء وأيضًا ابنتي آية."

كان الغموض يحيط بحديثهم، وكان كل منهم يشعر بثقل المسؤولية. أدرك علي أن الأمر أكبر مما توقع، وأن على الجميع الاستعداد لمواجهة ما قد يأتي.

في تلك اللحظة، اختلط القلق مع الإصرار على تغيير المسار، وبدأت الأفكار تدور في ذهن علي حول ما يمكن أن يفعله لمساعدة الأستاذ وتفادي الكارثة المحتملة.

 في شارع المتنبي في بغداد السبعينات ، بين كومات الكتب التي أصبحت كأنها تلال وضعت على الأرصفة، كانت الحياة تدبّ في أجواء المكان. تلاشت الأصوات بين رواد المقاهي والباعة الذين كانوا يرددون أسماء الكتب والمؤلفين، مما أضفى طابعًا حيويًا على الشارع.


كانت آية سعدون، ابنة عالم الآثار الذي اكتشف لوح "عودة مردوخ"، تتجول بين الأكشاك. توقفت عند أحد الباعة لتشتري كتابًا، لكنها لاحظت علي جاسم بجانب فتاة حسناء ترتدي ملابس تدل على موضة السبعينات، وقد عرفت أنها سناء عبد الدايم. كانت آية قد سمعت من والدها أنها تسعى للحصول على اللوح، وأنها تتعامل مع جهات أجنبية، مما أثار فضولها.

بينما كانت تتأمل المنظر، أدركت أن أصوات الباعة ترتفع حولها، وكأنها تمزق خيوط تفكيرها. اقتربت بخطوات حذرة، وكلما اقتربت، كانت الكلمات التي حفظتها من شعر المتنبي تتردد في ذهنها:

"ملاعب جنة لو سار فيها سليمان لسار بترجمان."

تركت هذه الأبيات أثرًا في عقلها لأن المكان يوحي بهذا فهي لا تكاد تفقه قولا من احد لكثرة الثرثرة، غير انها تشعر بوجود علاقة غامضة تربطها بكل ما يدور حولها. كانت ترغب في معرفة المزيد عن ذلك الحوار الذي يجمع بين سناء الماكرة و علي الثرثار.


استمعت سناء إلى كلمات متقطعة، كانت تصلها عبر ضوضاء الشارع. سمعت علي جاسم يقول: "الأستاذ سعدون عبدالجبار يريد عدم التصريح بالاكتشاف، وسيذهب إلى الصحراء." نظرت سناء إليه بعبوس، وأجابت بحماس: "لابد أنه جن هذا الرجل الخرف... يا علي، يجب أن نستفيد ونحصل على اللوح منه بأي طريقة، حتى لو كان الثمن...".

لكن صوتها انقطع فجأة. كان الزبائن يتزاحمون حول الأكشاك، مما حال بينها وبين سماع المزيد. شعرت كأنها غرقت في موج من البشر، وبدت تلك الكلمات تتلاشى في ضجيج الحياة اليومية في شارع المتنبي.

آية، التي كانت تراقب المشهد عن كثب، شعرت بالتوتر يزداد. كانت تريد الاقتراب، لكن الفوضى المحيطة بها جعلت الأمر صعبًا. كان في قلبها شعور بأن هناك شيئًا أكبر يحدث، وأن هذه الكلمات قد تكون بداية لصراع قد يأخذ منحى خطيرًا.

بينما كان الشارع يعج بالحياة، كانت آية تراقب بعين فاحصة، مستعدة للانخراط في الأحداث التي قد تغير مسار حياتها فلابد من أن تنقذ ابيها من براثن المؤامرات التي تحاك ضده.

تأهب  سعدون عبدالجبار للمضي نحو الصحراء، متجهًا إلى البصرة. كان يعرف أن بلاد عيلام تقع في الأهواز، وكان يعتقد أن سوسة، مدينة مردوخ، هي مقصده. لكن هناك شيء ما أوقفه، فقد وجد لوحًا يحتوي على أسماء ملوك آخرين. تساءل في نفسه: ما علاقتهم بعودة مردوخ؟ كان يشعر بأنه ينطلق في بحث عن أمر يبدو بلا معنى.

دارت في ذهنه أفكار متناقضة: هل يجب أن يعيد اللوح إلى مكانه أم يحطمه؟ كان اللوح يحتوي على لغز غريب، مما زاد من حيرته. هنا، قرر عدم الذهاب، لكن فجأة سمع صوتًا غريبًا يهمس في أذنه: "دغري ضيلاني... دغري ضيلاني..."

فكر في نفسه، هذه اللغة أشورية، وقام واقفًا مستفسرًا: "من أنت الذي تريدني أن أبحث عنك؟"

قطع عليه تفكيره صوت طرقات الباب. إنها آية، التي بدت متعبة وكأنها لا تكاد تلقط أنفاسها. قالت بقلق: "لا تذهب إلى الصحراء، هناك من يريد الفتك بك!"

تجمدت أفكار سعدون للحظة، وشعر بقلق يزحف إلى قلبه. كان ينظر إلى آية، التي عكست في عينيها خوفًا عميقًا، وبدأ يفكر في ما يمكن أن يخبئه المستقبل. هل كان يجب عليه أن يستمع لتحذيراتها، أم أنه سيستمر في بحثه عن الحقيقة الغامضة التي تمثلها تلك الألواح؟

 قالت آية لوالدها، وهي تمتاز من الغيظ: "يا أبي، عليك أن تسلم اللوح للمتحف العراقي. ليس من المعقول أن تبقيه لديك، أنت في خطر! لقد أدخلتنا في دوامة لا نهاية لها!"

رد الأب، الذي لا زال محافظًا على رزانته: "يا ابنتي، ثمة صوت استدعاني... لابد أن أخلص مردوخ من سجنه. إنه مسجون في الماضي ويريد التحرر، وتلك الفتاة زاكوتو تحتاج إليّ، وعليّ أن أقطع أحبال مؤامرات حزائيل، وأعاضد سنحاريب، ولا أسمح بأن يقع احتقار فريسة بين براثن، ابن أخيه."

نظرت إليه آية مشدوهة، تكاد لا تصدق ما تسمعه: "هل أنت جاد، يا أبتي؟ هذه شخصيات في الماضي، لقد ماتت وشبعت موتًا! أبي، عليك أن تفيق! هل أنت عالم آثار أم روائي؟ يجب أن أتصل بدكتور صباح، عليه أن يأتي ويُفيدني... الخطر محدق بك، وأنت بين ليلة وضحاها أصبحت روائيًا!"

تسارعت نبضات قلب آية وهي تتخيل ما يمكن أن يحدث إذا استمر والدها في هذه الأفكار. كانت تخشى أن يجره ذلك إلى ما لا يحمد عقباه، وتفكر في كيفية مساعدته قبل أن تتدهور الأمور أكثر.

 اتصلت آية بعيادة الدكتور صباح الحكيم على عجل، كانت أنفاسها متلاحقة ويدها ترتعش وهي تنتظر الرد. جاءها صوت السكرتيرة الناعم والمفعم بالدلال: "مرحبا، كيف أساعدك؟"

قالت آية بسرعة ونبرة قلقة: "قولي للدكتور أن يخابرني فورًا، لدي ظرف طارئ!" ولكن صوت السكرتيرة الهادئ والمستفز زاد من توتر آية، خصوصًا أنها كانت تغار منها سرًا. آية كانت معجبة بالدكتور صباح، الطبيب النفسي الذي درس في الاتحاد السوفيتي، وقضى فترة في مستشفى هيرزن للطب النفسي في موسكو.

آية كانت تحلم بأن تخرج مع الدكتور صباح إلى شارع الرشيد، تتخيله يمسك بيدها بين أزقة بغداد القديمة. كانت مفتونة بمبانيها العتيقة وتراثها التاريخي. رغم أنها كانت تعرف أنه رجل جاد، قليل الكلام ولا يجيد الغزل، إلا أنها تمنّت في خيالها لو قال لها شيئًا، حتى لو كان مجرد جملة بسيطة مثل: "أنتِ أجمل من الإبر والحقن، وأخف من الإنفلونزا والزكام."

بينما كانت شاردة في أحلامها، تتبسم لوحدها، سمعت صوت الباب يُفتح. نظرت حولها بسرعة، لكن لم ترَ أحدًا في الغرفة. جرت إلى الشرفة بفزع، ونظرت إلى الشارع. رأت والدها سعدون يركب سيارته "لادا" الحمراء الداكنة. شعرت بالفزع يتزايد في قلبها. "لابد أنه مصمم على الذهاب إلى الصحراء!"، قالت لنفسها وهي تشعر بالعجز.

في تلك اللحظة، كانت تتساءل أين الدكتور صباح، الذي يبدو بطيئًا كالسلحفاة، بينما والدها يسرع نحو مصير مجهول.

على متن مركب هادئ في نهر دجلة، كانت الأمواج تتمايل برفق، تصاحبها أصوات المياه التي تتكسر أسفل الجسور المكتظة بالسيارات. فجأة، فتحت سناء فاها بكلمات أثارت دهشة علي وخلطت أفكاره، حتى كاد أن يسقط من المركب. قالت له بكل غنج ودلال: "إذا تريد الارتباط بي، مهري لوح مردوخ..."

نظر علي إليها غير مصدق، وصوته يتهدج: "لا أصدق... أكاد أجن!"

تمتمت سناء في نفسها بسخرية مكتومة: "اجلب اللوح، ثم جن كما تريد... أنت لا تعلم أن اللوح أغلى ثمنًا منك بكثير... أنا سناء عبدالدايم، أتزوج علاوي؟"

أما علي، فكانت عيناه تتفحصان وجهها بشغف، تعبيرات وجهه مزيج من الرغبة والشبق. قال بحماس شديد: "اعتبري من الآن اللوح بين يديك... حتى لو كلفني الأمر حياتي."

ابتسمت سناء بخبث وأفكارها تدور في رأسها: "هكذا تجعلني أحبك أكثر... أخشى من حبي لك أن أموت!"

ضحكت ضحكة صفراء، فيما هو يرد باندفاع: "بعيد الشر عنك..."

 عند محطة وقود، توقف سعدون عبدالجبار، عالم الآثار الذي أصر على اتباع النداء الغريب الذي وصله. بينما كان ينتظر في المحطة، أخرج اللوح من صندوق حديدي عليه قفل كان موضوعًا على مقعد الراكب بجانبه. مسح الغبار عنه، ثم لبس نظارته للقراءة. بدأت الكلمات المنقوشة على اللوح تشد انتباهه.

قرأ بصوت منخفض: "زوكوتو، ملكة آشور، تزوجت سنحاريب وأنجبت له أسرحدون. كانت جارية عند الملك، لكن عندما أعجب بها تزوجها وجعلها السيدة الأولى في آشور، وتغير اسمها إلى نقية. تُعتبر نقية أكثر امرأة مؤثرة في التاريخ الآشوري."

أثناء قراءته، توقف فجأة. اسم "نقية" أعاد له ذكرى قديمة، لكنه لم يستطع أن يحدد تمامًا أين قابل تلك المرأة التي ذكرتها. كان يتذكر غموضًا يحيط بها، لكنها نسيته. قطع العامل حبل أفكاره، يسأله عن الأجرة. دفع سعدون المال بسرعة، ثم عاد إلى أفكاره.

تساءل في نفسه: "هل قابلتها في المكتبة العامة عندما كان طالبًا في جامعة بغداد؟" حاول استرجاع ملامحها، لكنه لم يستطع. الذاكرة خانته. حتى لو تذكرها، لم يكن متأكدًا من علاقتها بزوكوتو.

لكنه تذكر شيئًا آخر. تلك المرأة قالت له ذات مرة: "إنها تهتم بالكتابة عن زوكوتو، وتعرف أكثر مما يظهر عن أخبارها... وتعرف من أين أتت."

شعر سعدون بأن هناك لغزًا يحيط بنقية، وربما تكون هي مفتاح السر. همس لنفسه: "مفتاح السر عند نقية..."

 قرر سعدون عبدالجبار أن يغير وجهته. بدلاً من التوجه إلى البيداء، اختار العودة إلى جامعة بغداد للبحث عن زميلته القديمة، نقية، التي كانت في قسم الآثار. بدأت الذكريات تتدفق إلى ذهنه مثل حبات الفشار التي تتطاير في الهواء. كانت نقية جميلة، رقيقة، ذات صوت عذب، ومثقفة بدرجة عالية. تساءل كيف يمكن أن يختفي شخص كهذا من ذاكرته.

عندما سأل عنها في الجامعة، كانت الصدمة أكبر. قيل له إنه لا توجد فتاة بهذا الاسم في قسم الآثار، ولم تدخل الجامعة أبداً. شعر بالانزعاج والحيرة، وقال بصوت مضطرب: "أين ذهبت؟ هل تلاشت؟ أنا متأكد أني التقيت بها."



في الوقت نفسه، كان صباح الحكيم يجلس بجانب آية سعدون في الحافلة العمومية. نظر إليها مستغربًا وسأل: "لماذا لم تدعيني آتي اليك بسيارتي؟"

أجابته آية بنبرة ساخرة: "أترك السكرتيرة تركبها بدلاً مني؟"

ابتسم صباح وقال: "هذا ليس وقت الضحك، أين والدك؟"

تنهدت آية قليلاً، ثم قالت بعد تفكير: "أعتقد أنه في الصحراء، يبحث عن مردوخ."

تفاجأ صباح وقال مستغربًا: "مردوخ؟ هل عليّ أن أنظف أذني؟ هل ما أسمعه صحيح؟ مردوخ شخصية قديمة، أعتقد أنه كان إلهًا."

أجابت آية: "لا، إنه الملك مردوخ الهارب إلى بلاد عيلام... سمع صوته يناديه، ويريد أن يطلق سراحه لأنه سجين في الماضي. و لديه نبوءة تحتم عودته"

هز صباح رأسه بشيء من الارتباك وقال: "كف عن المزاح! هل بعد هذا العمر يجن عالم الآثار الكبير، صاحب المؤلفات واللقاءات الصحفية؟"

ردت آية بحزن: "صدقني، هذا ما حصل، ولم أتصل بك إلا لتساعدني وتنقذه."

استمرت الحافلة في التجول عبر الطرقات والشوارع، وصدحت من إحدى النوافذ أغنية شحرورة العراق، عفيفة إسكندر، التي تردد كلماتها: "جوز منهم ولا تعاتبهم بعد... جوز."

في تلك اللحظة، شعرت آية بأن الزمن يتلاعب بها وبوالدها، وكأن كل شيء أصبح جزءًا من أحجية لا تجد حلها.

 في مكتب سعدون جبار الكائن في شارع الرشيد، كان علي جاسم ينقب بين الأدراج بحثًا عن اللوح الصخري. وهو يهمس لنفسه بتوتر: "يبدو أن الأستاذ سعدون لا يريد لي أن أتزوج هذه الحسناء، سناء عبدالدايم. يحكي لي قصصًا عن الآثار والتاريخ، وينسى أو يتناسى أن الحب هو الذي يصنع التاريخ والحضارات. من دون الحب، هل كنا سنعرف كليوباترا و انطونيو؟ هل كان علي جاسم سيعرف سناء عبدالدايم؟ هذه قصة تستحق أن تُكتب في التاريخ...مهرها لوح صخري!"

بينما هو منهمك في البحث، دخل صباح الحكيم برفقة آية سعدون. نظرا إليه بشك، فسألت آية بحزم: "ماذا تفعل هنا؟"

تلعثم علي في كلامه وتمتم: "أ... أنا... أنظف المكتب." أخذ فوطة من على المكتب وبدأ بمسح سطحه متظاهرًا بأنه ينظف.

نظرت إليه آية بحدة وسألته: "هل رأيت أبي اليوم؟"

هز علي رأسه بالنفي وأجاب: "لا."

قال صباح بنبرة حازمة: "ألم يذهب إلى الصحراء؟"

أنكر علي معرفته بذلك، قائلًا: "أي صحراء؟ الطقس حار، من يذهب إلى الصحراء في هذه الأيام ونحن في شهر تموز؟"

نظرت آية إليه بنظرة حادة وقالت بصرامة: "اسمع! أنت تعمل معه، وإذا حدث له مكروه فأنت المسؤول. والآن، عليك أن تأتي معنا للبحث عنه."

شعر علي جاسم أنه وقع في معضلة حقيقية.  يجب عليه أن يبحث عن أستاذه سعدون، وفي الوقت نفسه، كانت سناء تنتظر منه الوفاء بوعده وإحضار اللوح الصخري، مهرها الذي كان حاسمًا في علاقتهما.

 خرج الأستاذ سعدون عبدالجبار من الجامعة هائمًا، لا يدري إلى أين يتجه. هل يسير نحو بلاد عيلام التاريخية، في إيران حاليًا، أم يعود للبحث عن زميلته نقية التي كانت تعرف عن زوكوتو النبيلة الجميلة مكانها و قصتها؟ قرر العودة إلى مكتبه عسى أن يجد في أوراقه القديمة شيئًا يرشد عن زميلته. وما إن وصل إلى عتبة مكتبه حتى ظهرت له سناء عبدالدايم، تتغنج وتحاول إغواءه.

قالت له بابتسامة خبيثة: "أخيرًا، لقاء الجبابرة... تتهرب مني وتترك وسيطًا بيننا!" كانت نظراتها تتفحصه من رأسه إلى قدميه، تتعمد استفزازه.

تنهّد الأستاذ سعدون وقال بجدية: "صدق أحيقار الحكيم حين قال: 'يا بنيّ، لا ترفع عينيك إلى امرأة متبرّجة متكحّلة، ولا تشتهيها بقلبك، فإنّك إن أعطيتها كلّ ما ملكت يداك لن تجد فيها خيرًا وتقترف إثمًا أمام الله.'"

ضحكت سناء بنبرة متهكمة: "أترى في نفسك النبي يوسف بعد هذا العمر؟ وتراني زليخة؟ هل أحضرت السكين لأقطع يدي من جمالك؟"

تغيرت ملامح سعدون إلى الغضب، وصرخ: "ماذا تريدين الآن؟ ليس لدي لوح! لقد خدعك من أسر لك بذلك!"

نظرت إليه سناء بتحدٍ وقالت: "هل ذكرتُ اللوح؟ لا أعتقد أنني فعلت... يبدو أن لديك أمرًا تخفيه عني. دعني أرى..."

أمسك سعدون بالصندوق بقوة، وارتبك للحظة. ثم قال بحزم وهو يدخل المكتب: "لا تدخلي! أنتِ غير مرحب بكِ هنا، وإن فعلتِ، سأخاطب الشرطة."

رأى في عينيها نواياها الخبيثة، لكنه لم يكن لديه وقت للتلاعب. كانت المواجهة وشيكة، ولوح مردوخ قد يصبح محورًا لصراع أكبر مما يتخيل.

 

بينما كانت السيارة تشق طريقها نحو بغداد، جلس علي جاسم في المقعد الخلفي متوترًا، يشعر وكأن الوقت يمر دون جدوى. نظر إلى الساعة بقلق، ثم قال بصوت ملؤه الإحباط:
"أشعر وكأنني مختطف. أربع ساعات إلى البصرة، وأربع ساعات أخرى للعودة، ثماني ساعات ضاعت من عمري هباءً. أخبرتكما، لا أعرف شيئًا عن الأستاذ."

في المقعد الأمامي، كانت آية تراقب علي من المرآة الجانبية. بدا عليها الاستياء، ثم فجأة تحدثت بصوت بارد:
"سمعت حوارك مع سناء في شارع المتنبي. كنت قريبة منكما، وتسربت كلماتكما إلي."

وقع هذا الكلام على علي كالصاعقة، فتوقف للحظة قبل أن يرد مدافعًا:
"كان حديثًا عابرًا بين أصدقاء... والتجسس مذموم."

آية، وقد بدا الغضب واضحًا في صوتها، استدارت قليلاً وقالت بحدة:
"من تظن نفسك؟ من أنت حتى أتجسس عليك؟"

في تلك اللحظة، تدخل الدكتور صباح الذي كان يقود السيارة، محاولًا تهدئة التوتر المتصاعد:
"وصلنا بغداد. نذهب إلى مكتب الأستاذ، ربما نجده هناك."

لكن آية لم تهدأ بعد. قالت بنبرة متعجرفة:
"ألا تسمع ما يقول؟"

أما علي، فقد رد بحزم وهدوء:
"الحق لابد أن يقال."

كان الجو مشحونًا، والعلاقات بين الركاب توحي بأنها أوهى من شبكة العنكبوت. كان علي يشعر بالخذلان، وعرف في تلك اللحظة أن الأمور تتجه نحو ما هو أسوأ. العلاقات البشرية، كما يراها، تتحول بسرعة؛ فالصديق اليوم قد يصبح عدواً غداً.

 وصلت السيارة إلى بغداد تحت سماء ملبدة بالغيوم، وكأن المدينة نفسها تحذرهم من شيء قادم. كانت الشوارع مزدحمة، والناس يسيرون مسرعين في كل الاتجاهات، غير مدركين للعاصفة التي تعصف في داخل سيارة علي ورفاقه. توقف الدكتور صباح أمام مبنى قديم يقع على زاوية هادئة، حيث كان مكتب الأستاذ سعدون.

نزلوا مسرعين قاصدين المكتب، لكنهم وجدوا الأستاذ يحتسي فنجانًا من القهوة، وأسطوانة ناظم الغزالي تصدح في المكان بأغنية "حيك بابا حيك".

قالت آية، بلهجة ملؤها القلق: "أبي، أنت هنا ونحن نبحث عنك..."

رد الأستاذ سعدون ببرود، دون أن يرفع عينيه عن الأوراق: "لقد غيرت رأيي وألغيت رحلة الصحراء. تعالي يا آية، ابحثي معي عن امرأة تدعى نقية..."

استغربت آية من رده، ثم قالت بصوت متأثر: 

"يا صباح، اعمل شيئًا..." وتوجهت إلى الأستاذ سعدون، مؤكدة: "يا أبتي، أنت تعلم أن نقية العدل ماتت منذ عشرين سنة، وأنت دفنتها..."

بكت آية بكاءً مريرًا، بينما تقدم الدكتور صباح نحو الأستاذ سعدون، محاولًا التعمق في مشاعره. كان الأستاذ غارقًا في البحث داخل الأوراق التي على مكتبه، وعلي يحاول البحث مع الأستاذ في الوقت نفسه. ثم قال صباح بصوت هادئ: "يا أستاذ سعدون، نحتاج أن نجلس سويًا دون وجود أحد..."

كان الجو مشحونًا بالتوتر، وكل شخصية تتأمل في قرارها، وكأنهم على أعتاب حقيقة مؤلمة قد تنكشف.

 قال الدكتور صباح الحكيم للأستاذ سعدون عبدالجبار بنبرة مترددة:

 "يبدو أن الأمر مهم للغاية، والنبوءة قد تتحقق... لكن يا أستاذ، أنت من رجال العلم، كيف تصدق هذه الخزعبلات؟"

رد الأستاذ سعدون بنبرة واثقة ومشحونة بالتجارب: 

"أنا أعمل في هذا المجال منذ عشرات السنين، وأعرف تمامًا ما أقول. العلم وحده لا يكفي لتفسير كل شيء. هناك أمور أخرى تتجاوز قدراته، يجب أن نؤمن بها ونتشبث بأهدابها. الحياة ليست محكومة بقانون واحد، بل هي مجموعة من القوى والعوامل التي تتضافر لتحرك هذا العالم. إيماني بنبوءة مردوخ لم يأتِ اعتباطًا، بل هو نتيجة إيمان عميق بأن البشر بحاجة إلى الإيمان بشيء ما، شيء يعطيهم معنى وهدفًا."


توقف الدكتور صباح لبرهة، ثم قال بتفكير عميق: 

"ما تقوله قد يحتمل الصواب. هناك أمور في الحياة تتجاوز حدود العلم والمنطق، وربما تكون هذه النبوءة واحدة منها."


قال الأستاذ سعدون عبدالجبار بنبرة هادئة لكنها تحمل عمقًا علميًا ورؤية أوسع: "يا دكتور صباح، قد تبدو لك النبوءات مثل خزعبلات في ظاهرها، لكن ما أتعامل معه هنا ليس مجرد خرافات شعبية. أنا أدرس هذا المجال منذ سنوات طويلة، وأفهم أن العلم وحده لا يمكنه تفسير كل شيء. العلم يعطينا إجابات دقيقة حول آليات عمل الكون، لكنه لا يفسر دومًا الدوافع والمعاني الكامنة خلف هذه الظواهر. البشر بحاجة إلى ما هو أعمق من الحقائق المادية. نحن نعيش في عالم تحكمه قوى متعددة الأبعاد، بعضها مادي وبعضها معنوي وروحي. ولذلك، إيماني بنبوءة مردوخ ليس اعتباطيًا، بل ينبع من وعي علمي وفلسفي بأن الإنسان يحتاج دائمًا إلى أن يؤمن بشيء أكبر منه."

توقف قليلاً، ثم أضاف بحسم: "خذ على سبيل المثال نظرية العود الأبدي للفيلسوف نيتشه. قد يعتقد البعض أنها مجرد فكرة ميتافيزيقية، غير قابلة للتحقيق. لكن من قال إن ما هو ميتافيزيقي غير قابل للتطبيق في الواقع؟ نيتشه لم يكن يتحدث فقط عن تكرار الزمن بمعناه الحرفي، بل كان يشير إلى دور الإرادة والقوة في إعادة تشكيل العالم. وربما، بطريقة ما، يمكن أن تكون نبوءة مردوخ تجسيدًا عمليًا لفكرة نيتشه. من يدري؟ قد تكون هذه النبوءة ليست مجرد تصور تاريخي قديم، بل تطبيقًا لفلسفة معقدة تسعى لفهم أعمق لدور الإنسان في الكون."

 

ابتسم الدكتور صباح الحكيم بهدوء، ثم قال: "أستاذ سعدون، لا أنكر أن لكلماتك بُعدًا فلسفيًا عميقًا، وربما يتجاوز ما يستطيع العقل العلمي التقليدي استيعابه بسهولة. ولكن اسمح لي أن أضع المسألة في إطار علم النفس، الذي يختص بدراسة أعماق النفس البشرية وتعقيداتها. البشر بطبيعتهم يسعون لإيجاد معنى لحياتهم، شيء أكبر من وجودهم المادي. إنها حاجة نفسية نشترك فيها جميعًا، ما يعرف في علم النفس بـ'السرديات الكبرى'، التي تمنح الأفراد هدفًا واتجاهًا في هذا العالم المليء بالتناقضات."

توقف لحظة، ثم استأنف حديثه بصوت يحمل لمسة من التأمل: "إذا نظرنا من منظور علم النفس الغربي، ما تتحدث عنه قد يكون ما نطلق عليه 'الرموز الروحية' أو 'الميثولوجيا النفسية'. كارل يونغ، على سبيل المثال، كان يرى أن الأساطير والنبوءات ليست مجرد قصص، بل هي تعبير عن صور نفسية عميقة داخل اللاوعي الجمعي للبشر. النبوءات قد لا تتحقق حرفيًا، لكنها تلبي حاجة الإنسان إلى إيجاد نظام أو معنى في الكون الفوضوي الذي يعيش فيه. وهذا يتقاطع مع ما ذكرته عن العودة الأبدية لنيتشه؛ فكرة ليست بالضرورة واقعية، لكنها تجسد تلك الرغبة الداخلية في الاستمرارية والخلود.

"رفع عينيه نحو سعدون"، وأضاف بجدية:

ومع ذلك، لا يمكننا تجاهل تحذيرات الفلسفات الغربية الحديثة من الانغماس في هذا النوع من التفكير. الفلاسفة الوجوديون، مثل سارتر وكامو، دعوا إلى مواجهة عبثية الوجود بشجاعة، وبدلاً من البحث عن المعنى في نبوءات أو قوى خارجية، يرون أن الإنسان هو من يصنع معنى حياته بيديه. هم يقولون: لسنا بحاجة إلى نبوءة تمنحنا هدفًا، بل نحن من نخلق هدفنا، نصنع الحقيقة الخاصة بنا وسط هذا العبث."

رد الأستاذ سعدون عبدالجبار بعصبية واضحة، مما جعل نبرته تتسم بالحماسة: "دكتور صباح، صحيح أن العلم والفلسفة يقدمون لنا رؤى مهمة حول النفس البشرية، لكن يجب أن نتذكر أن الدين يمثل عنصرًا أساسيًا في حياة البشر. الإيمان ليس مجرد خيار؛ إنه ضرورة. في الأوقات الصعبة، عندما تواجهنا مصائب أو تحديات، يكون الإيمان هو المنجاة، وهو الحصن الذي نستند إليه. الدين يمنح الناس القدرة على التحمل، ويعطيهم شعورًا بالأمل والهدف في خضم الفوضى."

استند إلى مقاربته العلمية ليعزز فكرته: "الدين يعزز الصحة النفسية، وقد أثبتت الدراسات النفسية أن الأفراد الذين يتمتعون بإيمان قوي هم أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والتعامل مع الضغوط. الإيمان يوفر لهم دعمًا معنويًا ويعزز من قدرتهم على التكيف مع التحديات. عندما يشعر الإنسان بأنه جزء من شيء أكبر، يشعر بالأمان والطمأنينة."

أضاف بمزيد من الإقناع: "والأهم من ذلك، الدين يضع أسسًا أخلاقية وثوابت قيمية تساعد الناس على اتخاذ القرارات الصحيحة في حياتهم. الإيمان يُعلمنا كيفية التعامل مع أنفسنا ومع الآخرين بطريقة تعزز المحبة والتعاطف. في نهاية المطاف، لا يمكننا إنكار أن الإيمان بالله، وما ينطوي عليه من أمل ورجاء، هو ما يربط بين الناس ويعطي حياتهم معنى عميقًا. لذا، نحن بحاجة إلى هذا الإيمان كجزء من رحلتنا في الحياة، لنواجه التحديات ونجد السكينة في أعماقنا."

 

رد الدكتور صباح الحكيم بنبرة هادئة لكن حازمة، محاولًا إعادة تركيز الحديث: "هون عليك، أستاذ سعدون، يبدو أنك تضيع الموضوع. نحن هنا لمناقشة فكرة نبوءة مردوخ، وليس لتحديد أهمية الدين أو الإيمان. من المهم أن نفهم ما هي هذه النبوءة، كيف يُمكن أن تتحقق، وأين يمكن أن تحدث. هل لديك معلومات دقيقة عن ذلك؟"

ثم أضاف بتحدٍ: "هل أصبحت نبيًا يوحى إليه، لتدعي أنك تعرف كل هذه التفاصيل؟ في النهاية، نحن بحاجة إلى أدلة واضحة، واستنتاجات منطقية. النبوءات، بغض النظر عن مصدرها، تحتاج إلى سياق وتفسير علمي يُعزز من مصداقيتها. لن نتمكن من التقدم في نقاشنا إلا إذا أعدنا تقييم هذه النبوءة في إطار ملموس، بعيدًا عن العواطف والمعتقدات الشخصية. لننظر إلى المعطيات ونحاول فهم ما تقوله تلك النبوءة، وكيف يمكن أن تؤثر على حياتنا ومجتمعاتنا."

 

تدخل آية، ووجهها يعكس الخوف والقلق، قائلة بنبرة مذعورة: 

"في الإذاعة يقولون إن هناك زلزالًا بالقرب من البصرة، وكذلك في إيران، في شوشان!"

تبادل الأستاذ سعدون والدكتور صباح نظرات قلق. أضاف الأستاذ سعدون عبدالجبار قائلاً، وهو مرعوب: 

"ألم أقل لك يا دكتور، لقد قرأت في اللوح هذه الكلمات:

'في اليوم الذي جثا فيه مردوخ على ركبتيه، أمام عرش الآلهة في مدينة آشور، كانت السماء تمطر نارًا. الملك الخائن، الذي تمرد على سلطة آشور، هرب من وجه الآلهة ليطلب حماية العيلاميين، لكن اللعنة لحقته... والسماء لم تغفر له... وسيصيب الأرض التي يدنسها بقدميه اللعينتين زلازل وأعاصير.'

تجمدت الكلمات في الهواء كأنها غيمة ثقيلة تظلل المكان. كان يرتعش من هول ما سمع، إذ تذكر كيف أن الآلهة لم تكن تتساهل مع الخائنين. الدهشة تجلّت في عينيه، وكأنما كان ينظر إلى شبح الماضي الذي يتراءى له.

"لقد تحققت النبوءة التي ذكرتها لك،" تابع سعدون، صوته يختلج بين الخوف والقلق. "كل ما رأيناه من أحداث مؤلمة، من الزلازل التي دمرت المدن، إلى العواصف التي اجتاحت الأرض، يبدو كأنه نتيجة لتلك الكلمات القديمة."

كان الدكتور يستمع بتركيز، وعقله يعالج ما يقوله سعدون. كيف يمكن أن تكون هذه النبوءات قديمة، ومع ذلك تنعكس في واقعهم الحالي؟ كانت الأحداث التاريخية تتداخل مع الحاضر، وكأنها تشير إلى أن التاريخ يعيد نفسه.

"يجب علينا أن نكون حذرين،" أضاف سعدون، وقد أصبح وجهه شاحبًا. "إذا كانت الآلهة قد أصدرت حكمًا، فعلينا أن نتفحص كل ما يحدث حولنا، ونحاول أن نفهم ما يتوجب علينا فعله قبل أن تصل اللعنة إلى أبوابنا."

كانت الكلمات تتردد في ذهن الدكتور، وكأنها جرس إنذار يدق. في تلك اللحظة، أدرك أن القدر لم يكن مجرد فكرة، بل كان قوة حقيقية تدفعهم جميعًا نحو ما لا يمكن تصوره.

اخذ الأستاذ يبحث عن اللوح الذي يحتوي على نبوءة مردوخ، لكن لم يجد شيئًا في مكانه المعتاد. ارتبك، وعبر عن قلقه: "كيف يمكن أن يحدث هذا؟ اللوح كان هنا في الصندوق، والآن اختفى!"

 قال الأستاذ سعدون عبدالجبار بغضب واضح: "يبدو أن علي هو من سرق اللوح! أين هو الآن؟ لقد حرضته الحية الرقطاء، سناء عبد الدايم! لن تبتلعك الأرض يا علي، سوف أجدك!"

 
صمتت الغرفة، وكأن الهواء قد تجمد. كانت الفكرة المقلقة تسري في عقولهم: هل يمكن أن تكون النبوءة قد بدأت تتحقق بالفعل؟ كان الأستاذ سعدون يشعر بالانزعاج، بينما نظر الدكتور صباح في عيني آية، محاولًا استيعاب الأبعاد الحقيقية لما حدث.

قال الدكتور صباح، وهو يحاول تهدئة الأجواء: "علينا أن نكون هادئين ونتأكد من المعلومات. دعينا نبحث عن اللوح، ولنتأكد مما إذا كان هناك أي تفسير علمي لما يجري. قد تكون هذه الأحداث مرتبطة، أو ربما تكون مجرد مصادفة. يجب أن نتعامل مع الأمر بشكل منطقي، بعيدًا عن الرعب والخوف."

لكن آية، التي لم تستطع كبح مشاعرها، ردت بحماس: "لكن هذا ليس مجرد مصادفة! قد يكون هناك شيء أكبر من ذلك! إذا كانت النبوءة صحيحة، فعلينا أن نعرف ما يعنيه ذلك!"

كانت نبرة الأستاذ تحمل إصرارًا شديدًا، مما زاد من توتر الأجواء في الغرفة. أضاف بلهجة حاسمة: "علينا أن نتحرك، لا نملك وقتًا نضيعه! إذا كانت نبوءة مردوخ تتحدث عن أحداث في شوشان وفي الصحراء، و مردوخ هارب نحو هذين المكانين، فلا بد أن نتعقب أثره قبل أن يفوتنا الأوان!"

لكن الدكتور صباح الحكيم، الذي كان يحاول الحفاظ على الهدوء، رد بحكمة: "هذه ظواهر طبيعية، يا أستاذ. يجب أن نتحلى بالصبر. لا يمكننا التسرع في استنتاجاتنا. يا آية، انتظري، عليكم الالتزام بالهدوء والتركيز على رؤية النتائج. ربما تكون هذه الأحداث طبيعية، وليست مرتبطة بالنبوءة كما تظنون."

نظر إلى كلاهما، محاولًا تذكيرهما بأهمية التفكير العقلاني في مواجهة المخاوف. "دعونا نجمع المعلومات بشكل أفضل، ونحلل ما يحدث قبل اتخاذ أي خطوات. هل يمكن أن يكون هذا مجرد زلزال عابر؟ علينا أن نفكر بعقلانية، وليس بعواطفنا المتقدة."

في تلك اللحظة، كان الحوار يدور بين الشكوك والأحاسيس، مما زاد من تعقيد الوضع. 

بلغ الزلزال بغداد، واهتزت المدينة اهتزازًا شديدًا. كان الأثر مدمرًا، حيث تهدمت البيوت وعلت الصرخات في كل مكان. وسط الفوضى، كان صوت المذيع يتعالى في المذياع، يحذر الجميع من الكارثة. كانت الكلمات تتردد في الأجواء، لكن ما أثار الرعب أكثر هو ما قاله المذيع:

"ظهر في الصحراء رجل يرتدي ملابس قديمة، كأنه هارب، يتكلم بلغة غريبة يبدو أنها الآشورية..."

نزل الطبيب صباح الحكيم والأستاذ سعدون عبدالجبار وابنته آية عالجبار تحت الطاولة، حيث لجأوا للحماية من الاهتزازات العنيفة. كانت آية تبكي مذعورة، ووجهها شاحب، يصبب عرقًا. تلاشت قوتها، وسرعان ما وقعت مغشيًا عليها.

"آية! آية!" نادى أبوها، وهو يحاول إيقاظها، بينما كان القلق يسيطر عليه. كان يضغط على كتفيها برفق، ويتلمس جبينها البارد.

وفي هذه الأثناء، كان الدكتور صباح يحاول تهدئة الأجواء حولهم. "آية، افتحي عينيك، نحن هنا معك،" قال بصوتٍ حنون، لكن صوته كان يغمره الخوف.

استمر الزلزال في العصف بالمدينة، والأصوات تتعالى من الخارج. لكن تركيزهم كان على آية، الفتاة التي كانت تحمل في عينيها قصصًا لم تُروَ بعد. لم يكن يعرف أيهم أسوأ: الهزة العنيفة التي جرفت كل شيء في طريقها، أم المجهول الذي ينتظرهم في الخارج.


فجأة، فتحت آية عينيها، وبدت وكأنها تبحث عن شيء ما، وعندما التقت عيناها بعيني والدها، سمعت الدكتور يقول لأبيها:

"يبدو أن مرض الفصام أثر عليها، ولا بد من حجزها في المستشفى..."

قال الأستاذ، وعيناه تدمعان: "أنا لا أستطيع تركها يا دكتور..."

رد الدكتور، وهو ينظر إليها برفق وحنان: "أصبح لزامًا علينا حجزها. لقد خلقت قصة وهمية وتعيش أحداثها، وجعلتك بطلًا لقصتها التي لا يعيش أبطالها إلا في مخيلتها." ثم أضاف، وهو يمسك بيد الأستاذ سعدون، مخرجًا إياه من الغرفة: "قد يعاني بعض الأشخاص المصابين بالفصام من هلاوس سمعية أو بصرية، مما قد يؤدي إلى تصور أحداث أو شخصيات غير موجودة. قد يتسبب ذلك في اختلاق قصص ترتبط بهذه الهلاوس. كما أن الأوهام يمكن أن تؤدي إلى تصورات غير صحيحة عن الواقع، مما يجعل الشخص يعتقد في وجود أحداث أو مواقف غير حقيقية، وبالتالي يمكن أن يختلق قصصًا بناءً على هذه الأوهام."

ارتفعت من آية صيحة: "أبي، ماذا يحدث؟"

طمأن الطبيب صباح الحكيم الأستاذ قائلاً: "لا بأس عليها، سوف نحقنها بمهدئات. لا تقلق، هي في أيدٍ أمينة. 

 أضاف الأستاذ سعدون عبدالجبار إلى الدكتور، بلهجة تحمل عبء الذكريات: "آية متأثرة جدًا من وفاة أمها نقية... ومن المؤكد أنها تعلم أني عالم آثار، وكانت تساعدني أحيانًا. اختلط عليها الأمر، وكما تقول يا دكتور، المصاب بالفصام مبدع في تأليف القصص."

رد الطبيب ضاحكًا: "إنها جعلت مني بطلاً أيضًا، وتغار من الممرضة مساعدتي."

قال سعدون، وقد كاد يبكي من فرط حزنه شاعرا بالاحراج: "أعذرها، كما تعرف، إنها مريضة..."

تنهد الطبيب، وعبّرت نظراته عن تفهم عميق، قبل أن يقول: "هذا الأمر يجري بين الطبيب والمريض، وهو أمر عادي بالنسبة لمهنتنا. نرى الكثير من الحالات، وكثيرًا ما نتعامل مع عواطف مركبة مثل هذه."

شعر سعدون بالقلق وهو ينظر إلى ابنته التي لا تزال مستلقية على السرير، عائشة في عالمها الخاص. "لكنني أخاف عليها، يا دكتور. لا أريد أن تفقد نفسها في هذه القصص التي تنسجها. أريدها أن تعود كما كانت، أن تعيش واقعها."

رد الدكتور مبتسمًا برفق: "سنعمل جاهدين على مساعدتها. التقييم الدقيق والاهتمام المستمر هما المفتاح. ومن المهم أن نكون هنا لها في هذه اللحظات الحرجة. الدعم العاطفي من العائلة يمكن أن يحدث فرقًا كبيرًا."

حاول سعدون أن يشعر بالراحة، لكن قلبه كان مثقلاً بالألم، وهو يتذكر كيف كانت آية مبتسمة دائمًا، تعبر عن شغفها بالآثار وتساعده في أبحاثه. "أريد أن أرى الابتسامة تعود إلى وجهها. أريد أن أراها تعيد بناء نفسها بعد كل ما فقدته."
                                      

"سنقوم بذلك معًا،" أكد الطبيب، مُشيرًا إلى أنه ليس وحده في هذه المعركة. "فلنبدأ بخطوة صغيرة في هذا الاتجاه، ولنعمل على دعمها بكل ما نستطيع."


اردف الطبيب قائلا:

"يا استاذ سعدون لكن ما الذي جرى لكم حتى جلبتها إلى هنا؟"

قال الأستاذ مرتبكًا: "وقع لنا حادث سير، اصطدمت بنا سيارة، وهي وقعت مغشيًا عليها. وبعد أن اتخذت الإجراءات، استيقظت وظلت تردد كلمات غريبة: 'عودة مردوخ... زوكوتو... أحيقار... سنحاريب... عومري وأزيبلا... برهدد الثاني... الزلزال يجب أن تحذر الجميع من حدوث ما لا يحمد عقباه.'"

بينما كانا يتحدثان، دخل علي جاسم برفقة سناء عبدالدايم، اللذان كانا خائفين، قائلين: "طمئنا يا أستاذ سعدون، ما الذي جرى لها؟"

حكى لهم أنها بخير. فقالت سناء عبدالدايم: "لقد أغلقت المكتب واتصلت على زوجي علي حتى نأتي إليكم... هل أنت بخير يا أستاذ؟ 

قال الاستاذ سعدون :

 أنا على ما يرام...

اضافت سناء عبدايم قائلة :

واللوح الذي اكتشفته سلمته إلى متحف بغداد، واليوم موعد تكريمك..."

قال علي جاسم: "هل ستحضر أنت وابنتك في هذه الحال؟"

رد الأستاذ سعدون عبدالجبار: 

"أنت احضر نيابة عني، واكتب له، يا سناء، خطبة معبرة عن النقش."

ما من أحد يعلم ما هي الحقيقة. هل فعلاً حصل ما اعتقدت فيه آية، أم أنه كان مجرد خيال منسوخ من خيوط الواقع؟!

النهاية

الأحد، 4 ديسمبر 2016

جزيرة المنبوذين


أبو مركوب الضاحك !!

**جزيرة المنبوذين**

في أحد الأيام، كان هناك عالم يشع بنورٍ فريد، تلك هي "الغابة السعيدة" التي كانت تعج بالكائنات المتناغمة، حيث الطيور تنشد في سماءٍ زرقاء خالية من الهموم، والحيوانات ترفل في نعيمٍ لا يعكره شبحٌ من حزن. لكن في هذا المكان المثالي، كان هناك طائر وحيد، عينه غارقة في بحرٍ من الحزن، طائرٌ يُدعى "مالك الحزين".

كان مالك الحزين ليس مجرد طائر، بل كان تجسيدًا للفكرة التي يتجنبها الجميع: فكرة الحزن والظلام. ومن دون شك، أصبح وجوده في الغابة السعيدة غير مرغوب فيه، إذ أصبح يُعتبر تهديدًا للنشوة العامة التي كانت تسود المكان.

في اجتماعٍ طارئ، اجتمع أبناء الغابة برئاسة النسر، ملك الطيور، وقرروا بالإجماع أن يطردوا مالك الحزين، ليظل عالمهم خاليًا من شبح الحزن الذي يلوح في السماء كطيفٍ ثقيل. نظر النسر إلى مالك الحزين بنظرة قاسية وقال: "يا مالك الحزين، في غابتنا لا مكان للهم، عليك أن تذهب بعيدًا. لقد صوت الجميع أن تغادر، فإنك تمثل ثقلًا يهدد سعادة المكان."

وفي تلك اللحظة، شعر مالك الحزين أنه لم يعد مجرد طائر، بل أصبح جسدًا يحمل هموم العالم. ومن دون أن ينطق بكلمة، بدأ يطير بعيدًا، كما لو أنه كان يحمل كل ثقل الأحزان التي كانت تأسره.

طوال أيامٍ طويلة، كان يحلق فوق أراضٍ شاسعة، باحثًا عن ملاذٍ يمكنه فيه أن يخفف من آلامه. إلى أن وصل إلى مكانٍ بعيد، جزرٌ معزولة تقع في أفقٍ مجهول، حيث السماء لا تنقشع عن غيمٍ دائم، والجزر تتناثر كحلمٍ ضائع بين الأمواج. هناك، التقى بطائرٍ غريب يُدعى "أبو مركوب"، طائرٌ ذو هيئة غريبة ولكن خلف ضحكاته كان هناك ألمٌ عميق لا يراه أحد.

قال أبو مركوب بحزنٍ دفين: "كنت مهرجًا في غابة السعادة، وكلما ضحكت، ضحك الجميع، لكنني كنت أشعر أن ضحكاتهم كانت سخرية. كان وجودي في الغابة مثل فقاعةٍ سرعان ما تنفجر، فطُردت لأني لم أكن أملك الفرح الذي يطلبونه."

كان مالك الحزين يصغي إلى كلمات أبو مركوب وكأنها تخترق قلبه، فقد أدرك أن الحزن ليس مجرد شعور فردي، بل هو جزءٌ من تجربةٍ إنسانية يختبرها الجميع في لحظاتٍ من الصمت والموت الداخلي. كان يدرك أن هذه الجزيرة، التي صارت ملاذًا للمنبوذين، ليست مجرد جزيرة جغرافية، بل جزيرة تحمل في ثناياها كل التجارب التي يتم نبذها في العالم الكبير.

فكر مالك الحزين في شيءٍ عميق: إذا كان الحزن هو ما يجمعهم، فربما يكون هو أيضًا ما يمكن أن يوحدهم. قرر أن يجمع كل الكائنات التي طُردت من أماكنها بسبب عواطفها المكبوتة، وأن يبني بينهم جسرًا من الفهم والمشاركة.

في قلب الجزيرة، حيث الجزر تلتقي بموجات البحر الغامضة، قرر مالك الحزين أن ينظم لقاءً. دعا جميع الكائنات التي وجدت نفسها ضائعة في هذا المكان، وأعلن: "لن نكون هنا مجرد كائنات منبوذة، بل سنكون أخوة وأخوات نشارك معًا آلامنا وآمالنا، لأن في أعماق الحزن يكمن شعاعٌ من النور."

في البداية، كانت الأجواء مشحونة، مليئة بالصمت والارتباك، لكن مع مرور الوقت بدأ الجميع يفتح قلبه، وتحولت الكلمات التي كانت تحمل الحزن إلى نبضاتٍ تتناغم معًا. اكتشفوا معًا أن الألم لا يعني نهاية الحياة، بل هو بداية جديدة لفهم أعمق للوجود، وأن في الوحدة تكمن القوة، وفي الحزن تكمن الحكمة.

ومع مرور الزمن، أصبحت جزيرة المنبوذين مكانًا منفتحًا على جميع مشاعر الإنسانية. تعلم الكائنات أن الحزن ليس عبئًا يجب التخلص منه، بل هو جزءٌ من تجارب الحياة التي تعطي للأمل قوة جديدة.

أصبح مالك الحزين، الذي كان يُعتبر رمزًا للأسى، قائدًا ملهمًا يحمل شعلة التغيير. تحولت الجزيرة من مكانٍ للرفض إلى وطنٍ يحتضن الجميع. تعلموا أن قيمة الإنسان لا تكمن في اسمه أو شكله، بل في قصته، وفي عمق تجربته التي يشاركها مع الآخرين.

وهكذا، انتشرت جزيرة المنبوذين كرمزٍ للتغيير العميق، مكان يعكس قيم التضامن، حيث لا يُحكم على أحد بما يحمل من حزن أو فرح، بل بما يقدمه من قلبٍ مفتوحٍ ورغبةٍ حقيقية في التواصل.

**النهاية.**

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...